الحوار المتمدن - موبايل



السيرة الذَاتيَّة في حضرة القدس

رفيقة عثمان

2016 / 8 / 19
الادب والفن


رفيقة عثمان:
السيرة الذَاتيَّة في حضرة القدس
ألم وأمل في حضرة القدس:
يحمل كتاب "أسرار أبقتها القدس معي" للأديبة نسب أديب حسين، والصادر هذا العام 2016 عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع في القدس عناوين متعدِّدة، ومختلفة، تندرج تحت عنوان يوميَّات، مع توثيق التواريخ للأحداث التي رافقت، وعاشتها كاتبتنا الشَّابَّة نسب؛ خلال فترة زمنيَّة تتراوح مدَتها ما بين السنوات 2012 ولغاية 2015.
إنَّ تصنيف النوع الأدبي لهذه النصوص، يُعتبر من السيرة الذاتيَّة، والمُذكّرات اليوميَّة المُطعَّمة بالحسِّ، ووضعتها الكاتبة في قالب أدبي شيِّق، بطريقة سرديَّة جميلة؛ بلغة فصحى سلسة، وسهلة لكَّافَّة المستويات، والأعمار، واللهجات. المحليَّة استخدام اللغة الفصحى في هذه النصوص، إلّا ما اقتضت الحاجة بما يتناسب مع لهجة أهل المدينة المقدسيَّة.
استخدمتِ الكاتبة أسلوبًا شيِّقًا، من خلال الراوي البطل هي نفسها الكاتبة، التي لامست الأحداث، والأماكن في، وأبرزتها في حلَّتها الجديدة، بوصفها الدَّقيق والجميل لهذه الأماكن التاريخيَّة؛ مستندةً على مصادر علميَّة موثَّقة بلغات مختلفة. لم تكتفِ الكاتبة بالمشاهدات العينيَّة، والجولات داخل المدينة؛ بل أعطت لهذه الأحداث مصداقيَّة، بتوثيقها من مصادر علميَّة مختلفة، هذا أقرب للبحث العلمي الأكاديمي؛ لتُعرِّف القرَّاء الغرباء، وتوسيع مداركهم حول الأماكن والاحداث التاريخيَّة التي مرَّت عبر العصور المتعاقبة، وتركت غبارها الثقيل على الجوهرة الثمينة.
تأرجح العاطفة ما بين الألم والأمل:
عبَّرتِ الكاتبة عن عواطفها بشكلٍ مباشر، وغير مباشر عن حبِّها بل عشقها للمدينة المقدَّسة، وتأرجحت عواطفها ما بين الألم والحسرة، وما بين الأمل والفرح، والابتسامة.
عكست كتابات النصوص الأدبيَّة، شخصيَّة الكاتبة الهادئة، والتي تتألَّم بصمت، وتكشف عن الجرح، والوجع بصمت، وتغار على الأماكن المُهملة داخل المدينة، ولم تحظَ باهتمام ساكنيها؛ وجعلت من الحوار الذاتي – المونولوج - اسلوبًا حواريَّا لذات الكاتبة عند مقارناتها، والمفارقات الموجودة ما بين الواقع المرير للقدس العتيقة، مع الواقع المستتب في الطرف الآخر من المدينة.
بين طيَّات الألم، سكن الأمل في روح الكاتبة، وكما كانت مصدرًا للأمل، كما عبّر عنها الكاتب إبراهيم جوهر: صفحة 254: " قال العم إبراهيم جوهر أنَه يشعر بالأمل عندما يراني، ويرى متابعة حضوري الى ندوة اليوم السَّابع ومشاركتي فيها؛ ويرى حصاد عمل ندوة اليوم السَّابع بي، بإنتاجي الأدبي وابنة الدواة على السُّور، حفيدة اليوم السَّابع". عبَّرت الكاتبة أيضًا عن شعورها بالأمل عند وجودها بين الأدباء والكتَّاب: "كم رغبت أن أقوم مرَّةً أخرى إلى المنصَّة؛ لأخبرهم (الأدباء والكتَّاب): كم أشعر بالأمل، وقدرة على الاستمرار والمضي قًدمًا كلَّما رأيتهم وحادثتهم.". غمامة الحزن لم تنقشع ابدًا " لكن وق صدر المدينة هم وحزن ثقيل، فأيُّ مطر سيروي قلوبنا العطشى لبريق أمل؟ وأيُّ مطر سيمسح هذا الحزن عن عيون مدينتنا؟". " قليل من النور، وكثير من الوجع".
لم يكتنفِ الوجع من اجتياح قلب الكاتبة، بل عاشت بين وجعين وأكثر، طالت غيرتها وحزنها الوطن العربي، وبالأخص ما دار من أحداث في سوريا الحبيبة؛ كما ورد صفحة 257: عندما حدَّثتها زوجة السيِّد عماد منى سوريَّة الأصل، (عماد صاحب المقهى الثقافي الأوَّل في البلاد)، عن أوضاع أعلها بالشَّام منذ عشرة أعوام: "الشَّام لم تعد تشبه شام ذاكرته... حزن ينهض من رقدته في صدري .... وبين حين وآخر يعلو وجه حلمٍ جميل ببلد أحببته عن بعد، هو سوريا، وها هي ملامح الوجه تحترق مثلما احترقت لي أحلام كثيرة". " هذا الوطن يوجعني يا أمِّي" صفحة 213. عبَّرت الكاتبة عن الوجعين ما بين الرَّامة والقدس، كلاهما يسكنان روحها، وروحها تسكن في كليهما، والوجع ما بينهما لم يلتئم بعد! "تنفجر ينابيع الرامة في عيني وأنا أحثُ الخطى، أبحث عن ظلِّع وعن غياب وجهه قبل الغياب، أحد الوجعين في صدري هذا اليوم استفحل. فقد رحل سميح القاسم." صفحة 166.
كان لندوة اليوم السَّابع، وخاصَّةً علاقتها بالأدباء المقدسيين، والمسرح الوطني الفلسطيني، أثرُ كبير على علاقة الكاتبة بهما: علاقة أدبيَّة وشخصيَّة حميمتان. تكرَّر هذا البوح في نصوص متعدِّدة؛ تتماهى مع جهودهم في إنهاض الحياة الثقافيَّة في المدينة، وهنا تحاور نفسها حو تعاطفها معهم متسائلةً: "كيف تُنقذ القلوب المُرهقة ملامح المدن حين تذوي؟" صفحة 256.

حضور الأماكن التاريخيَّة، والأثريَّة في النصوص الأدبيَّة:
حرصت الكاتبة على ذكر معظم الأماكن التي زارتها، وعرفتها في المدينة الحزينة، في الحفاظ على نظافتها، ومنحها الاهتمام الكافي؛ لصيانتها وجذب السيَّاح اليها؛ عندما وصفت باب قصر الست طنقش، كما ذكرت صفحة261: "ما أحزنني... هذا المكان يجب أن يكون سياحيًّا من الدرجة الأولى، هذا المكان جزء من التراث الإسلامي في المدينة". كذلك بالنسبة لقلعة القدس، وأُطلق عليها اسم "قلعة داوود"، وغرها من الأماكن التي تمَّ تغيير أسمائها، وتنسيبها لغير أصحابها الأصليين.
حضور أسماء الأشخاص المقدسيين البارزين في يوميَّات الكاتبة نسب:
لم يغِب عن بال الكاتبة، استحضار أسماء الأعلام المقدسيَّة، والتي تسعى بالحفاظ على الصرح الثقافي، والحضاري لمدينة السَّلام. لا مجال لذكر كل الأسماء هنا؛ من كتَّاب، وفنَّانين، وشعراء، وممثِّلين، ورسَّامين، وآخرين اللذين تركوا بصماتهم الذهبيَّة.
الحزن والهموم على الثقافة المقدسيَّة، واللُّغة العربيَّة:
شغل بال الكاتبة مصير المسرح الوطني، ما بين إغلاقه، والبقاء عليه، وأحزنها الجهل وضياع الوطن بين أيدي الجهلاء، كما ذكرت صفحة 371: " تحزنني هذه الجملة صديقتي المقدسيَّة لا تعرف الحكواتي وموقعه".
لا بُدَّ للابتسامة أن تعلو على وجه المدينة، في إجراء أكبر سلسلة قراءة حول سور القدس الشريف" كما ورد صفحة 107.
خلاصة القول، نجحت كاتبتنا بأن تبوح بحزنها العميق، والألم نختلط بالأمل، وستظل الابتسامة تعلو، طالما هنالك كتَّاب وغيورون على القدس أمثال كاتبتنا الشابة نسب. هنيئا لها ولنا على هذا الإصدار الثمين، وآمل أن يتوفَّر في المدارس بين أيدي الطلاب.







اخر الافلام

.. بوكس أوفيس| تعرف على إيرادات السينما الأمريكية لهذا الأسبوع


.. دردش تاغ - ما رأيكم في الأفلام المستقلة؟


.. مهرجان الفيلم العربي بواشنطن يدخل عامه الثاني والعشرين




.. ا?سرة «الخلية»:النقيب عمرو صلاح شهيد «الواحات» دربنا علي موا


.. الفنانة أروى تتحدث عن غنائها باللون الشعبي