الحوار المتمدن - موبايل



المؤامرة بين الحبكة الأدبية وإراداة الشعوب !

محيى الدين غريب

2016 / 6 / 20
المجتمع المدني


المؤامرة كانت منذ الأزل، بل قبل أن يخلق الإنسان. أول مؤامرة في التاريخ كانت هي مؤامرة إبليس اللعين على آدم، حين أغواه ليخرجه من الجنة. وتوالت المؤامرات منذ ذلك الحين، وستستمر طالما حيينا حتى يأتى إبليس لعين جديد هذه المرة ليخرجنا من الدنيا.

فى اللغة اللاتينية يحمل مصطلح المؤامرة نفس تسمية مصطلح الحبكة الأدبية، بقصد التأثير والتشويق والفرضية وإطلاق الملكات والخيال. وتعتمد نظرية المؤامرة دائما بجانب إشاعة الأكاذيب، إلى مزاعم وقوف جهات وأيدى خفية وقوى ظلامية وراءها وهو ما يزيد من الإثارة والتشوق.

عادة ما تجيئ المؤامرة لتحبك وتحيك خيوطها من ما نسميهم الأشرار ضد كل ما هو إنساني لأغراض مختلفة ولإشاعة الفوضى والفتن وإذكاء الحروب والإنحلال الخلقى والدينى.....
المؤامرة تعيش فينا وبيننا سرا أو علانية فى كل مكان وزمان. فالشرق يدعى أن الغرب هم الأشرارالذين يدبرون المؤمرات الكونية ليلا نهارا ضدهم للإستحواذ على مصادرهم الطبيعية والسيطرة، وما إلى ذلك. والغرب يدعى أن التطرفات الدينبة فى الشرق والنازية فى الغرب تدبرالمؤمرات ليلا نهارا ضد التمدين والتحضر والديمقراطية والمساواة، وما إلى ذلك. والحقيقة أن مايحث ليس إلا صراع للبقاء على المصالح.

أكثر ما يدمر ويهدد من فكر المؤامرة هو الفزع والتهويل منها فى فترة إنتظار وقوعها، هذا إن وقعت بالفعل، حيث أن معظم المؤمرات هى إشاعات كاذبة بقصد الزعزعة، ولايتحقق منها إلا القليل. والجائزة الكبرى هى أن تنجح حبكة المؤامرة بأن يصدقها بعض الحكام المستبدين أويستغلونها من حين لآخر لإفزاع شعوبهم وإغراقها في الفكر التآمري، ومن ثم المزيد من السيطرة والاستبداد بحجة الأمن والآمان.

إن متاهات الفكر التآمري والفزع منه عندما يصبح طريقة للتفكير وثقافة فكرية، وعندما يستحوذ على الملكات والخيال، وعندما يستغل من الإعلام ووسائل التواصل، كما يحدث الآن فى بعض الدول، يصبح كافيا لإنهاك اقتصاد وسياسات وأخلاقيات أى دولة تستمرأ فكر المؤامرة.
لقد استطاعت معظم دول امريكا اللاتينية فى القرن الماضى بإراداة شعوبها أن تتغلب على معظم المؤمرات التى جهزت لها، واستطاعت مؤخرا ثورات الربيع العربى وبإرادة شعوبها أيضا أن تقوض معظم هذه المؤمرات.

بالطبع وفى ظل هيمنة الحركة الصهيونية وسيطرة رجال المال، لابد من الاعتراف بوجود المؤامرة، ولابد من الاستعداد لها، بل عمل مؤامرات مضادة لإفشالها أو التقليل منها، وهكذا. ولكن بدون المبالغة والتهويل والهلع والانفزاع والاستغلال.

العديد من الكتب روجت عن دور وخطورة المؤامرة الكونية، والحكومات الخفية، والدسائس والمكائد، منذ كتاب " اليد الخفية " لآدم سميث لسنة 1776، وحتى"تقرير لوجان" لسنة 1997.
سنأخذ على سبيل المثال كتاب "تقرير لوجان" بعنوان "الحفاظ على الرأسمالية العالمية في القرن 21 " لسوزان جورج لسنة 1997، والذى ترجم إلى العربية تحت *عنوان "مؤامرة الغرب الكبرى".
كتاب "تقرير لوجان" يؤكد صراحة وبتفاصيل علمية مثيرة المؤامرات التى يمكن أن تدبر لصالح الحفاظ على الرأسمالية على حساب دول العالم الثالث بجميع الطرق غير المشروعة وغير الأخلاقية. وكان واضحا أن التقرير هو للترويج عن الرأسمالية ومستقبلها المرئى، (مثلما حدث على مدى التاريخ من الترويج للأديان ومستقبلها فى الآخرة، أو الترويج للشيوعية ومستقبلها غير المرئى). ومع ذلك عدد التقرير الحماقات الاقتصادية التى يمكن أن ترتكبها الرأسمالية، وأثرها على الموارد الطبيعية. وكان أيضا واضحا كم التحذيرات والتخوفات والنصائح من هذه المؤامرات. كان بالطبع لابد من الحذر والاستعداد والتحليل الواقعى.

ولكن بدلا من الأخذ بهذه التحذيرات والنصائح والفهم العلمى للتقربر، وقع بعض المثقفين من المصريين الذين ترجموا وقاموا بتحليل محتوى التقرير، وقعوا تحت سيطرة الفكر التآمرى وتركوا لخبالهم العنان وراء الأيدى الخفية والطرف الثالث. بدءا من المغالطة المتعمدة لترجمة *عنوان الكتاب ، ثم المبالغة والتهوبل والتضخيم، وحتى الوقوع فى شرك أشرار الغرب من مرتكبى هذه المؤامرات، عندما حقق هؤلاء ومعهم الاعلام هدف المؤامرة، ألا وهو إفزاع مجتمعاتهم واستغلال هذا الفزع لأغراض سياسية.
ومع أعتراف هؤلاء المثقفين بين الحين والآخر أن التقرير يقدم جهدا إنسانيا مميزا ويدافع عن معظم سكان العالم من الفقراء فى الشرق والجنوب، إلا أنهم اعتبروا هذه الجهد الإنسانى منافق ومخادع ويسعى إلى امتصاص دماء الفقراء لكى يثرى الأغنياء، وسيقوم أشرار الغرب بتعقيم الفقراء وتعمد زيادة الأوبئة والكوارث والأمراض لتقليل السكان إلى 4 مليارات بعام 2000 ( العدد الحالى حوالى 7 مليارات)، وسيقوم الأشرار بإشعال الفتن والحروب الطائفية والعرقية فى الشرق وما إلى ذلك.

بعد قرابة عقدين من كتابة التقربر، لم يتحقق إلا القليل من هذه المؤامرات وقعت فيه فقط الدول المفككة الجاهزة للمؤامرة والمهوسة بالفكر التآمرى. فلقد تحقق بالفعل إشعال الحروب الطائفية والمذهبية والعرقية ولحق الدمار معظم منطقة الشرق الأوسط ولايزال. ولكن ما كان أن يحدث كل ذلك لولا تقاعس دول المنطقة التى تعتمر بجميع أنواع الصراعات وعلى قمتها الصراعات المذهبية والطائفية، وما كان يحدث ذلك لولا قبلية ورجعية المملكة السعودية، وفاشبة إيران الدينية، ولولا مساندة بعض دول المنطقة للإرهاب. ما كان يحدث ذلك لولا الفساد الذى يعم دول المنطقة، وسلب إرادة شعوبها بالبعد عن الديمقراطية.

بعد قرابة عقدين من كتابة التقربر، فشل الأشرار فى الحفاظ على العولمة الرأسمالية، وزادت التوترات ضدها، وانهالت الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية على منظمات التجارة العالمية وصندوق النقد وغيرهما. ولم نرى أى مؤامرات لتقليل عدد السكان بزيادة الأوبئة والكوارث وبالتعقيم. بل تناقصت المعدلات بالوسائل العلمية وبالتوعية وبإرادة الشعوب، بالرغم من تعنت وعرقلة دول كثيرة فكرة تحديد النسل لمخالفتها الدين والشريعة. ونجح التقرير فى أن يكون بمثابة تحذير مبكرإستفاد منه الكثيرون.
أى أن معظم هوس نظرية المؤامرة لم يتحقق إلا لمن أراد أن يعيش هذا الهوس، إما لغياب الدبمقراطية والشفافية، وإما لغرض الاستغلال لسلب إرادة الشعوب. وعليه ضاع الجهد والمال والوقت.

مكيافيلى لم يخترع أفكارا جديدة، ولكنه عبر عما تحمله جينات العقل البشرى، عندما يكون فى موقف، مخيرا بين بقاءه والحفاظ على مصالحه وبين بقاء الآخريين، سيقوم ليس فقط بحياكة المؤمرات، بل بشن الحروب وبالقتل والتدمير والظلم، وليس فقط من أجل بقاءه، بل من أجل مكاسب مادية أو السيطرة أو دفاعا عن مذهب أو طائفة أو حتى من أجل حلم.

وليس أمام الشعوب إلا أن تعمل جاهدة لاستأصال هذه الجينات المريضة من العقل البشرى إذا كان لها أن تعيش فى سلام مع الآخريين. ولحسن الحظ أن معظم الناس بالعالم ليسوا أشرارا.

* الترجمة المصرية غيرت عنوان الكتاب من "الحفاظ على الرأسمالية العالمية في القرن 21 " إلى
"مؤامرة الغرب الكبرى".









اخر الافلام

.. سفيرة أمريكا للأمم المتحدة: السماء لم تسقط بسبب القدس ونواجه


.. هذا الصباح- سوق لترويج منتجات اللاجئين في الأردن


.. الليلة | -لنقف جميعًا من أجل المساواة-.. شعار اليوم العالمي




.. كيف هي صورة حقوق الإنسان اليوم ما بعد حراك الربيع العربي؟


.. أتراك يتظاهرون في إسطنبول رفضا لقرار ترمب