الحوار المتمدن - موبايل



طنين ذكرى

تيماء حسن ديوب

2016 / 6 / 14
الادب والفن


تشتعلُ الغرفةَ بطنينِ ذبابةٍ حمقاءَ! كأنها اكتشفت حنقي من وعدٍ لم يبرأ به والدي، فقررت أن تهزأ بي هي الأخرى. ضيفهُ خفيفُ الظلِ لا الوزنِ حرمني من هديتي التي انتظرتها أسبوعاً كاملاً، لن نذهب للسوقِ ولن اشتري شيئاً...
الذبابةُ تقطعُ الصالونَ ذهاباً وإياباً بسرعتها القصوى، ترتطمُ بزجاجِ النافذةِ بقوةِ من يصطدم بقَدَرهِ، تلاعبُ أقدامها على الزجاجِ قليلاً وتنهضُ لتعيدُ الكرّة... فَتحتُ لها النافذةَ، علّها تهرب كي لا أعودَ لهوايتي الشيطانية القديمة: " كنت اقبض على الذبابةِ حيةً، انزع جناحيها واستمتع بغباءِ مشيتها "...

لطالما اعتقدتُ وأنا طفلة أنني حالما أقبضُ على مخلوقٍ صغيرٍ أتحولُ إلى آلهته.. أحدد مصيره كما يحلو لي، إلى أن ادركت يوماً أنني لا أستطيعُ إعادةَ الحياةِ لمخلوقاتي الصغيرة بعدما أقتلها فتخليتُ عن فكرةِ ألوهيتي لها !

تركتُ الذبابةَ و شأنها علّها تنجو من جريمةِ قتلٍ أخرى... تمددتُ على أريكةِ الصالونِ العريضةِ ، اضجعَ الضجرُ بقربي مرتاحاً كما يضجع الجنينُ في رحمِ أُمهِ.. ذهبَ الجميعُ لينامَ بعد الطعامِ، لقد دقت ساعةُ القيلولةِ.. أتصالحُ مع ضجري، أدلله بمداعبةِ درفةِ النافذةِ التي أنامُ تحتها بأصابعِ قدمي العارية، ابتسمتُ لحزمةِ أشعةِ الشمسِ التي تنعكسُ على أرضِ الصالون.. كلما ابتعدتْ درفةُ النافذةِ عن جسدي كلما فُسِحَ المجالُ للضوءِ أكثرَ ليدخلَ فتتسعُ رقعتَه على الأرضِ النظيفةِ، فكرتُ أن نظريتي الجديدة تنطبقُ على كل الأشياء، فكلما اقترب الشيئان من نقطةِ الالتحامِ اختفى الضوءُ بينهما واختفت مساحات حريةِ الفضاء.. وكلما ابتعدا عن بعضهما زادت رقعةُ الشعاعِ الذي يَعبرهما وتحررا أكثر!

تذكرتُ المقال الذي قرأتهُ عن شخصيةِ ابن الهيثم ونظرياته حول الضوء: لقد وضعَ ابنُ الهيثمِ نظريةَ الولوجِ التي أيدها أرسطو، وقد عارضَ فيها فكرةَ كونِ عمليةِ الرؤية تحدثُ عن طريقِ الأشعةِ المنبعثةِ من العينِ، أو دخول الضوء للعين من خلالِ صورٍ فيزيائيةٍ، لقد علّل ذلك بأن الشعاعَ لا يمكنُ أن ينطلقَ من العينينِ ويصلَ إلى النجومِ البعيدةِ في لحظةٍ بمجردِ أن نفتحَ أعيننا.

عارض ابن الهيثم الاعتقادَ السائدَ بأن العينَ قد تُجرَحُ إذا نظرنا إلى ضوءٍ شديد السطوع، ووضع بدلاً من ذلك نظرية ناجحة للغاية تفسرُ عمليةَ الرؤيةِ بأنها تحدثُ نتيجةَ خروجِ أشعةِ الضوءِ إلى العين من كل نقطةٍ في الكائن، وهو ما أثبتهُ عن طريقِ التجاربِ، كما وحّدَ علمَ البصرياتِ الهندسيةِ مع فرضياتِ أرسطو الفيزيائية لتشكلَ أساسَ علمِ البصرياتِ الفيزيائية الحديثة، أثبت ابن الهيثم أيضًا أن أشعةَ الضوءِ تسيرُ في خطوطٍ مستقيمةٍ، كما نفّذ تجاربَ مختلفة حول العدسات، المرايا، الانكسار، الانعكاس وكان أيضًا أولَ من اختزلَ أشعةَ الضوءِ المنعكسِ والمنكسرِ في اتجاهين رأسي وأفقي والذي كان بمثابةِ تطورٍ أساسيٍ في البصرياتِ الهندسية ..

تفاجأتُ من معلومةٍ كانت جديدةً بالنسبة لي، فعلى الرغم من أن: أرسطو، ثيون الإسكندري ، الكندي والفيلسوف الصيني موزي سبق لهم أن وصفوا الآثارَ المترتبةَ على مرورِ ضوءٍ واحدٍ عبر ثقبٍ صغيرٍ، إلا أن أيًا منهم لم يذكر أن هذا الضوءَ سيُظهر على الشاشة صورةَ كل شيءٍ في الجانبِ الآخرَ من تلك البؤرةِ كما وضّحَ ابن الهيثم.. كنت سعيدةً بالمقالِ، جزءٌ مني كان فخوراً بهذا الماضي العلمي المشرف لرجال لم يطلبوا يوماً لعلمِهم مقابل، كان للعلمِ معنىً واحد، الارتقاء الجميل باتجاه السماءِ وبالتالي الإله..

عدتُ لضوئي أنا.. أحاولُ أن أتلاعبَ بحجمِ الثقبِ الذي يمررُ الضوء بين درفتي النافذة، أبحث عن الشاشةِ الصورةِ لهذا الثقبِ.. صارت اللعبةُ ممتعةً مع ازديادِ سرعةِ قدمي في التحكمِ بالثقبِ وبالتالي حجمِ حزمةِ الضوءِ، قدمي القويةُ تبْعدُ الدرفةَ وتقربها والسرعة تزدادُ ومعها تزداد سعادتي التي كدرها فجأةً ودون استئذانٍ صوتَ ارتطامِ درفةَ النافذةِ بالأرضِ.. قدمي القوية بسرعتها حملت درفةَ الشباكِ ومن عبثي تطاير الزجاجُ و تشظى في كل مكانٍ..

انتبهتُ متأخرةً للوجوهِ الغاضبةِ والعيون المحدقةُ بي، لم استطع كبت ضحكتي حين انتبهت إلى خصلة الشعر التي تدلت على جبينِ الرجلِ الضيف، وقف شعر رأسه فزعاً، كانت مساحة صلعته تشبه إلى حدٍ كبيرٍ مساحةَ انعكاسِ شاشةِ ثقبِ ابن الهيثم على أرضِ صالوننا..

ضحك الجميع ربما فرحاً واستغراباً أنني لم أصب بأذى، فجأةً سكتَ الجميعُ، عبست والدتي، قالت بحزمٍ: اختاري العقوبةَ التي ترينها مناسبةً لك..







اخر الافلام

.. الشاعر الكبير موفق محمد في ذكرى83 عيد الحزب الشيوعي العراقي


.. أخبار حصرية - مأساة الشعب السوري بعيون أصغر #مخرج_سينمائي


.. #صحتك_تهمنا - الإشتراطات الفنية لمخازن #الأعلاف




.. ست الحسن - -مصطفى أبوسريع- ورأيه في الفنان محمد رمضان وأعمال


.. حوار خاص مع الفنان -مصطفى أبوسريع- - في ست الحسن