الحوار المتمدن - موبايل



تقريظ الفشل

نبيل محمود

2016 / 5 / 31
الادب والفن


قصة قصيرة
(فصل من رواية محتملة!)

- أنت ولد فاشل!
.. تتنقّل من فشلٍ إلى فشل.. والله لقد غسلتُ يديّ منك وإلى الأبد..
كان أبي يفرك كفّاً بكفٍّ بعصبية بالغة وصبر نافد. وهو يواجهني بنظراته الحادة ويصرخ في وجهي بكلماته الغاضبة تلك. وأمي تستعطفنا بنظرات منكسرة وبعينين دامعتين.. وتتمتم بعبارات الدعاء لتمر تلك العاصفة بسلام.. تلك كانت المرة الأخيرة التي حملت فيها حقيبتي الصغيرة مغادراً بيتنا المتواضع وبلدتنا الصغيرة.. مطروداً..! كان غضب أبي مضاعفاً ذلك اليوم. فالمرة الأولى كانت، قبل عام، حين أخبرته أنني قد باشرت دراسة الفلسفة في الجامعة، كان وقع الخبر عليه صاعقاً إلى درجة جعله يرغو ويزبد.. ولم افهم من كلماته حينذاك سوى.. فلسفة.. ها ها ها.. فلسفة..! هههه ومن سيشتريها منك يا شاطر؟! وظل يدمدم حتى هدأ بعد حين.. لكنه هذه المرة، عندما كنت أستعد للسفر إلى العاصمة لمباشرة السنة الدراسية الجديدة، وحين أخبرته بأنني سأترك الفلسفة لأدرس الأدب الفرنسي، صار إلى تلك الحال من الهياج والغضب، وهو يصرخ : وهل تظنني من الأثرياء الذين عليهم الانفاق على مزاجك المتقلب ونزواتك.. أكدح طوال الوقت في هذه الأرض التي تمتص قواي لتوفير لقمة العيش لكم، وأنتظر لتنتهي من دراستك بسرعة وتعينني.. فتأتيني لتخبرني بأنك تمضي الأيام بالانتقال من كلية فاشلة إلى اخرى. كان غضبه هذه المرة أكبر من توقعاتي، ولم يكن لعاطفة الأبوة أن تخففه أو تطفئه دموع أمي وتوسلاتها.. غضبٌ تملكه إلى الحد الذي جعله يأمرني بمغادرة البيت وألا أعود إليه إلاّ وعقلي في رأسي على حد تعبيره..

مضيت هذه المرة إلى العاصمة مقتنعاً بأن عليّ تدبّر أموري بنفسي، ودون توقّع أيّة مساعدة من أبي بعد الآن. لقد كانت أشبه بالقطيعة مع الماضي وبلدتي الصغيرة وعائلتي. وأخذت أدرب نفسي على أن أتعلم كيف أعيش وحيداً في العاصمة الكبيرة المتلاطمة الأهواء والأحوال. لم يكن السكن مشكلةً بحكم وجودي في مسكن الطلاب المجاني. ولكن إن كانت مسألة المأوى ليست بمشكلة، فماذا عن بقية متطلبات المعيشة من مأكل وملبس ومستلزمات الدراسة من كتب وقرطاسية.. عندما كان يذهب أحد زملائي من بلدتي لزيارة عائلته نهاية كل شهر، يجلب ما تستطيع أمي أن ترسله إليّ من معونة بسيطة وبعض المعجنات، سراً، من دون علم أبي.. جربت أن أكتب في الأمر الوحيد الذي أتقنه في هذه الحياة. الشعر.. فقد أحصل على مكافآت مالية تغطّي مصاريفي الأخرى. حاولت التعرّف على كل من أستطيع الوصول إليهم من محرري الصفحات الثقافية في صحف العاصمة. نجحت قليلاً وفشلت كثيراً..

مرت شهور الدراسة ببطء، ولكن بسلام، حتى ابتدأت العطلة الصيفية في نهاية العام الدراسي. لم يبقَ أحد في السكن الطلابي الذي يغلق أبوابه في هذا الوقت، ليرحل الطلاب إلى مدنهم وقراهم وعوائلهم. وكان عليّ البقاء في هذه العاصمة وتدبّر أموري فيها طيلة أيام العطلة الصيفية. بحثت عن أوضع فندق رخيص للنوم. ولما لم يكن المال الذي أحصل عليه من هذه الصحيفة أو تلك يكفيني، جربت التغلب على خجلي والتسلل إلى سوق العمال المياومين وسط المدينة. تلاحقني نظراتهم الغاضبة، وهم يتحلقون في حلقات، ينتظرون فرصة يومهم بالحصول على عمل لدى اقتراب سيارة أحدهم لينتقي منهم من يحالفه الحظ لإنجاز عمل بسيط من أعمال بناء أو ترميم. كانوا ينظرون إلى كمنافس غير مرغوب به.. كانوا ينظرون إلي كطارئٍ يضيف إلى عالمهم من يزاحمهم، وهماً آخر إلى هموم يومهم بتحصيل أسباب العيش. والغريب في الأمر أنهم كانوا وكأنهم يقرأون نظرتي إلى نفسي! فقد كان يسكنني، دوماً، إحساسٌ بأنني إنسان طارئ على هذا العالم.. وأتخيل نفسي في كثير من الأحيان كأحد أولئك الفرسان الشعراء التروبادور في الأزمنة القديمة. حيث لا سكن دائم لهم، وأوطانهم هي قلوبهم التي تأخذهم في دروب الحياة كغرباء، ويسعون في هذه الأرض خلف هواهم حيثما كان.. صادف أنني كنت أقرأ حينذاك كتاب روسو (خطاب في أصل التفاوت..).. وكنت أردد مع نفسي فقرة منه كتعويذة سحرية ((وإذ لم يكن لدى الفقراء من شيء يخسرونه سوى حريتهم، فإنهم كادوا يكونون على قدر كبير من الجنون لو أنهم تخلّوا بإرادتهم عن النعمة الوحيدة المتبقية بحوزتهم بدون أن يغنموا شيئاً عوضاً عنها.)).. وإن كنت قد غنمت بعد ترددي على ذلك المكان طيلة أسبوع كامل على فرصتيْ عمل زهيدتي الأجر، تأكد لي أنه المكان الأكثر لا جدوى بالنسبة لي ولإضاعة الوقت فيه مقارنة بمكسبه التافه. فازداد يقيني بأنني فعلاً إنسان طارئ، ومجنون أيضاً.. في هذا العالم لو ارتضيت بإهانة حريتي بهذا الشكل التافه..!

وهكذا مضيت بالتسكع في شوارع العاصمة الضارية.. كان الشعر واكتشافي "ضجر باريس" لبودلير و "أزهاره.." اللعنة التي ستظل تلاحقني دائماً.. الغريب في أمر هذه العاصمة الصاخبة التي تتنازع مع نفسها، دوماً، هو أنني لم أجد الضجر فيها ولكنني وجدت الفشل!.. لقد فتنتني بجمالها المشوّه وعشوائيته وبحاناتها ومواخيرها! فاستغرقت في حياة العبث واللهو واستمرأت حياة التسكّع، حتى نفد ما معي من نقود قليلة ولم يبقَ في جيبي ما أسدّد به نفقة السكن في الفندق.. وفكرت.. وما حاجتي لمكانٍ وضيع وفراش متعفن لقضاء الليل فيه، والمدينة فيها كل هذه الحدائق بفراشها الأخضر النديّ في ليالي الصيف الصافية. فرُحت أقضي أيام ذلك الصيف، كلما دخل جيبي مبلغ تافه لقاء نجاحي في نشر شيء ما في هذه الصحيفة أو تلك، أسارع إلى انفاقه في أقرب حانة، ولأستيقظ من ثملي صباحاً فوق حشائش حديقة ما. لم يكن الأمر دائماً بهذه الرومانسية الفوضوية والبوهيمية المنفلتة. فلأكثر من مرة كنت أجد نفسي ضيفاً مشبوهاً في أحدى زنازين أقسام الشرطة. ولولا مراعاة ضباط الشرطة لهوية الطالب التي أحملها لقضيت أوقاتاً أطول مع شتى أصناف المشبوهين والمنحرفين والنشالين الذين سمعت منهم قصصاً عجيبة عما تجترحه المخيلة الشريرة من أفاعيل غريبة .

حين اقترب موعد بداية العام الدراسي الجديد اكتشفت أنني قد فقدت أية رغبة للعودة إلى حياة الدراسة المنضبطة، فقد أزهرت في نفسي بذور التمرد واستهوتني حياة التشرد. ولم يرغمني على استئناف العام الدراسي سوى ضرورة تجديد هويتي كطالب تفادياً لسوقي إلى الجيش في حال انقطاعي عن الدراسة. عدت للسكن في مبنى الطلاب بعد فتْح أبوابه مع بداية العام. كنت أتآكل من الضجر خلال المحاضرات والفشل يناديني بقوة!.. تعرفت في تلك الأثناء إلى الصحافي صلاح الذي رقتُ له بشكل من الأشكال، وراح يستحثني على الكتابة بعد قراءته لقصيدتي القصيرة التي حملتها إلى الصحيفة التي يعمل فيها ذات يوم.. وقام بنشرها في صدر الصفحة الثقافية التي كان يشرف على تحريرها.

تقريظ الفشل
********
هنا ريحْ..
هنا ريحٌ تبحث عن أشجار
هنا مطرْ..
هنا مطرٌ يبحث عن حقول
هنا دموعْ..
هنا دموعٌ تبحث عن عيون
هنا حزنْ..
هنا حزنٌ يبحث عن قلوب
هنا فشل..!
هنا فشلٌ منثور ألتقطُ حبّاته ويبتكر لي أجنحةً ملونة..
فلا تبدّد حياتك بالهبوط أيها العصفور المنذور للطيران..!
وطوبى لمَن لمْ يُضله يقين عشٍّ ولا أغواه غصنُ نجاح...

كنت سعيداً بما لاقته القصيدة من صدى طيب لدى الصحافي صلاح وآخرين. وكنت أسعد حالاً بالمكافأة لحاجتي الماسة إلى المال. وأوحى إلي بكتابة المزيد فقفزت إلى ذهني فكرة شاردة، طوّرتها فيما بعد إلى سلسلة مقالات أشبه بالنثر الشعري الفلسفي. ووضعت عنواناً مثيراً لهذه المقالات هو (فلسفة الفشل)! لا أدري إن كانت تعبيراً عن حياتي في الفترة الأخيرة أم كانت استباقاً لما سيكون عليه سلوكي القادم وسيرتي المستقبلية؟

بدأت سلسلة مقالاتي بمقالة ترسم لوحة أدبية زاهية لما اسميته بـ (جماليات الفشل).. واعقبتها بمقالة نحَتْ منحىً فلسفياً (الفشل منطقي والنجاح لامنطقي..!).. وقد نبهني صلاح إلى أن في هذه المقالة إشارات وغمزاً ولمزاً غير مرغوب بها.. ولكنها وجدت طريقها للنشر رغم ذلك. عدت في مقالتي الثالثة إلى المجال الأدبي والشعري (الفشل أكثر فتنة من ملل بودلير..) فأجريت مقارنة بين الملل والفشل وبالطبع كان انحيازي للفشل واضحاً. وخلال الفترة التي كنت أكتب فيها تلك المقالات وتُنشر لي، كانت غياباتي عن حضور المحاضرات تزداد، إلى الحد الذي صرت فيه مجرد طالبٍ بالاسم فقط. وقد تم تنبيهي ثم إنذاري من أنني قد أتعرض للفصل من الكلية نهائياً. عمدت إلى الانتظام قليلاً وباشرت حضور المحاضرات ليس حباً بالدراسة ولكن خشية فقداني للمكان الوحيد الذي يأويني ليلاً في السكن الجامعي، وخوفاً من سوقي إلى الجيش والبلد في حالة حرب ضارية. مقالتي الرابعة قفزت بأفكارها لتلقي نظرة تراجيدية على واقع العالم المنهمك بصراعات وتعاسات لا حصر لها.. (العالم كفشلٍ مزمن..)، وكما هو واضح فإنني قد استوحيت عنوان المقالة وجوها التشاؤمي من عنوان كتاب شوبنهاور (العالم كفكرة وإرادة).. وهنا أيضاً لفت صلاح نظري إلى بعض الجمل وقام، بعد موافقتي، بحذفها لما قد تعرضني له من مشاكل أنا في غنىً عنها. ومع الاهتمام والنجاح الذي بدا أن مقالاتي تحققه، ركبني الغرور أو أنا الذي امتطيته! وصدقت أنني قد صرت مبتكر مذهب فلسفي ومنهجاً مثيراً في الفكر والسلوك. وتخيلت نفسي من أولئك الذين نبغوا في بداية حياتهم، وسيحدثون تغييراً وضجة وسيدخل اسمي في قائمة عظماء التاريخ الفكري والأدبي في العالم. حتى أنني دعوت في نهاية مقالتي الأخيرة إلى تأسيس رابطة للفاشلين.. لكنني توقفت كثيراً أمام المفارقة التي كنت بطلها! فكيف ارتضي لنفسي نجاحاً فيما أنا أروّج لفكرة الفشل في الحياة؟! أليس في ذلك انتهازيةً وخيانةً لمبدأ ولجوهر أفكاري ذاتها؟! حتماً سيتساءل الكثيرون عن هذا التناقض، فمَن يتغنّى ويحتفي بالفشل الأولى به أن يعيشه لا أن يعتاش عليه ويتربّح منه ويصير نجماً ناجحاً بفضله!

لم تطلْ بي نشوة حصد الاعجاب بكتاباتي. فحين قدمت مقالتي الأخيرة (الحرب كأجمل قصيدة حب عن الفشل المطلق..! ) وكنت قد صدّرت المقالة بمقتطف من قصيدة الهضبة لمحمد الماغوط من ديوانه (الفرح ليس مهنتي):
(حسناً أيها العصر
لقد هزمتني
ولكنني لا أجد في كل هذا الشرق
مكاناً مرتفعاً
أنصب عليه راية استسلامي.)
جاءني صلاح ليخبرني بما كان يتوجّس منه ويخشاه دائماً. فقد رفض رئيس التحرير نشر تلك المقالة وشدّد على صلاح بلهجة حازمة على رفض نشر أي شيء أكتبه في الصحيفة مستقبلاً. تأسفت للموقف المحرج الذي سبّبته لصلاح. وشكرته على كل ما بذله من أجلي. وفي الحقيقة كنت في داخلي منتشياً ومحبطاً في الوقت نفسه، وربما كان الشعور بالغبطة يفوق شعوري بالاحباط! فقد تأكّد لي أنني قد كنت أميناً لفكرتي عن الفشل إلى أقصى حد، فها أنا قد فشلت، فعلاً، وبنجاح باهر !.. وخطرت ببالي عبارة أبي.. (أنت ولد فاشل..).. كم كان محقاً! لقد طبقت افكاري على حياتي بشكل لم يسبق أن فعلها أي إنسان من قبل.. وكما لم يحلم أي كاتب بأن يطبّق أفكاره عملياً بنفسه وعلى نفسه! وخرجت من مكتبه وأنا في أشدّ حالات النشوة ومضيت داخلاً إلى اقرب حانة للاحتفال الأخير بفشلي المنتصر!

بعد انقطاعي عن حضور المحاضرات، اكتملت سلسلة وقائع فشلي قبل نهاية العام الدراسي. فقد تم فصلي من الكلية وطردي من السكن الطلابي. وبدأت إجراءات سوقي إلى الجيش. هكذا لم يبقَ لي من حياتي المتسكعة والبوهيمية سوى أيام وتُشرف على نهايتها. وعليّ أن أمضي، الآن، إلى المكان الوحيد في هذا البلد القادر على ترويضي وإشفائي من داء الفشل الذي ابتليت به!







اخر الافلام

.. الفنانة سميرة عبد العزيز تكرم الناجية من حادث الدرب الأحمر


.. تفاعلكم | جدل حول النشيد الوطني العراقي وكاظم الساهر


.. رئيس حزب المؤتمر: الاتحاد الليبرالي يهدف لنشر الثقافة الوطني




.. ماذا قال وزير الثقافة السعودي للعربية عن مشروعات الرياض العم


.. جولي والموسيقى وأطفال داعش