الحوار المتمدن - موبايل



الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس -

جورج لارين

2017 / 3 / 16
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


- مقتطف

ترجمة : سعيد العليمى


الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس

لقد بدأت بفكرة أن مادية تاريخية أعيد بناؤها عليها أن تحل بعض التوترات التى كانت قائمة فى فكر ماركس وانجلز ذاتيهما. وقد أوضحت كيف قدمت الماركسية الأرثوذكسية حلا معينا لهذه التوترات باقتراح مفهوم للمادية التاريخية يفترض أنه مشتق من القوانين الشاملة للجدل الكامنة فى الطبيعة، التى تعتبر الوعى مجرد انعكاس للمادة، والتى تعد التقدم التكنولوجى السبب الأساسى للتغير الاجتماعى والتى تفضى إلى مفهوم أحادى خطى وغائى للتطور التاريخى. وينطوى نقد هذا التفسير الأرثوذكسى الذى عرضته فى الفصل الثالث، وإن كان سلبيا ومعارضا، على العناصر الأولى لحل مختلف. ولن أكرر هنا الحديث عنها. ولكن من الضرورى أن أوضح بطريقة أكثر إيجابية، وإن بايجاز، السبيل الذى يمكن به لنظرية الممارسة أن تسهم بحلول جديدة للتوترات المذكورة آنفا.

وفيما يتعلق بمفهوم الجدل فلا بد من التأكيد على أن ماركس حين وصف مفهومه بأنه قلب لمفهوم هيجل فإنه أساء فهم الطبيعة الحقيقية لنظريته. وعلى الرغم من أننى لا أقبل الفكرة الألتوسيرية التى تذهب إلى أن هناك انفصالا منهجيا بين نظرية ماركس الحقيقية وفهمه لها، أتصور أن ماركس كان مخطئا فى هذه المسألة النوعية حين اعتقد أن المسألة كانت فقط مسألة قلب الجدل الهيجلى رأسا على عقب، وسبب ذلك مرتبط بمفهوم الممارسة. كان انتاج الفكر بالنسبة لهيجل هو نفسه انتاج للواقع بوصفه نقيضه، مما يعنى أن عملية الموضعة (انتاج الموضوع) كانت فى نفس الوقت عملية انسلاب للوعى: أى أن الموضعة كانت بمثابة خلق للوعى بصورة مقلوبة. وقد رفض ماركس أن يطابق بين الموضعة والانسلاب. فالعالم الاجتماعى الموضوعى منتج بواسطة الممارسة المادية. والممارسة الانسانية تبلور ذاتها ليس فقط فى المنتجات المادية الضرورية للحياة، وإنما أيضا فى علاقات اجتماعية ومؤسسات. وهذه الموضعة للممارسة الانسانية ليست فى حد ذاتها انسلابية. إنما يأتى الانسلاب مما وصفه ماركس فى الأيديولوجيا الألمانية بأنه "نمط مادى محدود من النشاط" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 36) لأنه، بالرغم من أنه ينتج العالم الاجتماعى الموضوعى، فإنه لا يسيطر عليه.

الانسلاب إذن ذو صلة بافتقار السيطرة الانسانية على نتائج الممارسة الانسانية، وليس ناتجا عن الحقيقة البسيطة المتعلقة بأن الممارسة الانسانية تموضع ذاتها فى نتائج معينة. وهكذا ففى الإنسلاب يشتغل قلب عكسي : إذ تتحكم الشروط الموضوعية التى أنتجها البشر عمليا فى منتجيها، فتصبح الذوات موضوعات والعكس بالعكس. وفكرة القلب هذه تقع فى مركز فكرة التناقض. ولكن، بينما تتسم عملية القلب هذه، بالنسبة لهيجل بأنها معطى بالضرورة فى أى عملية موضعة، فإنها تتسم، بالنسبة لماركس، بأنها تجرى فقط ضمن شروط اجتماعية نوعية حيث يهيمن "نمط مادى محدود من النشاط" . لذلك، يصبح التناقض بالنسبة لهيجل هو جوهر كل الأشياء التى هى نتاج الانسلاب الذاتى للوعى. أما بالنسبة لماركس، فعلى النقيض من ذلك، يظهر التناقض حيث لا يسيطر البشر على العلاقات الموضوعية وعلى المؤسسات التى أنتجوها عمليا هم أنفسهم، الأمر الذى يعنى أن عملية الموضعة، وإعادة انتاج الحياة المادية،
"تبدو من وجهة نظر العمل كعملية فقد لشئ ممتلك، بينما تبدو من وجهة نظر رأس المال كاستيلاء على عمل منسلب... ولكن من الواضح أن عملية القلب هذه هى ضرورة تاريخية فحسب، أى ضرورة لتطوير قوى الانتاج من نقطة انطلاق أو قاعدة تاريخية نوعية فحسب، ولكنها ليست ضرورة مطلقة للانتاج بأى شكل من الأشكال بل إنها بالأحرى فى طريقها للزوال، فقد كان الغرض الكامن لهذه العملية والنتيجة التى حققتها فى الوقت نفسه هى ابطال مفعول هذه القاعدة ذاتها (االجروندريسه، ص ص 831-32).
وهكذا، فلكى نعيد بناء المادية التاريخية لا يعود التناقض هو القانون الشامل للحركة ولا يمكن أن يشتق الجدل الاجتماعى من الجدل الطبيعى. فالتطور الجدلى مرحلة من التاريخ رأى ماركس أنها تبلغ نهايتها باختفاء الطبقات وسيطرة البشر، فى نهاية الأمر، على علاقاتهم. ذلك أن "الأفراد المتطورون من جميع النواحى، الذين تخضع علاقاتهم الاجتماعية، بوصفها علاقاتهم الخاصة الجماعية، لسيطرتهم الجماعية، ليسوا نتاجا للطبيعة، بل للتاريخ (الجروندريسه، ص 162) وهذا يعنى أيضا أن حل التناقض له صلة بأفعال الأفراد أنفسهم وليس بعمليات طبيعية او بنيوية يتصور أنها منفصلة عن الممارسة الانسانية، أو يتصور أنها تحرر البشر من الخارج فحسب. فالممارسة الانسانية متداخلة فى كل من ظهور التناقضات وحلها ومعنى ذلك أن نمطا ماديا محددا من النشاط يسبب نشوء التناقضات ، وبقدر ماتنقل الممارسة الثورية السيطرة على العلاقات الاجتماعية للمجتمع ، ينحل التناقض . الأمر الذى لم يكن ممكناً بالكامل أبدا قبل الرأسمالية لأن حل التناقض كان بالضرورة جزئيا، لأنه أفسح مجالا فقط لتناقض جديد. وهكذا يرى ماركس أن البروليتاريا تحتل وضعا يسمح لها ليس فقط بالقضاء على التناقض الرأسمالى النوعى بهزيمة البورجوازية، وإنما أيضا بالقضاء على نفسها كطبقة، أى القضاء، فى نهاية الأمر على النظام الطبقى ذاته "إن شرط تحرر الطبقة العاملة هو القضاء على كل الطبقات" (بؤس الفلسفة، ص 161).
ويمكن القول أن تفسير الوعى بلغة الإنعكاس، الذى توحى به بعض كتابات ماركس وانجلز، قد رفض بالفعل لعدة أسباب وجيهة، ذكرت فى الفصل الثالث، حيث برزت أيضا فكرة الطابع الاستباقى للوعى. ونحن نجد أن حل هذا التوتر فى فكر ماركس وانجلز ينطلق مرة أخرى من نظرية الممارسة. ذلك أن الواقع لا يجب أن يتصور "فى شكل موضوع " بل فى شكل ممارسة بمعنى أن الوعى لا يمكن أن يفهم كتأمل سلبى لعالم معطى سلفا وإنما يفهم كعملية فعالة ترافق وتستبق التكون العملى للواقع. وهذا يعنى أن البشر يبلغون معرفة الواقع بقدر ما ينتجون ويتملكون هذا الواقع. الوعى اذن "لا يعكس الواقع فقط بل يستبقه ويجسده أيضا"، وقد عبر ماركس عن هذا كما يلى :
انتاج الأفكار والمفاهيم والوعى، يتمازج مباشرة فى البداية مع النشاط المادى والتفاعل المادى للبشر- فهو لغة الحياة الواقعية. فقد كان التصور والتفكير وتفاعل البشر يبدو فى تلك المرحلة كدفق مباشر لسلوكهم المادى. ينطبق نفس الشئ على الانتاج الذهنى كما يعبر عنه لدى سائر الناس فى لغة السياسة، والقوانين، والأخلاق، والدين، والميتافيزيقا، إلخ، ... إذ لا يمكن للوعى أن يكون أى شئ سوى الوجود الواعى، ووجود البشر هو عملية حياتهم الفعلية... فالبشر وهم يطورون انتاجهم المادى وتفاعلهم المادى، يغيرون عالمهم الواقعى، ويغيرون فى نفس الوقت أيضا تفكيرهم ونتاجات أفكارهم (الأيديولوجيا الألمانية، ص ص 36-7).
وعند محاولة فهم الوعى فى سياق الممارسة كان ماركس يميز نفسه عن كل من هيجل وفيورباخ. فبالنسبة لهيجل كان الفكر قد أصبح هو منتج الواقع. أما بالنسبة لفيورباخ فقد كان الواقع أوليا والفكر مشتقا منه. بينما تعنى معالجة الوعى فى سياق الممارسة أن الوعى ليس تأملا مجردا فى عالم معطى وليس هو، فى الوقت نفسه، الذى يخلق العالم، فهناك اختلاف بين تمثلات الحس المشترك التى ينشئها البشر فى روتين حياتهم العملية، التى، تتيح لهم أن يتعاملوا مع محيطهم المباشر، وبين الادراك النظرى أو العملى للواقع الذى يرصد مايكمن وراء مظاهره . ومع ذلك فإن هذا الاختلاف الذى تقبله ماركس، لا يستتبع انفصال العلم عن الممارسة. وبالنسبة لامتداح فيورباخ فيما يبدو للمعالجة المستقلة والتأملية للعلوم الطبيعية، التى يمكن لها أن تكشف فقط عن عناصر الواقع التى لا يستطيع الآخرون ان يروها، يرد ماركس: "أين سيكون العلم الطبيعى دون صناعة وتجارة؟ فحتى مثل هذا العلم الطبيعى "الخالص" يستمد غايته ومادته من التجارة والصناعة أى من النشاط الحسى للبشر" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 40).

ويتيح هنا فهم الصلة بين الوعى والممارسة للمادية التاريخية أن تفسر الأيديولوجيا والتحدد الاجتماعى للوعى بطريقة موحية أكثر وأفضل من الطريقة التقليدية المتاحة بواسطة مجاز الأساس- البناء الفوقى. فمثل هذا المجاز يتسم بالجمود حتما لأنه يتجه لتجزيئ الواقع إلى مستويات يعتبرها مادية، إنه يتجه إلى اعطاء طابع مادى لمجالات المجتمع المدنى التى تؤخذ هكذا باعتبارها معطاة وليس باعتبارها أنتجت عمليا، ومن ثم، فإنه يتجه لاختزال الظواهر الديناميكية مثل الوعى والصراع الطبقى الذى يشمل المجتمع بأسره إلى مستوى واحد معين باستبعاد المستويات الأخرى (أنظر ويليامز، 1977، ص ص 75-82).
ومن المهم أن نفهم أن الأيديولوجيا والتحدد الاجتماعى لا يتطابق الواحد منهما مع الآخر. ونحن نجد مثل هذا التطابق فى التقليد المانهايمى حيث تعتبر كل المعرفة الاجتماعية أو التاريخية أيديولوجية بقدر ماهى محددة اجتماعيا. ويفترض أن التحدد الاجتماعى يقلل من مصداقية فكر ما لأنه يربط هذا الفكر بموقف اجتماعى نوعى وجزئى (مانهايم، 1972،ص 255). على أن المادية التاريخية لا تسير فى هذا الطريق ومفهومها عن الأيديولوجيا يجعل نطاق تطبيقها أضيق كثيرا. ليس ذلك لأن المادية التاريخية متحيزة وتنتقد بشكل أحادى الجانب وجهات نظر الآخرين بينما ترفض أن تقبل تحددها الاجتماعى الخاص. فالتحدد الاجتماعى للوعى، الذى تتبناه المادية التاريخية والذى تقبله بالتأكيد فى حالتها الخاصة- لا يؤثر بحد ذاته فى صلاحية الأفكار. إذ من الصحيح أن كل وعى محدد اجتماعيا ولكن ليس من الصحيح أن كل وعى أيديولوجيا. فالأيديولوجيا بالنسبة لماركس وانجلز لها صلة بنوع معين من الوعى المشوه الذى يخفى التناقضات الاجتماعية وهكذا يساعد موضوعيا على إعادة انتاج تلك التناقضات. من أين تأتى هذه الأفكار المشوهة التى تخفى التناقضات؟ مرة اخرى، تقدم نظرية الممارسة الاجابة. لقد رأينا سلفا أن كل الأفكار تنتج فى سياق الممارسة، ولكن ماركس يمضى أبعد ويجد أن الأفكار يمكن أن تكون تعبيرا واقعيا أو وهميا عن الممارسة. إذ يقول: "الأفكار هى التعبير الواعى- الواقعى أو الوهمى- عن علاقاتهم الواقعية وأنشطتهم، عن انتاجهم، عن تفاعلهم، عن سلوكهم الاجتماعى والسياسى" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 36). الأيديولوجيا إذن ذات صلة بالأفكار التى تعبر عن الممارسة بشكل غير ملائم . وسبب ذلك ليس خطأ ما فى العملية الادراكية، بل هى حدود الممارسة ذاتها فـ "إذا كان التعبير الواعى عن العلاقات الواقعية لهؤلاء الأفراد وهمى، وإذا كانوا قد قلبوا الواقع فى خيالهم رأسا على عقب، فإنما مرد ذلك هو نمط نشاطهم المادى المحدود وعلاقاتهم الاجتماعية المحدودة الناشئة منه" (الأيديولوجيا الألمانية، ص 36، التشديد لى).
تشير حدود الممارسة هذه إلى حقيقة، سبق ذكرها، وهى أن البشر ينتجون عالما اجتماعيا لا يسيطرون عليه، "تثبيت للنشاط الاجتماعى " وتعزيز ما ننتجه نحن أنفسنا كسلطة موضوعية فوقنا، تتجاوز سيطرتنا (الأيديولوجيا الألمانية، ص 47) . هذا هو سبب ما يحدث من "عمليات القلب" أو من التناقضات . فإلى الحد الذى يكون فيه البشر غير قادرين عمليا على حل هذه التناقضات، وإلى الحد الذى لا يسيطرون فيه عمليا على مثل هذه "السلطة الموضوعية". فإنهم يسعون لحل المشاكل فى خيالهم ويسقطونها فى أشكال أيديولوجية للوعى. وهكذا فإن الأيديولوجيا هى حلول، على مستوى الذهن، للتناقضات التى لم تحل عمليا. ونتاج الحل الذهنى الخالص هو اخفاء التناقض وإعادة انتاجه (أنظر لارين، 1979، 1983) ومن ثم، فليست كل الأفكار، وليست حتى كل الأفكار الخاصة بالطبقة الحاكمة، بالضرورة أيديولوجية أى تقلل من مغزى التناقضات الاجتماعية. ومع ذلك فكل الأفكار محددة اجتماعيا. ولكن هذا لا يتضمن بالضرورة تحيزا، ولا تجزيئية أو صلاحية مقيدة.

ويجب أن يفهم التحدد الاجتماعى أيضا فى سياق الممارسة بحيث تكون الأفكار هى التعبير- الواقعى أو الوهمى- عن الممارسات الانسانية. مع ذلك لا ينبغى لنا أن نختزل التحدد الاجتماعى للأفكار إلى الوضع الاجتماعى الذى نشأت فيه. فالمادية التاريخية لا تسعى إلى اختزال أشكال الوعى الاجتماعى بردها إلى خلفيتها الاجتماعية. وحقيقة أن أشكال الوعى الاجتماعى- أعمال الأدب والفن أو الأعمال النظرية والعلمية- تبقى بعد زوال الظروف الاجتماعية التى ولدتها تشير إلى أن التحدد هو فى آن معا مشكلة أكثر دقة وأكثر تعقيدا مما تبدو عليه فى الوهلة الأولى. لقد أشار كوسيك بنفاذ بصيرة إلى أن "حياة العمل ليست نتاجا للعمل ذاته ولا مجرد نتاج للظروف الخارجية" فحياة العمل ليست نتاج وجوده المستقل ذاتيا وإنما نتاج التفاعل المتبادل بين العمل والنوع الانسانى" (كوسيك، 1976، ص 81). إن عملا فنيا يبقى لا لأنه ينطوى فى ذاته على صلاحية شاملة وإنما لأنه يمكن أن يدخل فى ممارسة أجيال جديدة وأن يتمفصل معها، ويتخذ من خلالها معنى . وإذا كان ذلك كذلك، إذن لا يمكن للمادية التاريخية أن تفهم التحدد كفعل سببى مفرد. التحدد هو عملية دائمة من انتاج وإعادة انتاج الأفكار ضمن سياقات جديدة وممارسات تعطيها معنى مجددا. التحدد له صلة ليس فقط بتكوين الأفكار وإنما أيضا بقدرتها على البقاء. لذلك يجب أن يفهم كعملية مستمرة حيث تنتج الأفكار كما يعاد إحياؤها أيضا بواسطة ممارسات اجتماعية جديدة.

ويلاحظ أن هذا المفهوم للتحدد يتجاوز المفهوم التقليدى لتحدد الأفكار بواسطة البنية الاقتصادية. وليس هذا بسبب أننى أريد أن أنكر التأثيرات المحددة للبنية الاقتصادية وإنما لأن مفهوما للتحدد مؤسسا على الفعالية الوحيدة للبنية الاقتصادية يعتبر مسألة اشكالية. فإذا نظرنا إلى المجموع الإجمالى لعلاقات الانتاج، فإننا نجد أن البنية الاقتصادية تضع حدودا لانتاج الأفكار ولطابع المؤسسات السياسية والتعليمية. ولكن، إذا اختزلنا مفهوم التحدد إلى "وضع الحدود" بواسطة ترتيب بنيوى، فسنواجه إحدى مشكلتين: إما أن نعتبر وضع الحدود مجرد شرط لتعيين إطار عام يتسع لخيارات عملية عديدة ولتطوير كثير من الأفكار الممكنة، وفى هذه الحالة فإننا لا نعرف لم تمت خيارات معينة أو طورت أفكار معينة بدلا من أخرى مكافئة بشكل متساو مع الشروط البنيوية، أو أن نفهم الحدود باعتبارها محددة بالكامل وسببا كافيا ينتج بدقة هذه الأنشطة العملية والأفكار المتطلبة من قبل البنية، وفى مثل هذه الحالة لا يكون للبشر خيار سوى أن يتصرفوا ويشعروا فى اتجاه معين تم تحديده بواسطة البنية.

يبدو لى أن مفهوم التحدد يمكن أن يمضى أبعد من الخيار الأول دون أن ينكر الحرية الانسانية مثل الخيار الثانى. ويتم ذلك عن طريق ادخال مفهوم الممارسة. إذ بينما تعتبر البنية الاقتصادية شرطا للممارسات الاجتماعية التى تضع حدودا وخيارات معينة فإن الممارسات الاجتماعية ذاتها هى التى تحدد بشكل أكثر خصوصية الأفكار التى يطورها البشر. فعلى سبيل المثال ، ليس هناك شك فى أن البنية الاقتصادية تشرط وتضع حدودا لممارسات وأفكار الطبقة العاملة. ولكن ما إذا كانت الطبقة العاملة ستطور أفكارا ثورية معينة أم لا، مسألة تعتمد فى النهاية على طابع ممارستها الاقتصادية والسياسية، وعلى شكل تنظيمها والنضالات الطبقية العينية المنخرطة فيها. إذ يمكن للبنية الاقتصادية أن تؤسس فقط مصلحة عامة فى اتجاه معين ولكنها لا يمكن ان تضمن تطبيقها العملى. بالطبع هذا المفهوم للتحدد عن طريق الممارسة يعتبر أقل دقة لحد بعيد من التحدد بواسطة البنية المقترح من قبل كون. لكنه يتميز على الأقل باتاحة الفرصة للتقصى العينى لطابع ونوعية الممارسات الطبقية والنضالات التى تقدم مفتاح تفسير أشكال معينة من الوعى والتى قد تكون الطبقة المعنية قد طورتها. بينما لا يتطلب التحدد بواسطة البنية الاقتصادية وحدها أى تقصى نوعى عن الممارسات الطبقية: فهو يفترض أن كلا من ممارسات الطبقة وأفكارها تتسق مع النموذج الذى حددته البنية، ونوع التقصى الوحيد الممكن لمثل هذا النموذج هو استكشاف لماذا لم تحدث التأثيرات السياسية والأيديولوجية المتوقعة دائما. على أن الهدف من مثل هذا التقصى سيكون هو تبيان الطبيعة الاستثنائية أو الشاذة لهذه الحالات. فكما يبرر ذلك كون فإن" نظرية للتاريخ ليست مسئولة عن الأحداث الشاذة"(1978، ص 156).

والآن، فقد رأينا أنه فيما يتعلق بالتحدد، فإننا نجد أن النظرة الارثوذكسية التقليدية التى جددها كون حديثا تدافع عن أولوية قوى الانتاج التى تفترض أن لديها ميلا أصيلا للتطور ومن ثم تختار علاقات الانتاج التى يمكن أن تؤمن تطورها. بينما نجد أن ألتوسير وباليبار وماجالين، على النقيض من ذلك، يجادلون فى صالح أولوية علاقات الانتاج. ويرى هذا الاتجاه أن قوى الانتاج ليست سوى "الآثار اللازمة" أو أنها"تجسيدات لعلاقات الانتاج" . وسواء أكان الصواب فى جانب هذا الاتجاه أو ذاك، فإن هذا النوع من المناقشة محدود بحكم طبيعته لأنه معنى بتقرير أى عامل بنيوى هو المحدد فى النهاية، ولكنه لايطرح إمكانية ألا تكون الأولوية لأى من هذين العاملين البنيويين. وقد وصفت هذا البديل باعتباره توترا آخرا فى فكر ماركس وانجلز: هل التغير الاجتماعى فى أنماط الانتاج التناحرية يفسر بلغة الصراع الطبقى أم بلغة العوامل البنيوية والتناقضات البنيوية فيما بينها؟ رغم أن كون يدافع عن أولوية قوى الانتاج ويدافع ألتوسير وباليبار عن أولوية علاقات الانتاج فهم جميعا يوافقون على أن الصراع الطبقى مشتق وأنه غير تفسيرى لأنه محدد ومتشكل وفقا للبنى.

وكلا الموقفين لا يأخذان فى الاعتبار الذوات الفاعلة حين يفسران الآلية الأساسية للتغير. فبالنسبة لكون لا تتضمن قوى الانتاج البشر أو أى عناصر اجتماعية أخرى، فهى ذات طبيعة مادية وتتجه للتقدم بالضرورة بغض النظر عن الارادة الانسانية والتنظيم الاجتماعى. صحيح أن كون يرى أن "التاريخ هو تطور للسلطة الانسانية" ولكنه يضيف مباشرة أن "مجرى تطوره ليس خاضعا للارادة الانسانية" (1978، ص 148) أما بالنسبة لباليبار وألتوسير فلا يمكن لعلاقات الانتاج أن تختزل لعلاقات بين البشر والطبقات ليست هى الفاعل لتلك العلاقات وإنما هى مجرد دعائم لها. وبالنسبة لكلا الموقفين فالذوات الفاعلة المقسمة إلى طبقات يتم تصورها كمجرد دعائم او حملة. ولكنهم ينسون ماهو، من وجهة نظرى، حاسم، وهو، أن كلا من قوى الانتاج وعلاقات الانتاج هى نتاجات اجتماعية أنتجت بواسطة الممارسة الانسانية، وأنها تبلورات لعملية الممارسة التى ينتج فيها البشر وجودهم المادى. وهى باعتبارها كذلك فإنها تضع شروطا للبشر بالتأكيد، ولكن هؤلاء البشر يمكن أيضا أن يعدلوها ويغيروها. لقد عبر ماركس وانجلز عن ذلك بوضوح تام:

تحتوى كل مرحلة على نتيجة مادية، هى حصيلة من القوى الانتاجية، أى علاقة مكونة تاريخيا مع الطبيعة وبين الأفراد الواحد مع الآخر، وهى تسلم لكل جيل من الجيل السابق له، وهى تتكون من كتلة من قوى الانتاج، ومن الأرصدة الرأسمالية، ومن الظروف، صحيح أنها من ناحية تعدل من قبل الجيل الجديد، لكنها من ناحية أخرى تملى عليه أيضا شروطه الحياتية الخاصة وتمنحه تطورا محددا وطابعا نوعيا. إنها تبين أن الظروف تصنع البشر بقدر ما يصنع البشر الظروف (الأيديولوجيا الألمانية، ص 54).
ويضيف قائلا:
ويمكن القول إذن أن قوى الانتاج والعلاقات الاجتماعية هما جانبان مختلفان من تطور الفرد الاجتماعى... والطبيعة لا تصنع آلات، أو قاطرات، أو سكك حديدية أو تلغراف كهربائى، أو مغازل آلية إلخ. فهذه نتاجات الصناعة البشرية.. إنها تجسيدات الدماغ الانسانى، خلقت باليد الانسانية ، وباتت قوة المعرفة نتاجات موضوعية (الجروندريسه، ص 706).

فكل قوة انتاجية إذن هى قوة مكتسبة، أى نتاج فاعلية سابقة. وبالتالى فالقوى الانتاجية نتاج طاقة بشرية عملية، بيد أن هذه الطاقة هى نفسها مشروطة بالظروف التى يجد البشر أنفسهم فيها، بالقوى الانتاجية التى أكتسبت من قبل، بالشكل الاجتماعى الذى وجد قبل أن يوجدوا هم. (رسالة إلى ب. ف. أننكوف، 28ديسمبر 1846، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص 30).

من ناحيتى إذن، فإننى غير مقتنع بـ وصف نتيجة اجتماعية ما بأنها "ذات أولوية"، سواء أكانت قوى الانتاج أو علاقات الانتاج. فالأولوية يمكن أن ترتبط فقط بالانتاج العملى للبشر، وتحويلهم لحياتهم المادية. وبطبيعة الحال، تتضمن هذه الممارسة كلا من قوى الانتاج وعلاقات الانتاج كنتائج وشروط مسبقة لإعادة الانتاج المادية. لكن لا يمكن أن يفسر التغير تماما كأثر بنيوى لهذه النتائج الاجتماعية. فالتغير مشروط بها فقط ولكنه ليس محتما بالكامل. فالبشر بنشاطهم العملى هم الذين يحدثون التغير ضمن مجموعة من الخيارات المحدودة. وإذا كان من الصحيح أن البشر لا يختارون بحرية قواهم المنتجة وعلاقات الانتاج الخاصة بهم حيث أنها انتقلت إليهم من الجيل السابق- فإن ذلك لا يجعلهم عاجزين بشكل مطلق عن تغييرها ولا يمنع هذا وجود امكانات عديدة لمحاولة تغييرها.
إن التوترات فى مفهوم ماركس وانجلز عن التغير الاجتماعى يجب ان تحل من ثم لصالح النشاط السياسى العملى والصراع الطبقى- ليس صراعا طبقيا إعتباطيا بشكل مطلق وعشوائى، وإنما صراع طبقى مشروط بالبنية الاقتصادية ومستوى قوى الانتاج. ومع ذلك فهذه الشرطية لا تلغى الاختيارات إنما تحددها فقط. التناقض الرئيسى لأى نمط انتاج تناحرى هو ذلك الذى يولد الصراع الطبقى، أى التناقض بين المنتجين المباشرين ومالكى وسائل الانتاج، بين الفلاحين والسادة الاقطاعيين، بين العمل ورأس المال. فالصراع بين هذين الطرفين المتضادين هو الذى ينتج تغيرا اجتماعيا ذا أهمية. لقد تحدث ماركس وانجلز حقا عن التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج باعتباره السبب الأساسى للتغير الاجتماعى. المشكلة هى أننا لا يمكن أن نتحدث بدقة عن التناقض بينهما لأن من شروط التناقض بحكم التعريف أن يكون كل طرف فيه مستغرق فى الآخر. وأن يعرف كل واحد منهما من خلال التضاد مع الآخر بحيث لا يوجد أى منهما منفردا بذاته. بينما علاقات الانتاج وقوى الانتاج هما حدان متغايران وليسا بطبيعتهما الأساسية متضادين ، لأنه فى بداية نمط الانتاج يفترض فى الأولى أن تحفز تطور الأخيرة . وكثير من المؤلفين واعون بهذه المشكلة. إذ يقترح شاف Schaf على سبيل المثال، أنه فى هذا السياق يستعمل ماركس "التناقض" بمعنى مختلف ليعنى "أن قوى المجتمع الانتاجية غير قادرة على أن تشتغل ضمن علاقات الانتاج القائمة، أى أن ثمة عدم توافق بينهما، أى تنافرا" (شاف، 1960،ص 246). لكن من الواضح ، أنه ليس من المقبول أن نعطى تعريفات مختلفة لنفس المفهوم. ويرى آخرون، مثل ماجالين (1975، ص 63) ، وإيشفيريا (1978، ص 223)،و بتلهايم (1974، ص 23) أنه بدلا من التحدث عن التناقض ينبغى التحدث عن علاقة تطابق او عدم تطابق. وعلى أية حال، فإنه يمكن القول أنه، فى حين أن التناقض الأساسى لنمط انتاج هو أحد مكونات وجوده بالذات منذ ابتدائه، فإن علاقة من عدم التطابق قد تظهر متأخرة فى تطور نمط الانتاج، وبالتالى فالتناقض الأساسى بين المنتجين المباشرين وملاك وسائل الانتاج هو الذى يحدد ظهور "عدم التطابق" أو "عدم التوافق" وليس العكس.
والواقع أنه من بين كل التوترات التى وجدتها عند ماركس وانجلز، فمن المحتمل أن التوتر الذى يتعلق بتفسير التغير الاجتماعى هو الذى رجحت فيه أفكار ماركس وانجلز رأيا على الآخر، وهو ، أولوية القوى المنتجة. فوزن الأدلة المتضمنة بهذا المعنى مؤثر للغاية، خاصة إذا ما أخذنا تفسيرا أوسع من تفسير كون وجعلنا قوى الانتاج تشمل أشكال التعاون الاجتماعى. ولكن بالرغم من هذا فإن مهمة إعادة بناء المادية التاريخية تتطلب أن تقام توازنات جديدة يمكن أن تجعلها نظرية أفضل حتى لوبات ضروريا تغيير فكر ماركس وانجلز. لقد انتقد كون "بلامنتاز" تحديدا لأنه ميال " لأن يرى فى المجتمع مجموعة من الأنشطة فقط، وليس مراكز،" و "يركز على ما يسميه "الحياة الاجتماعية" ويخفق فى تمييزها عن البنية الاجتماعية التى تجرى فيها" (كون، 1974، ص 92). أنا نفسى لا أدافع عن موقف بلامنتاز وأوافق على أنه يتعين أن نميز الممارسات الاجتماعية عن العلاقات البنيوية. وأوافق حتى على وجهة نظر كون الخاصة بأن التحديدات البنيوية وحدها يمكن " أن تستخدم لكشف شبكة الارتباطات التى تصل أعضاء المجتمع" (1974، ص 93). مع ذلك لا أوافق على محاولة كون لتفسير التغير الاجتماعى كنتيجة مباشرة ولا مفر منها، للعلاقات البنيوية واشتقاق السلوك الانسانى آليا من التوقعات الخاصة بالوظيفة المحددة بنيويا. فمن المؤكد أن العلاقات البنيوية والتوقعات المستمدة من الخصائص الوظيفية تؤثر وتشرط السلوك ومن ثم تحدد التغير، ولكن ليس بصورة حتمية.
وقد ميز كل من فليشر (1973)، وفيلمر (1971) تمييزا قيما بين ماهو ضرورى عمليا وماهو ضرورى حتما. فالأخير تغير أو نمط فى السلوك يتحتم حدوثه. ولكن هذا النوع من الضرورة خاج حدود المادية التاريخية. فالاشتراكية بالنسبة للمادية التاريخية ضرورة عملية فقط، أى، نمط للحياة يجب أن ينشأ، بمعنى أنها مهمة موضوعة أمام البشر لانجازها، ويحتمل أن يخفقوا فى تحقيقها. ولكن بالطبع، فبدون شروط بنيوية معينة، تصبح الاشتراكية وهما أو حلما. إذ تظهر فكرة الاشتراكية بالذات مع نشوء، الرأسمالية فقط حيث خلقت شروط بنائها لأول مرة. ومع ذلك، فليس الشرط الضرورى بنيويا كافيا بشكل حتمى. ولهذا لا يمكن أن نستنبط ببساطة انه بسبب أن الشروط البنيوية للاشتراكية قائمة فإن الاشتراكية يتحتم أن تتحقق. وإنما هى قد تتحقق فقط إذا ما نجح البشر فى احداثها عمليا. وليست هذه بأية حال نتيجة محتومة. ويذكرنا لوكاش- وهو محق فى ذلك- بأن لينين اعتقد أنه بالنسبة للرأسمالية لم يكن هناك "وضع لا يمكن الخروج منه. مع أنه أيا ما كان الوضع الذى قد تجد الرأسمالية نفسها فيه، فسوف تكون هناك دائما بعض "الحلول الاقتصادية" البحتة المتاحة" (لوكاش، 1971، 306).

وإذا كان الأمر كذلك، فإنه من الصعب قبول وصف ماركس لتطور المجتمعات كما لو كان عملية من التاريخ الطبيعى محكومة بقوانين مستقلة تقود بشكل حتمى إلى الشيوعية. فعلى الأقل لا يمكن أن يتصور الانتقال إلى الاشتراكية بهذا الشكل. وعلى النقيض مما نتوقع، تظهر كتابات ماركس السياسية الناضجة إدراكا متزايدا لعدم اليقين بمثل هذه العملية مقارنة بإشارات نظرية أكثر ميلا للحتمية فى بعض الكتابات الباكرة. بينما دافع ماركس وانجلز فى 1844 عن أن المسألة ليست هى ما يعتبره هذا البروليتارى أو ذاك، أو حتى البروليتاريا بأجمعها هدفها الخاص، إنها مسألة ما هى البروليتاريا، وماذا ، بالتوافق مع هذا الوجود، سوف تكون مجبرة على أدائه تاريخيا" (العائلة المقدسة، ص 44)، كذلك يؤكد ماركس بمناسبة الحرب الفرنسية- البروسية فى 1870 ومشيرا للطبقة العاملة الأوروبية أنهم:
"إذا تخلوا عن واجبهم، وبقوا سلبيين، فإن الحرب الهائلة لن تكون سوى نذير لعداوات دولية أكثر دمارا، سوف تؤدى فى كل أمة إلى انتصار مجدد على العمال من قبل أمراء الحرب، والأرض، ورأس المال (خطاب المجلس العام إلى أعضاء الأممية، الأممية الأولى ومابعدها، (ص 186).
وهكذا نجد أن الوصف القاطع للوعى الطبقى البروليتارى كتطور ضرورى مشتق من وجود البروليتاريا قد استبدلت به فكرة أن تحقيق الوعى الطبقى يعتمد إلى حد بعيد على مواقف وممارسات لا يمكن ضمانها ويجب أن تتطور وسط "ظروف شديدة الصعوبة" (ص 185).
ويطرح هنا سؤال عما إذا كان رفض النزعة أحادية المسار وإبدال نظرية للممارسة بها يحول العملية التاريخية إلى مسألة غير محددة عشوائية بدون عقلانية قابلة لأن تدرك، تاركة الماركسية هكذا فارغة (جيلنر، 1983 و 1984). لا أظن ذلك. ومع ذلك فالمسألة هى التحقق من ماذا تعنى العقلانية فى التاريخ. إنها لا يمكن أن تعنى معنى محتوما سابقا على الممارسة الانسانية، إلا إذا كنا نريد أن نعود للفلسفات الكلاسيكية التى عرضت التاريخ باعتباره تحققا للفكرة أو العقل أو العناية الالهية. كما تناول ذلك كوسيك بقوله:
ليس العقل شيئا يضعه التاريخ طوال مساره سابقا على الزمان، حتى يتبدى كعقل فى العملية التاريخية، ولكنه بالأحرى يشكل ذاته كعقل فى مجرى التاريخ. ووفقا لمفهوم العناية الالهية يشكل العقل التاريخ، وهو ذاته يتبدى تدريجيا فى تحقق التاريخ. وعلى نقيض ذلك، يرى المفهوم المادى، أن العقل إنما يتشكل فى سياق العملية التاريخية، ومن ثم، يكتسب التاريخ معقولية، فالتاريخ ليس عقلانيا بذاته وبصورة حتمية (كوسيك، 1976، ص 144).
فمعنى التاريخ ، إذن، ليس مستقلا عن البشر الذين يصنعون حياتهم عمليا. وهؤلاء البشر، عند تحقيقهم لأنفسهم ككائنات عملية لا يفعلون ذلك وفقا لخطة محتمة. وهكذا فمعنى التاريخ إنما يتشكل من خلال الفعالية العملية التى يحقق البشر من خلالها أنفسهم. ولكن، وكما أن هذه الفعالية العملية ليست حرة بشكل مطلق وإنما مشروطة بظروف مادية وعلاقات أنتجها البشر أنفسهم، فإن العقل فى التاريخ، أيضا، ليس محددا سلفا بشكل كلى وليس لانهائيا فى امكانياته.
ففى رسالة إلى ب. ف. أننكوف، يجادل ماركس بأنه "نتيجة هذه الحقيقة البسيطة، وهى أن كل جيل جديد يجد نفسه مالكا للقوى الانتاجية التى اكتسبها الجيل السابق- وأنها تخدمه على اعتبارها المواد الخام من أجل الانتاج الجديد، يقوم تماسك التاريخ البشرى" (رسالة 28 ديسمبر 1846، المراسلات المختارة لماركس وانجلز، ص ص 30-1). وهذا يعنى أن ثمة استمرارية فى الطريقة التى يصنع بها البشر التاريخ، إذ ليس عليهم أن يبدأوا مجددا فى كل مرة من لاشئ. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن معنى التاريخ معطى فى الظروف المادية المتراكمة باستقلال عن الممارسات الانسانية. فأشكال الممارسة المتموضعة، وقوى الانتاج وعلاقات الانتاج المعطاة كلها أمور حاسمة فى نشوء التماسك فى التاريخ ولكنها تفعل ذلك فى حدود ارتباطها بالممارسة الانسانية فقط لأنه بالرغم من أنها تشرط الممارسة فإن الممارسة تغيرها أيضا وفى النهاية يمكن القول أن الممارسة الانسانية هى التى تعطى الشروط معنى. ومن ثم، فإن معنى التاريخ ليس شيئا معطى بل منتج بواسطة النشاط العملى المشروط للبشر. ومثل هذا المفهوم يستبعد فكرة وجود هدف نهائى يتحتم تحقيقه ويرفض مفهوم وجود دافع باطنى يقود التاريخ نحو غاية ضرورية. كما عبر عن ذلك فليشر بقوله:
ليس التاريخ تقدما نحو انسانية وحرية أعلى، وإنما هو تعبير عن الامكانية المتزايدة لمثل هذا التقدم فحسب. إذ يكمن الاحتمال المتأصل فى التاريخ بأسره فى حقيقة أن تحقق الممكن هو دائما مسألة مبادرات حرة وتركيبات خلاقة، وأن نوعيتها ونجاحها ليس مضمونين مقدما (فليشر، 1973، ص 80).
ومن خلال هذا السياق يمكننا أن نفهم لماذا لايمكن حل التضارب عند ماركس فيما يتعلق بنتائج الاستعمار فى آسيا وأيرلندا نهائيا وعلى نحو حاسم فى أى من الاتجاهين المذكورين فى نهاية الفصل الأول. فقد كان الاختيار هو اختيار بين إمبريالية تعزز تطور قوى الانتاج أو إمبريالية تشكل عقبة فى وجه تصنيع العالم الثالث. وقد كان الرأى الأخيرهو الموقف التقليدى منذ 1928، بينما حاول وارين حديثا(1980) أن يعيد إحياء الموقف الأول. ولا يتناسب أى من هذين الموقفين المتطرفين، مع مادية تاريخية أعيد بناؤها. لأنهما يقترحان مجرى ثابتا للتاريخ ويبدو محتما بشكل سابق على أى تحليل عينى. وكما بينت فى الفصل الثالث، فإن تجربة بلدان العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية تتمثل فى أنه بالرغم من أن الإمبريالية لم تفض إلى تصنيع البلدان التابعة فإنها لم تمنع بشكل مطلق تطور قواها الانتاجية. وإنه لمما يثير السخرية، أن ندافع، كما يفعل وارين، عن أن الإمبريالية نافعة فى كل مكان، ولكن من ناحية أخرى من المستحيل إنكار وجود عملية ديناميكية إلى حد ما فى التطور التابع لبعض بلدان العالم الثالث. ويمكن أن تتعايش هاتان الإمكانيتان جنبا إلى جنب لأن الامبريالية لا يمكن أن تفهم كإملاء خارجى محض ينتج نتائج متشابهة فى كل مكان، ولكن، كما ذهب كاردوسو وفالتو (1979). فالامبريالية تحدث تأثيرها وتمارس نفوذها دائما من خلال التمفصل مع الصراع الطبقى الداخلى فى بلدان العالم الثالث.
المصدر - اعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين - الناشر الن&اونوين - لندن 1986 .







التعليقات


1 - مقال ساذج وسطحي
طلال الربيعي ( 2016 / 7 / 11 - 17:07 )
مقال ساذج وسطحي ويسيئ تفسير ماركس. وهو كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء.

اخر الافلام

.. من هي مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف؟


.. مرشح حركة فرنسا الأبية في الانتخابات الرئاسية جان لوك_ميلانش


.. هل يدفع هامون ثمن الخلافات داخل الحزب الاشتراكي؟




.. السيناريوهات الممكنة بعد إقصاء اليسار واليمين


.. لبنان.. الحزب الاشتراكي يقترح قانون انتخاب جديد