الحوار المتمدن - موبايل



الساحة والزمن المفقود..

عبد الغني سهاد

2016 / 9 / 12
الادب والفن



الساحة والزمن المفقود...

تخيل هذه الساحة خالية من الزمن ..ليس فيها سوى الصور ..ستراها تافهة ...كانك.طفلة صغيرة تطل من شرفة ما عليها... ترطب شعرها المنسدل كالليل البهيم ..ثياب نومها فضفاضة ..تمص شفتاها ..وهي مدهوشة كانها ترى للمرة الاولى هذا المحيط ..ورجل في مكتبته الهادئة حاملا صورة امرأة وثمة نظرة استياء على وجهه ..اشعة الشمس تتساقط .. تتغلغل في ثيابه المبللة قربه يفترش الارض فتى يافع يحملق في كوة فارغة يخفق قلبه كانه على خشبة مسرح مكتض بالمهرجين والافاكين والمنافقين...ووو.اثار حوافر الاكباش على التراب الممزوج بالرمل ....وصومعة عالية منتصبة بلا حديد ولا اسمنت تراقب عن قرب ضجيج الساحة ..اضواء باهتة في المسافة مابينها وبين ذلك الشيخ .. كمثل نجوم صغيرة في السماء السوداء تتاهب لتغادر ..تفاهات واشياء رخيصة معروضة على الارض طواقم اسنان قديمة ليست للديناصورات بل لناس عبروا الساحة الى اماكن لاعلم بها للناس .اقنهة سوداء من خشب .عكازات ملونة يصعدون بها الى الحافة بالجبل القريب .شاشيات كناوة وطرابيش جلدية واقراط فضية ونحاسية..سيوف وبنادق وخناجر لا تاريخية.,,تنتظر قدوم افواج السياح ...هناك في الساحة ستجد امراة تلبد في الدغل ..تنظر قرب دويرية خالية كانت لزوجها اللامبالي ستبحث عنه وتتحدث اليه ..مطر خفيف في يوم خريفي يهطل على اسمال شيخ في عقده السابع .....هو في الساحة لا يعرف احد ..ولا احد يعرفه ..من اين اتى ...ومتى اتي الى هنا ..؟.هل سقط من السماء رماه السحاب المتحرك فوق الساحة...ام نبع من قاع الارض.؟..يتحدث للناس المحتشدة. حوله .لكنه لا يفهمهم ولا يدرك احاسيسهم الدفينة .وللكنه يتابع الحديث بحماس ..هم ينظرون اليه ولايسمعون...تتعثر حياته في شظايا الحكايات المنمقة وتنساها شظايا البشر..
لا افضي سرا ان لمحت ان حياته تنقسم الى حوادث مسرعة تشهدها قلة من الناس مرت في الساحة ..تعود على الجلوس قرب اسماله على وسادة وسخة فوق قصعة قمماش من قطن قديم وبيده عصا طويلة يلوح بها من حين لاخر مكشرا في سماء الساحة...كان يصغي الى دقات الطبول المتدفقة في الجهات..الاربعة..اصوات الجلاجل..تتناغم مع اهتزازات قامات رجال وصبيان سود تغني وترقص في دائرة كبيرة يرتدي قشابات خضراء واسعة ..كل هذه الضوضاء تمنع وصول صوته الى الاوباش ..ويتساءل ان كان صوته قد وجد فعلا في الساحة ...؟
ان كان سيصل الى تلك الظلال التي ترى ولا تسمع ..الى اي شيء قد تواجد خارج ذهنه ..هل تحتفظ اجواء الساحة بهول التصفيق الذي عانقته به الحشود عند اول لقاء ..اول لحظة عند الانتهاء من الحكاية ...اين تلك الاصوات الان ؟اين هي تلك الظلال القديمة المروعة ...يجلس عند الشروق والغروب في المكان نفسه يغمره الضوء الاصفر الباهت ..ماذا حدث.؟.الساحة فارغة من البشر ..كائنات تتحرك باقنعة ووجوه لاتشبه وجوه البشر يحملون معهم علب ملونة يشع منها النور الملون يوجهونها الى كل الاشياء التي تتحؤك في الساحة ...الى القرد العجوز الذي غدا بطلا في الساحة العاشق للفول القادم من السودان ..يلتقطون معه الصور و الفديوهات القصيرة والطويلة ..ووهو يصكك اسنانه يتظاهر بالضحك ..ومولاه يجمع الاوراق النقدية من الاجانب ..رقصات الروايس وهمهمات الامازيغ ومواويلهم.وصوت الربابة التي كانت تهز كيان الاوباش تدحرجت على التراب ..تناثرت اوثارها ..حتى الفراغ تبدلت نكهته والضوء خفت وطئته على الظلال المتحركة ..رصد المكان واحتواء الوقت صعب حتى على مؤرخ عظيم ..تشابه الشروق مع الغروب في المكان ..وتطابقت الفصول ..هل لا زالت تلك الفصول تحترم بعضها ؟
مظاهر الناس تخدع الرؤية..علو الصومعة اصبح مشكوكا فيه..الاسمنت والحديد يغزو الساحة ..يغزو المكان . الحوانيت ...الاكشاك ..عربات الخيل ..الكوتشي تحسب على رؤوس الاصابع ..في طريقها الى الغياب ..الهريات والمنازل القديمة عل جنبات الساحة تحولت الى فنادق تجلب السياح ..حتى ذلك الهمس الخفيف لبائعات العطور والذهب و الطاقيات وو الخبز غابت عن اجواء الساحة ..حتى قبل يوم الانفجار ..في تلك المقهى الباذخة ..التي كانت فيما مضى من الزمن مربطا لمدخني الكيف والحشية ومهبطا لنزول الفن الشعر والموسيقى. ..تعبق اليوم الساحة بروائح الشواء والنقانق والسمك المقلي في الزيت واصناف الماكولات الغالية ..والرخيصة كالبطاطيس المسلوقة مع بيض الدجاج الرومي ..والحلزون ..عاد الحلزون والحمص المصلوق في الملح والثوابل الى احتلال ابواب الساحة ..ومعهم مشروب الجنزبيل ..مفعولهما الجنسي قوي ..وكذلك المعجون البلدي ..يغرقونه في جوزة الطيب ..واعشاب اخرى تزيد من طفح القدرة على ممارسة التهريج والجنس ..النقاشات بجلابييهن السوداء ..ينقشن عند الشروق ..وعند الغروب يمارسن الجنس مع الاجانب .. يمتهن القوادة....لصديقات لهن في الحانات القريبة ..على هامش الساحة ...
ينفتح باب الفندق الشعبي ويغلق لتوه هذا الصباح ..لا يزال حارسه الرجل البربري الذي نزل لتوه من الجبل ...يتذكر يوم الانفجار ..من وراء الباب العالي يصلنا نباح كلب سمين .تعرف اصوات الكلاب العظيمة من رنة نباحها ..صوتها تخين رخو وطويل ..هووووو..وليس .عاو ...عاو..كان الكلب يشير الى شيء محدد و معروف لكلاب الساحات العظيمة .. هذاالكلب العظيم ينبح عادة من وراء الابواب الكبرى ..وهو بذلك يزرع الرهبة في قلوب الناس من بعيد..من بعيد يغيرون اتجاهاتهم..
اذا ما شوهدت هذه الاشياء بعيون اخرى في زمن اخر ..حتما ستكون مغايرة تماما جميلة او مرعبة او مسلية لا يهم ..سيقول احدهم ان الكلب وديع ومؤدب ...ولا يقوم الا بمسؤولياته في حماية زبناء الفندق من الارهابيين ..والقتلة واللصوص والمجرمين الذين احتلوا الساحة ...لكن الشيخ لايهتم لمثل هذه التبريرات ...تهمه نهاية الحكاية ..ويبدو ان الحكاية تستعصي على الانتهاء كون الزمن عند الشيخ قد وصل حده...او انه توقف لبعض الوقت ...الشيخ لا يزال وحيدا في الساحة ..يدور على مركز نفسه ..يتنظر قدوم ناس جدد ..او نفس الناس بوجوه وتمثلات جديدة..لعله يوجد منهم من يمتلك نهاية حكايته ..لكن الساحة لا تزال تحت السيطرة .سيطرة من ....؟.سيطرة القرد..في الظاهر...و سيطرة الخوف من الكلب الخفي من جهة اخرى خفية .........
في لحظة ما ( يقول المعلم ولد عيشة ... في لحظة معينة ) افضل عنه هذه ...ما ..في لحظة ...ما ..تندفع كرة سوداء كالفحم الحجري يقذفها طفل ..(وهذا الطفل ليس انا ) استيقظ مبكرا ذلك الصباح..قذفها من مكان ما ...قد يكون من شرفة مطعم ..او سطح بيت قديم ..او من وراء حلقة اوباش او من قسم مدرسة .....قدف الطفل الكرة السوداء كرصاصة ...كلغم ..او قنبلة ..ارتطمت بالارض وبحرارة الوقت ...فوقع الانفجار العظيم ( البوووووم ..)..كانت.الحشود ..والناس ..والاوباش ,,واللصوص ..والعسس ..يجرون في كل اتجاه .تتساقط الظلال وتتهاوي القامات على الارض .لا احد يعرف كم عدد المدهوسين ..والمصعوقين ...والمختنقين ..والمكسرة ضلوعم ....في الجانب الاهم الذي سقطت في الكرة السوداء ...كان يقف الشيخ لا يبالي .. لا زال يجمع فتاته ..يغازل امراة جميلة جديدة في فن النقش بالحناء ...كان يغريها بالمبيت عنده لليلة واحدة ...واحدة ,,,.لكن الانفجار يفسد كل الاشياء الجميلة ..فتتسع دائرة الشك عنده وتضيق هوامش اليقين ..تبدأ الحشود تتجمع والعسس يطوف بالساحة يجمع رفات الجثث الممزوجة بالمسامير لا احد كان يعرف ان الكرة السوداء كانت محشوة بالكراهية التي اخدت شكل مسامير حادة ..مزقت كل شيء ..سرعان ما تبدا الحشود في التجمع ..تتسلق عتبة النسيان وتندمج في الفرجة على.... القرد من جديد ...يوما ما ...ما سيتكلم القرد ويحكي فصول الحكاية بلغة جديدة ليست هي لغة الناس ...لكن من سيسمعه ...لا احد يسمع في الساحة ...يحملقون ..يرون الاشياء ولا احد يسمع منهم..اويتكلم ..يمارسون الضحك ...الضحك ..والرؤية ...
الى المطاعم الشعبية ..تاتي افواج السياح ..تظهر وهي قادمة تقترب من بعيد ..تلف بعيدا عن شظايا الانفجار ..تلف بالشيخ وهو لا يزال في دورته حول نفسه ..حزينا على ضياع الفرصة امام عينيه ..يلوح الى السماء بعصاه يهددها بقدوم الاسوء .. بانه سينتقم من الجميع يوما ما .يلوح الى سحابة تتحرك في الاعلى لا تكاد ترى ..تتصاعد الاصوات وتتداخل وتتكور السحابات الصاعدة في سماء الساحة ..دخان الفحم ..وروائح الشحم واللحم ..وروائح الثوابل الشرقية والعطور والحناء ...كرنفال عام في الخواء المطلق ..غابت تلك الصيحة التي افقدت كانتي الياس لبه ودفعته الى تكرار العبور في زحمة الناس ..كومة بشر تقل قليلا عن العدم ..عن الهباء ..افواج ..من الناس اهالي ودخلاء تطارد بعضها في الزحام ..تتجول ..بمهل تتوقف للتحدث مع بعضها ...تم تلتقط الصور بتلك العلب الملونة..للراقصات والثعابين والقرد العجوز
والشيخ والمراة التي تكشف على الورق..وتتطلع على اقدار الناس والباغيات والغلمان بجوانب الساحة ..الكل من جهته يتتبع فصول الحكاية اليومية..
والمجانين منبسطين في المقاهي على حصائر قديمة يعشعش اسافلها البق والبعوض ..ويغزو ثيابهم القديمة فيالق القمل والكشاد..يرتشفون الشاي ..يتجادلون عن تاريخ الساحة ومستقبلها التليد..يقلبون وجوه المؤامرة ..؟ينظرون لبعضهم البعض بعيون نصف مغمضة يدخنون الكيف مع الحشيشة ..يدندنون كلاما فارغا لام كلثوم ..الاولى في الغرام ..والثانية في الجنس ..والثالثة في المأساة ..ينشرون على الارض تلك الاشياء التي انتشلها اللصوص من جيوب الالمان والامريكان والطاليان ...لم يكن لهم اي احساسا بالوقت ..يبحثون في الوجوه الغريبة عن ممثلي الاذاعات والقنوات الدولية.. لتسجيل كلام فارغ يحسبونه شعرفي مجد الساحة ..يتطلعون الى اعادة الاعتبار لحكايات الف ليلة وليلة .في عصر النت ...وقصص دي يزن العظيمة مع الانس والجان ..والشمس الخجولة تنزوي وراء الصومعة ,,,والصومعة تتعالى في حياء من التاريخ.و كانها ترى ما لا يراه هؤلاء المجانين ...محتشمة هي شمس الشرق دائما ..تحن الى الزمن المفقود..واسراب الحمام تحف بها تحوم حولها .تشاركها الماساة ..والشيخ لا يزال يدير اذنه لسماع الصمت ...ويدور حول نفسه ...يتحسس توقف الزمن ..يشعر بالعجز التام عن اتمام حكايته..الكلام يتطلب الجرأة في الساحة مع تعاقب الحروف المنظومة بعبق الروح بنفحات السلم والتسامح عبر كل الازمنة ..وحده الشيخ يعرف ان مجد الساحة بني على هياكل القتل والدبح وتمليح الرؤوس ..وما الضجيج والغناء والموسيقى والرقص سوى وجوه لاخفاء اسرار التاريخ السري للساحة ..هل كان وحده يلم بحقيقة الساحات ....؟
وحده القرد العجوز الذي يسترزق فيها سيتكلم يوما عن حقيقتها ,يعطي دروسا في التاريخ ,ستتبعه حشود الناس والاجانب لاجل تخريب الكرنفال العام بطرق مدنية سلمية لا يتقنها سوى القردة الاحرار ...سيدخل الزعيم السجن ...ويعدم الرمز لكونه لا يعرف كتم الاسرار ..ولانه سيخون الوطن ...ويشتغل في الخفاء لانهاء تاريخ الساحة السعيد. في اعتباره هي ليست سوى وصمة عار وذل في جبين المدينة ..

مساءات مراكسية ..
03-08-2012







اخر الافلام

.. ابطال فيلم الشيخ جاكسون يحتفلون بعرضه بمهرجان الجونة


.. حفل إفتتاح مهرجان الجونة السينمائي


.. مهرجان الجونة السينمائي - كلمة من أبرز نجوم مصر للزعيم عادل




.. مهرجان الجونة السينمائي - كلمة الزعيم عادل أمام اثناء تكريمه


.. مهرجان الجونة السينمائي - كلمة النجم العالمي -مايكل مادسن- ف