الحوار المتمدن - موبايل



مكابدات عراقية... محنة المثقف العراقي

جواد وادي

2016 / 8 / 27
الادب والفن


مكابدات عراقية
محنة المثقف العراقي
لماذا هذا الصمت العربي إزاء حرب إبادة العراقيين
بتغليب جهة ظالمة على أخرى تتعرض للنحر اليومي؟

كيف يتسنى للمبدع ان يكتب نصا وهدير التفجيرات وغضب المفخخات يصم الآذان؟ كيف له ان يتعامل مع رؤاه وفضائه الابداعي وجعجعة البنادق تحاصره؟ ومهرجانات الدم وطقوس الموت المجاني تزحف نحوه؟ هو القابع في محرابه من المحق الذي يترصده والمحنة التي تقطّع اوصاله لحظة بلحظة، كيف له ان يبدع تفاصيل لحظته فضاء كيانيا ويلملم عذاباته؟ وهو المنذهل لمأساة شعبه، المنشغل حد البكاء لمحرقة وطنه وانهيار القيم وتفاصيل الوجدان البشري ضالته في ان يتعامل مع ركامات من الانكسارات القاتلة؟ انه قدر لم يكن من صنع العراقيين ولا برغبتهم ونحن نسمع هنا وهناك كتابات واراء من خارج البيت العراقي ومن داخله، تحث العراقيين على الرفض وكأن العراقي هو الذي اختار هذه الحالة التي يقاسيها لحظة بلحظة وتؤرقه ولا من سبيل للخلاص، فهو بين مطرقة الارهاب البغيض وحالات الفساد والتخريب السياسي بكل كوارثه، ويطلب منه المنغمسون في ترفهم وهم في غاية الرخاء ان ينتفض لمقاومة المحتل الداعشي المجرم وطرده، والوقوف بوجه مافيات اللصوص والمخربين والناهبين للمال العام، نسمع هذه السفسطات ليس من العرب فحسب، بل حتى من بعض العراقيين انفسهم، فقط نريد ان يفهم الجميع ان هذه الدعوات المشبوهة ما هي الا نوايا لصب الزيت على النار وتعقيد الوضع العراقي المتأزم امنيا، ليفتحوا منافذ لأزلام النظام السابق وزبانيته، وترك القتلة الظلاميين يحلون الدم العراقي ويعيثون فسادا وتخريبا بكل البنى العراقية، سيما الثقافية منها، وخلط الاوراق وبالتالي تتحقق نواياهم الشريرة، والاسماء هذه لم تعد خافية على العراقيين، ينبغي فضحها وتسويف ادعاءاتها المغرضة.
يتحدث الجميع إن هم تجاوزوا حالات الصمت على مضض، بأن سبب ما يعانيه العراقيون عائد لهم أنفسهم، هكذا ودون أدنى إحساس بالتعاطف الإنساني، وهم لا يشعرون بحجم الكارثة التي تحيق بالجميع، العراقيون كلهم توحدوا في المأساة والزلزال عم الجميع دونما تمييز، طيلة أربعين عاما وهم يمسكون بجمرة القهر والموت وشتى صنوف الابادة، العراقي البئيس الذي خبر المحن والكوارث عبر تأريخ حافل بطقوس الدموية والمحو والاقصاء والخوف من الآتي، تأريخ لم يعرف هدأة قط، وكأنه قدر لعين من المعاناة والالم والالتياع يلاحق الناس طيلة عقود، لا يختلف عراقيو الداخل عن اترابهم في المنافي، الكل توحد في المأساة. وللمبدع في مهرجانات الدم هذه، حظه الاوفر من الذل والهوان إن داخل المحرقة او في الشتات.
والان وقد انقشعت الغمة وتنفّس العراقيون الصعداء بسقوط صنم الضيم والتسلط، فانفتحت منافذ الأمل وانزاحت صخرة سيزيف الجاثمة على صدورهم، وحصرا أولئك الاشد احساسا بالضيم، مبدعو العراق في الداخل وفي الشتات، استبشروا بنسيم الانعتاق من هكذا وضع شاذ ورهيب لا يعرف غير ابادة الاخر ومحوه، لكن فرحتهم لم تكتمل حيث ابتلوا الان بمهرجانات الدم اليومي وتكالب الظلاميين من برابرة الدواعش وبقايا مجرمي البعث وسفّاحيه، لتفسد تفاصيل الحياة العراقية، انها طامة جديدة يشعر ازائها المبدع العراقي بان مسرة الانعتاق من حكم الطاغية لم يدم غير ايام معدودة حين انتزعها جيش الحاقدين والمتخلفين، وبات مصيره متروكا لهذه القوة الغاشمة وهو يضرب اخماسا بأسداس لهذه المحنة الجديدة، ناهيك عن الإرهاب البغيض وما يتركه من آثار مجتمعية خطيرة وأفعال إجرامية وحشية تفتك بالجميع.
كيف السبيل إذن للخلاص من هذه المهزلة؟ ما الذي ينبغي فعله لاسترداد حرية العراقي المنقوصة؟ وان تزاح الغمة عن هذا الشعب المظلوم؟
ان المبدع العراقي الذي ظل مغيّبا ومهمشا وخارجا عن لعبة السياسة ومخططيها، عليه وفي هكذا اوضاع شاذة، ان يطبق على نواجذه للدفاع عن آدميته، وان ينتزع ثوب الوداعة ويمزق القشرة التي احاطته بقسوتها وجبروتها، لينتفض ماردا قولا وفعلا، دفاعا عن تاريخه المعرض للمسخ والتشويه الممنهج، ممتشقا اسلحته وجميع ممكناته ليتحول من حالة الاستسلام الى حالة القتال الشرس، لأنها مسألة وجود. ان الامر هنا لا يخصه وحده، بل جميع المثقفين العرب مطالبين بوقفة تحدي وبشكيمة، وان يخرجوا من جحورهم وبصوت لا مراء فيه لإسناد المبدع العراقي، ولتتوحد الاصوات الخّيّرة للخلاص من هذه الاوضاع الشاذة، انها المناسبة لبعض من طّبّل وزمّر للنظام المندحر ولجلاديه ممن كان يتفرج وبتشفي لعذابات المبدع العراقي، ليصل السوء إلى درجة السخرية، ان المثقف العراقي بأمس الحاجة لإسناد اخيه المثقف العربي للوقوف صفا واحدا لإزاحة هذه الغمة الرهيبة، لا ان يُترك وحيدا ليلعق قدره كما كان دائما وطيلة عقود المحنة السوداء. لماذا يظل العراقي كبش فداء الأمة المسحوقة، تلقّى العسف والابادة وحيدا، وكان الجميع بوعي وبدونه يساندون القتلة والمجرمين، والان تكاد تلك الاصوات تقبع في جحورها دون محاسبة للضمير.
ان المثقف العراقي كان ولا زال المستهدف من لدن الجميع محروما من امتلاك القرار السياسي والثقافي، ولا حتى امكانية ان يقول ماذا يريد، وظلت الصفعات تنهال عليه من الجميع، فهو الخاسر الأكبر في هكذا اوضاع شائنة.
ان عراقنا الغالي جميعا: شعوبا عربية كنا ام عراقيين، يتعرض الى خراب عظيم والمسؤولية تقع على عاتق الجميع لئلا يطالهم هم ذات المصير والنزف الدائم.
انه تحدي جديد يتطلب تجنيد امكانات هائلة وطاقات ذاتية وموضوعية ليست بالهيّنة، والاسناد الفعلي للمثقفين العرب يدفع بنا الى التشبث بقدسية المعركة المفروضة علينا حفاظا على كرامتنا ودفاعا عن تاريخنا الحافل بالإنجازات الفكرية الهائلة، لا ان ندع ثلة من القتلة والمنحرفين، المس بحرمات تلك البلاد وانجازاتها الفكرية وما قدمته من خدمات فارزة وعلى امتداد حقب زمنية وحضارية، ينوي الحاقدون من شذاذ الافاق، مسخها والتطاول عليها، انها حضارة امة ومسيرة تأريخ حافل بالعطاء، وازاء كل ذلك يبقى قدر العراقي الدفاع بشراسة وبكل طاقاته للوقوف بحزم ازاء محاولات مسخ الهوية العراقية العريقة...
فقط ودون ان ننكأ الجروح، دعونا نعاتب اخوتنا المثقفين العرب للإجابة عن سؤالنا الحارق والذي لم نجد ولحد اللحظة تفسيرا له، لماذا هذا الصمت الرهيب ازاء جز رقاب العراقيين ولا تحركون ساكنا؟ أنتم الذين شحذتم اقلامكم للدفاع عن نظام صدام الاهوج؟ لنبدأ مسيرتنا الجديدة على اسس لا يمكن لأيٍ كان ان يتطاول عليها ويوظفها لأغراضه الخسيسة، كما حدث في علاقة المثقف العربي مع النظام الصدامي المنهار والعلاقات الغريبة والفاضحة التي طغت وطيلة عقود القهر الأربع، بين المثقف العربي والسلطة الغاشمة: اين كان هؤلاء المثقفون العرب حين كان المبدع العراقي يتعرض لأبشع صيغ الابادة الممنهجة والمحو والتقتيل والتصفيات الجسدية؟ لماذا لم نقرأ ولا بيان ادانة لما كان يحدث في الداخل وملاحقات خارج الوطن؟ ما تعرض له المبدعون العراقيون في الداخل من تصفيات جسدية تقّشّعر لها الابدان ومن ثلة من الجهلة والمارقين والجميع لاذ بالصمت، بل ومنهم من وسم المثقف العراقي بالخيانة والتزلف الى الاجنبي، وكأنها وصاية وبتكليف من سدنة النظام وابواقه.
نحن جميعا مذنبين، عراقيين وعربا لما حصل للعراق. نريد ان ننظّف ادران الماضي بوقفة مصيرية مشتركة للخلاص من هذه المحنة، دعونا نرتّب اوراقنا لان الكارثة ستطال الجميع، والكل في مرمى الإرهاب والقتل المجاني، الأمر الذي يتطلب جهودا استثنائية للوقوف بوجه المد الظلامي الكاسح، عندها نعيد الثقة بالنفس بمؤازرة المثقف العراقي الذي اعيته المحارق والنكبات، لا ان نطمر رؤوسنا في التراب ونظل كخفافيش الليل نرقبه وهو يواجه انهياراته بمفرده، لا حول له في هذه المواجهة الحاقدة والشرسة لان المعضلة أكبر واعقد من ان توصف.
ومما لاريب فيه ان المعركة واسترداد الكرامة وتنقية ارض العراق، مهمة تتطلب تظافر الجهود جميعا لينعم العراقيون بهدأة افتقدوها لسنوات طويلة، ولينهض المبدع العراقي المعروف بعطائه المتميز ليؤسس انجازات فكرية عملاقة كعهدنا به دائما محجة لكل المثقفين العرب، ولنتخلص من الادران التي ما زالت عالقة في ضمير المثقف العربي.







اخر الافلام

.. الشروق| الفنان رامي عياش يتعاقد مع شركة «مزيكا» للألبوم الجد


.. فى ذكرى رحيل الفنان طلعت زين.. ما لاتعرفه عنه


.. دار الأوبرا الجزائرية تنبض بالحياة احتفالا بالصداقة مع الصين




.. الفيلسوف جيوردانو برونو، شهيد الحقيقة والعلم


.. الفنانة التونسية غالية بنعلي في ضيف ومسيرة