الحوار المتمدن - موبايل



نقد الدين أم نقد الفكر الديني؟

ممدوح مكرم

2016 / 5 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الجزء الأول ( مدخل لابد منه)
في هذه المقالة ومقالات أخرى ، سنتعرض لهذه الإشكالية المتعلقة بالدين، والتي لم تُحسم حتى اللحظة، بل عادت تَطِلُ برأسها من جديد مع ما يُسمى [بالربيع العربي] وتنامي نفوذ الجماعات التكفيرية، والتي سيطرت على أجزاء واسعة من الجغرافيتين السورية و العراقية، بالإضافة إلى سيناء، وليبيا و أجزاء من جنوب اليمن، وأفريقيا شمال و جنوب الصحراء.
قبل الولوج إلى موضوعنا نبدي بعض الملاحظات الأولية
أولا: لا ندَّعي أننا أول من يعالج ذلك الموضوع، فقد سبقنا كثيرين في تناوله من زوايا عديدة، أما ما نفعله نحن هو إعادة الموضوع إلى الواجهة مرةً أخرى، حيث بدا لنا أن أحدًا لم يعد مهتمًا به، بل وقد يكون كارهاً لتناوله ؛ بسبب ما يجرَّه من متاعب واتهامات بالتكفير ...إلخ تلك التهم المُنَمَّطة و الجاهزة.
ثانيًا: بحكم أننا ننتمي للتيار الماركسي الواسع و المتنوع، فدائمًا ما وُضعت الماركسية في مواجهة الدين، والدين في مواجهة الماركسيةسواءًا بالحق أو الباطل( مع غلبة الباطل في معظم الأحيان) ؛ لذا سُطرت العديد من الكتب و الأوراق والأبحاث والمؤتمرات التي تُحَذَّر المواطن من هذه الأفكار الضالة الملحدة القادمة من الغرب الكافر!! ومعظم إن لم يكن كل من تناولوا الماركسية بالقدح لم يقرأوا حرفًا واحدًا في أي كتابٍ ماركسي حتى لو كان كتابًا مدرسيًا ساذجًا.
ثالثًا: أننا إزاء حالة انحطاط فكري غير مسبوق؛ بل ولا نبالغ إذ نقول حالة [خصاء فكري] أًثَّر بالسلب على وجود إنتاج فكري ونظري رصين كما كان الأمر في السابق، ومن هنا غاب العمق في التناول وسادت السطحية والإبتذال، وأصبح الخطاب السياسي قاصرًا على الجانب المتعلق بالحريات واسقاط الرؤساء ( وليس الأنساق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية) ؛ فانفصل الفكري والثقافي عن السياسي؛ فأدى إلى فقر السياسي واغتراب وتهويم الفكري و الثقافي.
رابعًا: ما لاحظناه من ظاهرة انتشار الإلحاد عبر الفضاء الالكتروني، وبعض الشرائح من النخب الشابة في الواقع الحي، ولكنَّ من خلال تعاملنا مع بعضهم وجدنا أن الأمر لا يعدو كونه فورة لحظية، مرتبطة بظروف معينة، أو تماشيًا مع ما يُسمى [بالموضة]، و بالتالي لم يأت الإلحاد مبنيًا على أسس متينة علمية وفلسفية مستمدة من نظريات العلوم و العلوم الإنسانية، فصار يشبه الإيمان الديني- إن لم يكن إيمانًا دينيًا معكوسًا، إن جاز التعبير- .
هذه كانت ملاحظات أولية آثرنا أن نبدأ بها حديثنا، نراها مهمة بالنسبة للقارىء العزيز؛ حتى يعرف دوافعنا الحقيقية إزاء الموضوع وتناوله.
(1)
داخل التيار الماركسي في العالم العربي، تتنوع الإتجاهات والرؤى التي تتعلق بالدين، وإن لم تظهر بشكلٍ واضح وجليٍ ، لذا يمكن استتبطان تلك الإتجاهات ( أي قراءة باطنية من خلال بنيتها المعرفية) وهي تمثل عينات مع الأخذ في الاعتبار السلبيات المتعلقة بتقنية العينة.
فمن أبرز هذه النماذج: نموذج صادق جلال العظم[ مع كل التحفظات عليه بسبب مواقفه، نفصل هنا بين السياسي والفكري فصلًا منهجيًا فقط حتى يسهل البحث والتحليل] قَدَّمَ العظم رؤيته للدين في كتابه ( نقد الفكر الديني) وذلك في العام 1969م وطُبع عدة طبعات بعد ذلك ( الطبعة التي بين أيدينا هي الطبعة التاسعة 2003 م الصادرة في بيروت، دار الآداب) وتعرض العظم بسبب هذا الكتاب للمحاكمة والقدح في أفكاره ومعتقداته كما هو المعتاد، عنَّون العظم كتابه بـ نقد الفكر الديني، أي نقد الأفكار الدينية و ليس نقد الدين في حد ذاته، وهذا يأتي كنتيجة لفصل بين الدين، و الفكر الديني، والخطاب الديني، كما نلاحظ ذلك أيضًا في كتاب المفكر المصري الراحل الدكتور نصر حامد أبو زيد ( نقد الخطاب الديني) والذي صدرت طبعته الثانية للنشر عن دار سينا المصرية، هنا نحن إزاء رؤيتين الأولى: نقد الفكر، والثانية: نقد الخطاب، يضاف إليهم رؤية أخرى تنطلق من النص الديني، نجدها عند نصر حامد أبو زيد ( كتاب مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن) وهو أسبق في صدروه من نقد الخطاب، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة دراسات أدبية عام 1990م و أيضًا كتاب المفكر المصري المقيم بفرنسا ( غالبًا) عبد الهادي عبد الرحمن [ سلطة النص: قراءات في توظيف النص الديني] والتي صدرت طبعته الأولى عام 1998م عن داري سينا، والانتشار العربي، وأُعيد طبعه ثانيةً بعد ذلك، وجاء ذلك عقب صدور نقد الخطاب الديني ومحاكمة الدكتور نصر الشهيرة في عام 1995م.
هذه الكتب الأربعة تحديدًا تناولت الظاهرة الدينية بشكل مباشر، عبر تجلياتها إما في الفكر كما نجده عند العظم، الذي تناول عدة أفكار دينية بالعرض و التحليل ثم التعليق و النقد، مع ملاحظة أن الكتاب جاء بعد هزيمة حزيران 67م، ويُعتبر هذا التاريخ مفصلي في تناول الفكر العربي المعاصر؛ حيث كان للهزيمة الأثر البالغ في تهتيك بنية حركة التحرر الوطني العربية، وإعادة إحياء الدين السياسي بطبعة وهابية أمريكية إخوانية ليكون ( مخلب قط فيما بعد لاختطاف مصر و سائر المنطقة لنصل لنتيجته المنطقية الآن، وكما سنرى تفاصيله) فالعظم تناول فقر الفكر الديني مقارنة بالثقافة العلمية( ص12) وأعاد قراءة قصة إبليس مع آدم ( مأساة إبليس) كما عنونها، ثم ركز تناوله على الفكر الديني المسيحي الغربي، ومعجزة ظهور العذراء في مصر والتي ارتبطت بهزيمة 67 م وقد تناول المفكر المصري حسن حنفي تلك الظاهرة في كتابه[ الدين والثقافة الوطنية] الذي صدر عن مكتبة مدبولي في ثمانينات القرن المُنّصَرم ثم يختم كتابه بـ مدخل عن النظرة العلمية المادية للكون لتكون بديلا عن النظرة الدينية البائسة كما يراها العظم.
أما عند نصر حامد أبو زيد وعبد الهادي عبد الرحمن، تم تناول الظاهرة الدينية عبر تجليها في النص، فالدكتور نصر حاول في مفهوم النص حاول إعادة تعريف النص الديني وتحليل بنيته وربطه بنسقه الثقافي من ثم يصبح النص تاريخانيًا ( أي أنه تَخَلَّقَ في زمانٍ معين، تأثر به و أثر فيه) فهو جزءٌ من التاريخ، يخضع لحركة التاريخ سلبًا أو إيجابًا، أما سلطة النص، لعبد الهادي عبد الرحمن فهو تناول النص المقدس – باعتباره سلطة- أو متجلٍ في سلطة عبر تأويله وفهمه ثم توظيفه في السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ ليصبح آلية من آليات التجاذب و الصراع بين مختلف الأطراف في مجتمعاتنا ( سلطةً أو معارضة) لذلك نجد أن الكتاب تناول عدة قراءات للنص قديمة وحديثة، وجد أنها مغرضة وتعلي من شأن الأيديولجي على حساب العلمي.
وكتابا مفهوم النص، وسلطة النص، جاءا في سياق ازدهار الدراسات اللغوية و اللسانيات وظهور علم النص، ونظريات ومناهج جديدة ارتبطت بدراسة النصوص ( مثل الهرمنيوطيقا ( التأويل) والتلقي، والأسلوبية، واللسانيات والتفكيك والنقد الثقافي ...إلخ وإن كانت كلها ارتبطت بالنصوص الأدبية، إلا أنها فتحت المجال لتناول النصوص الدينية وهو ما فعله الدكتور نصر، والدكتور عبد الهادي عبد الرحمن، وانطلق منه المفكر الفرنسي الجزائري الراحل [محمد أركون] الذي أسس لما بات يُعرف بالإسلاميات التطبيقية.
أما كتاب نقد الخطاب الديني: تناول الظاهرة الدينية من حيث خطابها وتجليات هذا الخطاب في العديد من المظاهر و السلوكيات، في الفصل الأول تناول: الخطاب الديني المعاصر، آلياته ومنطلقاته الفكرية، والفصل الثاني: التراث بين التأويل و التلوين( قراءة في مشروع اليسار الاسلامي) والفصل الثالث: قراءة النصوص الدينية (دراسة استكشافية لأنماط الدلالة) نلاحظ أن الدكتور نصر كعادته وبحكم تخصصه ينطلق من المستوى اللغوي و ربطه بأنساقه العامة، من خلال عمليتي تفكيك ثم تركيب يرتكز على جملة أو مزيج من المناهج اللغوية و البلاغية و المُرَكَبَّة على رؤية سيسيولجية و تاريخية من خلال نظرة جدلية مادية، وهذا ما يعتبر الميزة الأهم للدكتور نصر، بل وجعلته المفكر الذي يمكن أن يشكل خطرًا كبيرًا على الرؤية الأصولية الدوجمائية و نسقها المعرفي و اللاهوتي، وتجلياتها السياسية في حركات الدين السياسي، و بنية الدولة ونظامها الحاكم، وتعبيرها الاجتماعي عن الرأسمالية الرثة وآليات السوق؛ وجاء هذا الكتاب في سياق استعار الصراع المسلح بين الجماعات الدينية و الدولة في مصر في التسعينات، استدعى كل طرف الدين ليكون آليته في معركة تكسير العظام التي دارت بين الطرفين عصرئذٍ.
إن التطور العلمي و المعرفي على مستوى بنية العلوم الطبيعية من ناحية، وبنية العلوم الإنسانية من ناحية أخرى ساعد كثيرًا في إعادة بناء التصورات الإنسانية عن الكون والوجود؛ وأدى إلى انزيحات الرؤية اللاهوتية في أروبا تحديدًا وبروز الاتجاهات المادية والملحدة، ولذا كانت العلمانية هي الإطار الذي يحكم طبيعة الحياة و التصورات هناك. أما في منطقتنا الأمر بات أكثر تعقيدًا؛ بسبب ما خلفه الاستعمار التقليدي من تشوه في أبنيتنا المختلفة، وقصورنا الذاتي من ناحية، ومن ناحية ثالثة تبعيتنا وتخلفنا في حَقَبَة الامبريالية الجديدة ( العولمة) وهذا ما أعاد إنتاج الدين في سياق التخلف و التبعية وصعود تيارات الدين السياسي منذ السبيعينات والتي أصبحت تيارات وظيفية تعمل لصالح الامبريالية بشكل مباشر أو غير مباشر على مستوى الخارج، وتعمل لصالح الطبقات الكمبرادورية الحاكمة (الرأسماليات الرثة) وهياكلها السياسية المتمثلة في نظم قمعية بوليسية مستبدة و تابعة بل وعميلة أيضًا.
من هنا كانت محاولات تقديم رؤى للدين، من خلال حديثنا أعلاه قبل الفقرة هذه، ولذا نعود لوصل ما انقطع من حديثٍ مرةً أخرى.
(2)
ليست الكتب الأربعة هذه هي فقط، بل هناك كتابات أخرى متنوعة، يضيق الحديث عنها، لكننا سنركز على بعضها، فمن ذلك تناول المفكر اللبناني حسين مروة للدين ومظاهره في كتابه [ النزعات المادية في الفسلسفة العربية الاسلامية] و المفكر العراقي هادي العلوي خاصة كتابه [ مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في المشرق] و مقاله في مجلة النهج السورية [ موجزعن تاريخ الزندقة في الاسلام] م11 ، صيف 98 ، عدد 43 ، صـ 71-87 ، وجلبير الأشقر في دراسة منشورة بمجلة الآداب البيروتية عام 2008م تحت عنوان: الدين و السياسة اليوم من منظور ماركسي( صـ 59-70)
تناول مروة عبر مقدمة نظرية طويلة، وعبر رؤية ماركسية صريحة فكرة الدين ونشوئها في الجزيرة العربية و مظاهرها، وكيف انبثق الاسلام من الجاهلية عبر ما سماه( بجدلية الانقطاع والتواصل) وركز مروة على كيف بصبح التراث بعد إعادة قراءته و فهمه قراءة علمية( جدلية مادية) جزءًا من حركة التحرر الوطني العربي الناهضة، كان هاجسًا رئسيًا لدى مروة عملية إعادة قراءة التراث و رؤية الجوانب العقلانية ( المادية) في التراث لتكون جزءًا من بنية الحركة التحررية العربية الثورية التقدمية ذات الأفق الاشتراكي، و القيام بعملية نفي جدلي للمستوى اللاعقلاني داخل حاوية التراث الكبرى و الثرية بالرؤى و الأفكار و حتى المعتقدات( مقدمة النزعات: صـ 5- 171 ط دار الفارابي 1978م) .
أما المفكر العراقي هادي العلوي: تناول الظاهرة الدينية في سياق تمثلها التراثي، فهو قد أثرى المكتبة العربية بالعديد من الكتب و الدراسات الهامة، من أبرزها كتابه مدرات صوفية، تراث الثورة المشاعية في المشرق، وكان قد قَدَّمَ نقدًا لاذعًا للدين الرسمي ( دين الخلافة و الخلفاء، دين الملوك و السلاطين) لكنه احتفى بالدين الصوفي، أو بتعبيرٍ دقيق: النزعة الصوفية الثورية باعتبارها نزعة إنسانية عالمية، رابطًا بين التصوف الاسلامي و التاوية الصينية ( نسبة للتاو وهو الحق) كتطوير و إصلاح ديني داخل البوذية – إن جاز التعبير- واعتبر العلوي أن أعداء الكادحين ثلاثة( الدين، والمال، و السلطة) ووجه سهام نقده الحادة للطبعات الغربية من الماركسية واعتبرها ضمن سياق هيمنة المركز الأروبي، ودعى إلى ماركسية نابعة من مجتمعاتنا نحن، كما حدث في الصين ( هو يسميها الماركسية المُصَيَنة) فلا غرو أن دارت مدارته بين أبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والإمام السجادّ ( علي زين العابدين بن الحسين بن علي) ولاو تسي ( الفيلسوف الصيني) وماركس و تشي جيفارا...إلخ وكتب الكتاب على طريقة المتصوفة وبطريقة المقامات ( أي قسم الكتاب إلى مقامات، وهي مصطلح صوفي معروف كمقام المحبة مثلًا) وختم كتابه ببرنامج لبناء مجتمع مشاعي، وهو الهدف الاستراتيجي عبر تتبع جذور الفكر المشاعي في تراث فلاسفة و متصوفة الشرق في الصين و الشرق الأدنى و فارس و الهند.( انظر مقالنا عن هادي العلوي على موقع الحوار المتمدن، وكذلك مقدمة المدارات)
أما مقاله في مجلة النهج [ موجز عن تاريخ الزندقة في الاسلام) لا يختلف من حيث جوهره مع المدارات، فهو جاء لرصد ظاهرة الزندقة التى التصقت دائمًا بالحركات الثورية في العصر الاسلامي الوسيط سواء الحركات ذات الروافد الشيعية أو حركات التصوف الاجتماعي الثوري، وربط ذلك أيضًا بحركات مماثلة في الصين وهي ردة فعل على مدى تغلغل الظلم الاجتماعي و القهر الديني الأصولي و الطبقي، وهو يطمح في النهاية لبناء وحدة وجود جدلية توحد بين الانسان و الإله ( تأليه الإنساني، و أنسنة الإلهي على حد تعبيره) وهو بذلك يجمع بين الرؤية العلمية العصرية للمادة ( باعتبارها المنطلق و الأساس ) وبين رؤية روحية صوفية تتعامل مع المادة باطنيًا؛ فيكون الله و المادة شيئًا واحدًا، وبالتبعية تنزاح المسافة بين اللاهوتي و الناسوتي، حقًا إنَّ هادي العلوي يمثل إشكالية وظاهرة بمفرده تحتاج إلى دراسة مستقلة!!
أما دراسة جلبير الأشقر في الآداب البيروتية( عدد 12، كانون أول 2008م ) و التي حملت عنوانًا لافتًا للنظر: الدين و السياسة اليوم من منظور ماركسي، هو عاد لنص ماركس الشهير في كتابه" نقد فلسفة الحق عند هيجل" [ سنتوقف أمام هذا النص لاحقًا] و الذي احتوى على أشهر عبارة – باتت دارجة- " الدين أفيون الشعوب" وهي أحد المداخل التي تتهم الماركسية بأنها نظرية إلحادية أساسًا!
كما استمد الأشقر تحليله من رؤية لودفينج فيور باخ [ حلقة الوصل بين جدل هيجل المثالي، وجدل ماركس و انجلز المادي] فيور باخ الذي رأى أن الدين صناعة بشرية و منتج بشري أساسًا و صلة له بالسماء وحفر عبارته" الإنسان يصنع الدين، الدين لا يصنع الإنسان" ودعا الأشقر إلى نقد الدين بشكل صريح وواضح مع التعامل بحذر مع الأصوليات، وهو خلال هذه الدراسة قد عقد مقارنة قيمة بين تجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتنية و بين الأصوليات الاسلامية مستندًا على مقارنة بين الإسلام و المسيحية من خلال منهجية مزجت بين ماركس وانجلز من ناحية، وماكس فيبر من ناحية أخرى.
(3)
بعد هذا العرض السريع و المكثف لبعض نماذج تناول الظاهرة الدينية في كتابات بعض الماركسيين العرب- أو من يحسبون- يمكن أن نستخلص : أن هناك تفاوت في النظر إلى الدين و الظاهرة الدينية عمومًا، فالبعض يريد أن يحتفظ بالدين و لكن بعد إعادة قراءته و تأويله بشكل ثوري، و أن الدين ليس له تفسير واحد هو يخضع كأي ظاهرة إنسانية أخرى لمقتضيات الوضع الاجتماعي و الطبقي، بحسب ما أو أوصلتنا إليه النظرة المادية الجدلية، ومنجزات العلوم الإنسانية التي تطورت بشكل مُلفت للنظر، وقد يكون العلوي وحتى مروة أقرب ومعهم نصر حامد أبو زيد ، وذلك في ظل دولة علمانية حديثة تحترم جميع العقائد والأديان ، وتحترم حتى اللااعتقاد (الإلحاد) ووجهة النظر الثانية: قد تريد تجاوز الدين كليةً كما عند جلبير الأشقر و صادق جلال العظم وعبد الهادي عبد الرحمن، رغم أن الرافد واحد، أنه يغترف من معين الماركسية و منهجها العلمي، يمكن رد ذلك – أي التفاوت في وجهات النظر- إلى الإشكالية السياسية بين الدين و السياسة في مجتمعنا، و تخندق الجماهير في جزء لا يستهان به وراء تيارات الدين السياسي، بل والحرص على احترام الدين حتى بدون الإلتزام الحرفي بطقوسه و تعاليمه، الطريف في ذلك أن الجماهير لا تتذكر الإله كثيرًا في براثن انسحقاها الاجتماعي، وجريها وراء ( لقمة العيش) لا تتذكره إلا إذا ألمت طآمة كبرى، أو ضائقة مالية شديدة، تهرع إليه بالدعاء، أو تنتظر شيئًا ما غيبيًا ليحل المشكلة أو الضائقة، وهذا هو العزاء الذي تستفيد به الجماهير الكادحة من الدين على نحو ما بين ماركس، وكما سنوضح نحن بعض هنهيهات قليلة.
(4)
قبل أن نجيب عن سؤال عنوان المقال: نقد الدين أم نقد الفكر الديني ؟ يتعين أن نفهم ما هو الدين ؟ وما هي طبيعته؟ وما العلاقة بين الدين و الفكر الديني و الخطابالديني؟ ثم ننهي ببناء تصورنا نحن في ضوء المعطيات الحالية، وما طرحناه من رؤى للآراء المذكورة في الفقرتين [1،2]
ماركس و الدين أو الماركسية و الدين
" إن المعاناة الدينية هي التعبير عن المعاناة الحقيقية، وهي الاحتجاج على المعاناة الحقيقية، في الوقت نفسه، إنَّ الدين هو زفرة المقهور ، روح عالم بلا قلب، كما أنه روح أوضاع بلا روح، إنه أفيون الشعوب، إنَّ إبطال الدين بوصفه سعادة وهمية للناس، يتطلب سعادتهم الحقيقية،و إنَّ تَطلب تخليهم عن وضعٍ يفرض الأوهام، إنًّ نقد الدين إذن في حالته الجنينية نقدٌ لذلك الوادي من الدموع الذي يشكل الدين هالته [المقدسة]
( من نقد فلسفة الحق عند هيجل لكارل ماركس)
هذا المقطع هو الأشهر، والذي يُكثر الإسناد إليه في محاولة تبيان الرؤية الماركسية للدين، أو موقف الماركسية من الدين، مع ملاحظة اختلاف أسلوب الترجمة من مترجمٍ لآخر، لكن يبقى جوهر الفكرة واحدة.
هناك من رأى من خلال ذلك المقطع أن الدين، ظاهرة ستزول حتمًا، وبذا كان اتخاذ موقف ثوري من الدين[ يسميه البعض الإلحاد المناضل] و البعض الآخر وضع النص المذكور في سياق قراءة ماركس قراءة تطورية، و ضرورة معرفة خلفيات مراحل هذا التطور، و التمييز بين كتابات ماركس في مرحلة الشباب، و ماركس في مرحلة النضج، وبالتالي وضع سياق هذا النص، فكتاب نقد فلسفة الحق عند هيجل، خطّ ماركس مسودته الأولى في صيف عام 1843م ونشر في العام التالي، وهذا النص المقتبس هو من المقدمة التي وضعها ماركس للكتاب، ومن ثم يعتبر هذا الكتاب يقع في مرحلة ماركس الشاب، الذي لم يكن قد نضج بعد، ولذا يمكن أن يكون هناك رؤية أخرى مغايرة، وهذا سنعرفه فى مقالات لاحقة ضمن هذه السلسلة.
في كل الأحوال يمكن أن نصل من النقطة إلى:-
1- الدين هو: مجموعة تعاليم وطقوس ( يُزعم) أنها تنزل من السماء عبر وسيط بين الإله و البشر تهدف إلى ربط البشر بقوة غيبية خارقة تتحكم في الطبيعة و المجتمع، وفي ذات الوقت تؤدي دورًا وظيفيًا في المجتمع وضبطه أخلاقيًا و قانونيًا.
2- أنَّ جوهر الدين هو لتعزية الإنسان المغترب عن ذاته و عن الطبيعة الذي انحدر منها عبر سياق تطوري طويل و صارم، هذه التعزية تُمثل تخفيف ألم الإنسان و تلطيفها،عبر الإيهام بحياة أفضل في عالمٍ سرمدي يحقق فيه الإنسان ما عجز عنه في حياته!
3- أنَّ الدين ظاهرة إنسانية بامتياز، حيث لم يخل شعب أو أمة عبر التاريخ، إلا و كان الدين هو لاعبٌ رئيسي في حياة الشعوب؛لإشباع حاجاته الروحية إلى جانب حاجاته المادية[ في الغالب لاتُشبع الحاجات المادية بالكامل، فيولد ذلك ما نعرفه في السيسولوجيا بالحرمان و التهميش] وهو ما يجعل الدين عاملًا أصيلًا للتعويض وكبح جماح الرغائب و الغرائز المادية- ينظر الدين إليها نظرة إزدراء-.
هذا عن الدين من حيث طبيعته ووظيفته بشكلٍ مجرد
أما الفكر الديني: هو ذلك التراث المرتبط باللاهوت، و النزوع إلى تفسير كل شيء من خلال الدين و بمعايير لاهوتية تقاس على وحي السماء، باعتباره هو مصدر المعرفة الوحيد الذي يتم الوثوق به، لأنه "لا يأتيه الباطلُ، من بين يديه، ولامن خلفه".
أما الخطاب الديني: هو كيفية بناء لغة مُعَبِّرة عن الجانب الديني، و إيصاله للناس من خلال وسائط ( هم رجال الدين، و الفقهاء، و العالمون ببواطن الأمور اللاهوتية) عبر شبكة من التعاليم التي تمزج بين الترغيب و الترهيب، هذه الوسائط تجد نفسها هي المسئولة عن حماية اعتقاد الناس من المروق والانحراف، وهذه اللغة تكون لغة رمزية و إيحائية أحيانًا، ومباشرة في أخرى، وتكون على قدر من البساطة لتصل إلى أعماق أعماق البسطاء من الناس، وذلك للسيطرة و التوجيه وخدمة أهداف معينة حقيقية أو وهمية.
إذن الفكر الديني و الخطاب الديني، هما مرتبطان بالدين الخام- إن جاز التعبير- الخطاب الديني يمثل آلية التعبير عن الدين عبر لغة ليتحول إلى رسالة تتجه إلى مُرسل له عبر وسيط ( رجل الدين) أما الفكر الديني هو الوعاء الذي يحتوي الخطاب الديني، وهو الذي يحول كل شيء إلى الدين، و يُحوَّل الدين لكل شيء عبر طريقة تفكير جاهزة ومصصمة مسبقًا، قارة في ذهنية الإنسان.
بعد كل هذا التطواف هل يمكن أن نجيب على: نقد الدين أم نقد الفكر الديني؟
هذا ما سنحاوله في الجزء القادم، اعتبرنا هذا الجزء مدخلًا وعرضًا عامًا، حتى نرى صداه في تفاصيل ومنمنمات واقعنا المعاش في مصر المحروسة.







التعليقات


1 - مقال مهم وجوهري ومتميّز
ملحد ( 2016 / 5 / 15 - 14:46 )
مقال مهم وجوهري ومتميّز
قرأت المقال مرّتين بتمعّن وتروّي
وساجيب عن تسائلك , في نهاية المقال , بشكل مسبق!

بعد كل هذا التطواف هل يمكن أن نجيب على: نقد الدين أم نقد الفكر الديني؟

جواب: انا مع نقد ودحض وتفنيد الدين نفسه
لان تفنيد وهدم جوهر الدين نفسه , يخدم الغرض نفسه ,ويؤدي تلقائيا الى هدم وتفنيد ما يسمى بالفكر الديني والخطاب الديني

تحياتي

اخر الافلام

.. عبود الزمر ونصر عبد السلام وسمك على رأس الحضور بعمومية الجما


.. كتب الإخوان تغزو المعرض الدولى للكتاب بطنطا


.. أسرة الرائد مصطفى يسرى فى الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده: ر




.. استمرار الجدل بشأن المساواة في الميراث وزواج المسلمة بغير ال


.. الدوحة تدعم جماعة الإخوان الإرهابية في الإمارات بهدف زعزعة ا