الحوار المتمدن - موبايل



الطائفية والعلوية السياسية وأشياء أخرى حول طبيعة النظام السوري (2 من 2)

سلامة كيلة

2016 / 9 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


الخلفية التي أتى عبرها حافظ الأسد إلى السلطة كانت حزب البعث، الذي عبّر في الغالب عن طموح الفلاحين، هؤلاء الذين كان الجيش وسيلتهم، لهذا وصل حزب البعث إلى السلطة عبر الجيش وليس بقواه الحزبية (ولقد كان منحلاً حين وصول البعث عبر الجيش إلى السلطة). وإذا كانت المرحلة الأولى من الحكم (8 آذار سنة 1963 إلى 23 شباط سنة 1966) قد مثلت بشكل ما، حكم الحزب نتيجة تعدد مراكز القوى في الجيش، فقد بات ضباط الجيش هم السلطة رغم وجود الحزب في المرحلة الثانية (23 شباط سنة 1966 إلى 16 تشرين الثاني سنة 1970). حافظ الأسد حسم الأمر بأن همّش الحزب وأنهى مراكز القوى، فمحور السلطة بيده، وأخضع كل المجتمع. هذا الإخضاع تمثّل في استمرار “اقتصاد البعث”، لكن مع فتح نافذة لتجار دمشق الذين دعموه، وباستمرار الحزب لكن كشكل بعيد أن جعل السلطة التنفيذية بيد الأجهزة الأمنية. ووضع دستوراً جعله المشرِّع والمنفذ والقاضي وكل شيء. لقد لخّص السلطة في ذاته. لكنه، من منظوره الريفي البطريركي، جعل الدولة والمجتمع ملكية خاصة له، ولورثته.

هنا السلطة كانت فردية مطلقة، القرار فيها لـ “الرئيس”. هذا هو طابع نظام حافظ الأسد، الذي عِبْرَه عمل على استغلال كل تناقضات المجتمع لكي يحكم ويضمن حكماً أبدياً لورثته. بالتالي فقد كان نظاماً عائلياً بطريركياً وراثياً (ككل الممالك القديمة)، ولم يكن حكم طائفة أو حزب. هنا لا يعني الاعتماد على طائفة أن النظام كان طائفياً، رغم أن النظام لم يعتمد على طائفة بل على فئات من طائفة (ولقد قتل وأبعد فئات من الطائفة ذاتها) استناداً إلى الثقة “الريفية”، واعتماداً على الولاء. ونتيجة هذه الأخيرة صفى كل الضباط وكبار المسئولين من الطائفة الذين كانوا مؤيدين لصلاح جديد، كما طرد وأذلّ كبار الضباط الذين ساندوه ضد صلاح جديد حين رفضوا، أو تململوا من تعيين بشار الأسد وريثاً له. كما أنه أطلق بناء الجوامع ودعم نشر الأصولية السنية، وتلاعب بالأقليات والطوائف والأديان. لقد كان رئيساً فوق الطوائف والأديان، والطبقات، يعتقد بأن سورية هي “ملكية خاصة” له ولنسله إلى الأبد. وفي ظل حكمه، وعبر السماح لكل المرتبطين به، تشكلت طبقة مافياوية نهبت الاقتصاد، وفرضت هيمنتها بعد مماته، كما أنها شكلت تحالفاً مع البرجوازية التقليدية (ذات الخلفية السنية). وهذا هو التكوين الحاكم الآن.

إذا تجاوزنا المنظور الطائفي، أو التحليل الثقافوي، يمكن أن نقول بأن النظام كان يمثل، في مرحلته الأولى، طموح الريف للتحرر والمساواة، التي كانت تعني الحصول على الملكية، لكنه عِبْرَ حكم “بونابرتي” (إذا ما حاولنا التشبيه)، أي حكم الفرد المطلق، تشكلت طبقة جديدة من خلال نهب الدولة ومشاريعها الاقتصادية. وبالتالي، موضوعياً كان حكم الأسد الاستبدادي هو الشكل المناسب لهذا التحوّل، الذي لم يقُدْ كما فعل برنابرت إلى تطور صناعي سريع، بل إلى نهب الثروة التي وقعت بيد الدولة، وتشكّل “رجال أعمال جدد” أصبحوا يسيطرون على الاقتصاد ويتحكمون بمسار السلطة.

هنا دور “العلويين” وحجم الثروة التي حصلت عليها فئة منهم هو نتاج سحق تاريخي طويل، ورد فعل على نهب شديد تعرضوا له. هذا ما أوصل فئات منهم إلى السلطة، وما جعل فئات أخرى تنهب لكي تترسمل، لكي توازن رأسمالية قديمة نهبت المجتمع، هي تلك التي يشار إلى أنها “سنية”. لقد كانت تجربة الريف الذي أراد التحرر فتخلص من الإقطاع، لكن طموحاته بالترقي الطبقي جعلت فئة منه هي التي تحقق ذلك عبر هيمنتها على الدولة. ولتحقيق ذلك جرى استخدام كل ما يساعد على ذلك، فهيمنة ضابط علوي كان يفرض أن تستفيد فئة “علوية” من ذلك ارتباطاً بالبيئة وليس بالطائفة، لهذا من استفاد من السلطة هي فئة قليلة، وبقي الريف العلوي مهمشاً ومفقراً. وهنا يظهر أنه حتى في إطار الاستفادة لم يكن الأمر طائفياً بل تعلق بالبيئة والثقة لرجل بطريركي التفكير حكم سورية عقوداً وأورثها لابنه.

النظام كان نظام فرد يحكم بشكل مطلق، ويلخص الدولة به. هذا هو ملخص طبيعة السلطة. طبعاً لا بد من التوضيح أخيراً أن المنظور البطريركي يتناقض مع المنظور الطائفي، بالضبط لأنه يحصر السلطة بالفرد، والنظام بالوراثة، بينما يفرض المنظور الطائفي حكم القوة التي تدعي تمثيل الطائفة. ولا شك في أن مسافة تفصل بين المنظورين، لأن الأول يتعلق بوعي موروث بطريركي يقيم السلطة على أساس حكم الفرد، والثاني يفرض حكم قوة تدعي تمثيل الطائفة والتعبير عن أيديولوجيتها.

ليست أيديولوجية “الطائفة العلوية” هي التي تحكم النظام، ولا يتصرف النظام انطلاقاً منها، بل أن ما حكمها هو منظور بطريركي تخفت تحته مصالح فئات ريفية، علوية الطابع نتيجة السحق التاريخي والتهميش الذي عانى منه الريف العلوي، وبالتالي انخراط فئات أوسع منه في الجيش، الجيش الذي كان مدخل تغيير الفلاحين الذين كانوا يعيشون حالة سحق وفقر شديدين في ظل نظام إقطاعي. ونتيجة الثقل في الجيش سيطرت هذه الفئة “العلوية”، التي كان همها كيف “ترتقي طبقياً” عبر نهب الدولة. وكان طبيعياً نتيجة هذه الخلفية أن تعتمد أكثر على فئات من المنطقة ذاتها ككل منظور ريفي يقوم على الثقة “المناطقية” (البيئة). وهذا ما جعل “البنية الصلبة” تتأسس من هذه المنطقة، أو بالأدق بجزء من هذه المنطقة، نتيجة الصراعات داخلها (كما أشرنا قبلاً). وهدف ذلك هو تكريس سلطة قوية و”مطلقة”، تسمح بسيطرة فئات منها، بحيث تتحوّل عبر نهب الدولة إلى “رجال أعمال جدد”، ليبراليين ومافياويين، همهم هو مراكمة الثروة وليس “الحفاظ على الطائفة”، رغم استغلال جزء من الطائفة عبر تحويلها إلى أداة قهر المجتمع، دون أن يعني ذلك أنها الوحيدة في هذا، حيث تشكل الجيش وتشكلت الأجهزة الأمنية من فئات من كل المجتمع، والتمركز الوحيد لـ “العلويين” كان في “القيادة”.

بالتالي هنا نلمس استغلال فئات من الطائفة من أجل السيطرة ونهب الدولة، ومن ثم احتكار الثروة ونهبها، لتنشأ طبقة جديدة تستغل كل المجتمع بما في ذلك العلويين، وتتواصل مع الرأسمال الخليجي والإمبريالي. وكان يجري استغلال تلك الفئات من الطائفة عبر إعطائها بعض الامتيازات، مثل التوظيف أو الترقي في الوظيفة. لكنها أيضاً كانت تستغل الدعاية التي كانت تعتبر أن السلطة طائفية من أجل تخويفها وإلحاقها بها حتى دون تقديم أي مصالح. المشكلة هنا تتمثل في ان هذا الامتياز الذي حصلت عليه فئة من العلويين (بفعل علاقات القرابة والمناطقية)، وبالتالي ارتباطها بالسلطة، أصبحت تعمم على مجمل العلويين، واعتبار أنهم ملحقون بالسلطة. وهذا بالتحديد ما كانت تستغله السلطة لإلحاقهم بها عبر التخويف الذي ينتج عن الخطاب المضاد.

رغم ذلك، ظلت المنطقة العلوية هي الأفقر في سورية، حيث البطالة والتهميش والفقر، وحتى لهؤلاء الذين وظفوا في الأجهزة الأمنية وأجهزة الدولة. لقد تشكلت رأسمالية “علوية” تمايزت عنهم، وتحالفت مع الرأسمالية التقليدية (الشامية الحلبية خصوصاً)، ومدت علاقاتها خارجياً. وبالتالي باتوا هم ككل الطبقات الشعبية مفقرين ومهمشين، ويعانون من نهب الرأسمالية المافياوية الحاكمة. لكن ما كان “يربط” بين هؤلاء والسلطة هو، ليس الأيديولوجية التي هي غير موجودة، بل الخوف من طرف يشك بوضعيتهم، ويشكك في ارتباطهم بالسلطة باعتبار أنها سلطتهم. فحين يُطرح الصراع كصراع مع “سلطة علوية” يصبح كل علوي متهم. هذا ما أنتجه “الوعي السني”، ربما الخفي، لدى النخب، والمعلن لدى مجموعات أصولية (جماعة الإخوان وغيرها). وحين يصبح الهدف هو أن يحكم “السنّة” بدل العلويين، ينفرض على هؤلاء التمسك بالسلطة خشية من سلطة “سنيّة” (أصولية بالطبع) تهدف إلى الاقتصاص منهم انطلاقاً من تحميلهم جرائم النظام سنوات 1980/ 1982. وهو الخطاب الذي سرّبته السلطة بعد الثورة، وحين تسعى لتخويف هؤلاء كي ينخرطوا في مشروعها الوحشي ضد الشعب.

لهذا حين بدأت الثورة كان هناك عمل مزدوج من أجل “أسلمة الثورة”؛ النظام الذي كان يريد تخويف العلويين عبر اعتبار أن ما يجري هو رد إخواني وأصولي على أحداث سنة 1980/ 1982، وبالتالي فالحراك سلفي إخواني، والإخوان ودول إقليمية (السعودية وقطر) أرادوا أن تكون الثورة “سنية”. حيث عمل كل هؤلاء على تحويل الثورة من ثورة طبقات مفقرة وشعب يريد الحرية إلى تصادم “ثقافي”، أي كصراع “ديني”، طائفي. النظام لعب على مسألة تخويف العلويين، والآخرون أسهموا في ذلك انطلاقاً من مصالح خاصة بكل منهم. والتركيز على طائفية النظام أتى في هذا السياق، أي لتبرير طائفية قائمة، أو لتأسيس طائفية تفشل الثورة. لهذا، كلما كانت القوى الأصولية يتزايد دورها بدعم إقليمي، كلما كان توصيف السلطة ينزاح من كونه نظاما استبداديا إلى كونه نظاما طائفيا. وكأن اللاوعي كان يدفع لتغطية هذا الانتشار الكبير للأصولية في الثورة السورية. في الوقت الذي كان النظام يستخدم هذا التضخّم لتخويف أكثر للعلويين، بعد أن بات خطابه المخترع حول المجموعات السلفية حقيقة قائمة.

وإذا كان عنف السلطة الوحشي، والضخ الإعلامي باتجاه الأسلمة، ودخول الأموال، قد دفع فئات شعبية إلى التأسلم، وانتماء بعضها إلى جبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام، فإن التخويف عبر الضخ الإعلامي من قبل السلطة، ومن ثم نشوء المجموعات الأصولية قد دفع فئات شعبية علوية إلى الالتصاق بالسلطة. وهنا يظهر خطر الضخ الإعلامي، والعنف والتخويف، والمال، العناصر التي فرضت تشكّل الوضع الحالي. وبالتالي فإن التفاف “العلويين” حول السلطة هو نتاج فعلين مترابطين، وإنْ كانا يبدوان متناقضين، وهو الفعل الذي “أسلم” جزءا كبيرا من الثورة، فشلّ قدرتها، وقوّى تماسك السلطة لفترة من الزمن.

إذن، الفرز الحالي هو ليس نتيجة انقسام مسبق، بين أغلبية سنية وأقلية علوية، بل هو نتاج فعل متعدد، نجح لأن الشعب افتقد لأحزاب تستطيع تنظيم نشاطه، وتحديد مساراته، وتحديد الخطاب الذي يوحّد كل الطبقات الشعبية المفقرة، ويضع الأهداف التي تسعى الثورة لتحقيقها. حيث قاتلت الفئات المفقرة، التي كان الاستبداد وانهيار التعليم وغياب الثقافة، قد جعلها تنطلق من “وعيها التقليدي”، وحيث دفع عنف ووحشية النظام إلى استثارة ما هو غريزي لديها. وبهذا أصبحت التأثيرات المتعددة ممكنة. وفرض الانقسام الذي يخدم تماسك السلطة، وشلّ مقدرة الثورة على الانتصار.

ولقد لعب الخطاب الليبرالي، والخطاب الأصولي لدى أطراف المعارضة، دوراً في تشويش مطالب الشعب، ووضع البرنامج الموحد لكل الطبقات الشعبية، أي البرنامج الذي يتعلق بمعيشتها (وهذا ما تشترك به بغض النظر عن طائفتها)، والذي يدعو لحريتها. وكان واضحاً إصرار الطرفين (الليبرالي والأصولي) على رفض هذا البرنامج لمصلحة برنامج ليبرالي ديمقراطي، أو لمصلحة برنامج أصولي.

كان النظام يلعب بالطوائف والأديان لأنه كان يبحث عن استقراره واستمراريته “إلى الأبد”، ولقد دمَّر التعليم من أجل تكريس وعي “تقليدي” وجهل كامل، يمكن التأثير فيه عبر “رجال الدين”. وكانت معركته مع كل مخالف له بغض النظر عن دينه أو طائفته، لأنه كان معنياً باستمرار سلطته وتوريثها. وعمل على تدمير السياسة والثقافة عموماً لكي يسهل التأثير على “البسطاء” بما يسهّل إخضاعهم. وهو هنا لم يكن يميّز بين فرد وآخر نتيجة الانتماء الطائفي والديني. وكان كل ذلك هو البيئة التي اشتغل عليها بعد انطلاق الثورة، حيث دفع بوحشيته إلى استثارة الغرائز، وإطلاق “الوعي التقليدي” لدى كل الطوائف. نجح بمساعدة بعض أطراف المعارضة ودول إقليمية ودولية. وهو الأمر الذي أسس للانقسام القائم.

المفجع أن النخب دافعت عن هذا الانقسام، ووقفت مع منظور طائفي ضد آخر، وأصبحت ترى الصراع من هذا المنظور. لقد عادت قروسطية، تنطلق من انتماء ماضوي لم يعد هو أساس رؤية الصراعات وفهم الواقع، وهو مضاد للحداثة والمادية. ليبدو أنها تخضع لـ “التيار”، التيار الذي يسود في لحظة من اللحظات، ربما كما كانت دائماً.







اخر الافلام

.. الليلة | الإعاقة لا تلغي الطاقة.. مقولة تختصر إرادة إسلام مد


.. سوريا.. واشنطن وموسكو تستبعدان الحل العسكري


.. بث مباشر.. وصول الحريري الى بيروت




.. جولة جديدة للحوار الفلسطيني في القاهرة


.. القمة الثلاثية في سوتشي.. ومستقبل سوريا