الحوار المتمدن - موبايل



اليسار الممانع والثورات العربية وفقه النكاية السياسي

سلامة كيلة

2016 / 10 / 4
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



ليس الانقسام في صفوف اليسار حول الثورات العربية، وخصوصاً وأساساً حول الثورة السورية، عابراً، ولا يشير إلى خطأ، بل هو نتاج وعيٍ تراكم خلال عقود طويلة، عبّر عن "شلفٍ" فكري (كما كان يقول ياسين الحافظ) انبنى على قراءةٍ سطحية للماركسية، وتبنٍ نصيٍّ لها، متأثراً بما كانت تنتجه الماكينة الأيديولوجية السوفيتية من "ماركسية رثة"، وأيضاً عن توضع قطاعٍ كبير منه في فئات وسطى، وتعبيره عنها، كنتيجةٍ حتمية لتلك "الماركسية".

فاليسار العالمي عموماً كان قد تراجع وتهمّش، وبات يمثل تجمعات صغيرة منذ أمدٍ طويل، بعد أن انثلم مشروعه القائم على تجاوز الرأسمالية، وتكيفَ مع وجود هذه الرأسمالية كحقيقةٍ لا يمكن تجاوزها، وبعد أن كان قد تكيّف مع السياسة السوفيتية القائمة على "القبول بما هو قائم"، أي القبول بالوجود الرأسمالي الإمبريالي بعد إقرار سياسة "التعايش السلمي". وباتت إصلاحيةً "أكثر مما يجب"، وليبراليةً ساذجة، رغم أنها ظلت تتغنى بخطاب "معاداة الإمبريالية"، أو كانت تتغلف بهذا الخطاب.

لهذا كان من الطبيعي أن تُحدث ثورات كبيرة، لم يكن يعتقد أنها سوف تحدث، بعد أن بات إصلاحياً ويميل الى تأكيد "التطور السلمي" للرأسمالية، شرخاً كبيراً فيه، وأن يتوه في تحديد ما يجري. ومن ثم أن تُظهر هذه الثورات إفلاسه.

فقد أظهرت المواقف من الثورات تشوّه المنظور المنهجي، وغياب التحليل الطبقي، وسوء فهم معنى الإمبريالية نتيجة هيمنة "الفهم السياسي". أي أنه يُظهر غياب الماركسية عن تحليل الكثير من أحزاب ونخب هذا اليسار، وانطلاقها من تشوّهٍ فكري أو عن منظور شكلي كتعبير عن مصالح فئات وسطى. وهذا ما جعله رجعياً في الواقع، بحيث بات يدافع عن نظم رأسمالية مافياوية، ويتخذ مواقف متوافقة مع مواقف دول إمبريالية، ليس روسيا فقط بل أميركا كذلك، وأن يدعم طرفاً إمبريالياً ضد آخر، رغم شكلية التناقض بين هاتين الإمبرياليتين. وفي كل الأحوال بات ضد الشعوب التي تريد التغيير ومواجهة الطغم الرأسمالية. بات ضد طموح الشعوب للتحرر والتطور.

التناقض مع هؤلاء ينبع من ذلك، ولقد أشرت مراراَ لسوء فهم وضع الإمبريالية، سواء بمعنى الإمبريالية أو بتحديد الموقف منها، كما أشرت إلى طغيان "التحليل السياسي"، أو حتى الموقف السياسي، وليس التحليل الطبقي، بما يُخلّ بكل منظور ماركسي. وسيظهر ذلك في تناول المنظور الذي يحكم هؤلاء، حيث أن السؤال الأساس هو: هل نبدأ من العلاقة أو من الوجود؟ أي من طبيعة الصراعات والتوضعات العالمية، أو من تحديد ماهية كل طرف قبل البحث في طبيعة العلاقات والصراعات؟ اليسار الممانع ينطلق من العلاقات، ومن التحديد الشكلي لـ "التناقض الرئيسي" و"الحلقة المركزية"، لهذا يتقلب في مواقفه كما شرحت ذلك قبلاً. وفي هذه الوضعية تصبح الدول والقوى "إيجابية" أو "سلبية" وفق "الأولوية" التي يجري تحديدها "رغائبياً" أو ذاتياً. رغم أنه يعتقد بأن "أولويته" و"حلقته المركزية" هي الإمبريالية الأميركية، التي تبدو كـ "شيطان" وليس كدولة تمثل مصالح، وتنحكم لطغم مالية متشابكة ومتصارعة عالمياً. وهو المنطق الذي يؤسس لتقسيم العالم على مبدأ: خير/ شر، أي المبدأ "الأخلاقي" الذي يحتمل الكثير من الذاتية.

وفق ذلك كانت إيران عدوة لأنها دعمت الاحتلال الأميركي وأسهمت في قتل العلماء والطيارين العراقيين، واستثارة الصراع الطائفي في العراق. لكنها باتت معاديةً لأميركا وثوريةً ومقاومة بعد أن دعمت النظام السوري في صراعه مع الشعب. حيث أن النظام "ممانع" و"يدعم المقاومة"، بعد أن بات هذا هو الأساس الذي يفرض تحديد "الحلفاء". كذلك الموقف من الإسلام السياسي (وحتى من بن لادن)، حيث كان معادياً لأميركا، وبات يمثل "حركة تحرير فلسطينية"، ويواجه النظم التابعة. لكنه بات "أداةً أميركية" بعد أن وقفَ ضد النظام السوري. أما تركيا فكانت أساس محور الممانعة وهي تصطدم مع الدولة الصهيونية سنة 2009، وباتت "أداة أميركية" بعد أن وقفت ضد النظام السوري. بمعنى أن الإسلام السياسي كان ثورياً وبات رجعياً وأداةً، رغم أنه هو ذاته لم يتغيّر. ونظام إيران هو ذاته لم يتغيّر، رغم تقلّب الموقف منه.

إذن، في تحديد الماهيات إشكالية، وكذلك في تحديد المواقف. حيث تطغى العلاقة على الماهية التي تخص الوجود. وفي الماركسية فإن الاقتصاد والتحليل الطبقي هو أساس تحديد البُنى والعلاقات، لأن ذلك هو ما يسمح بتحديد الماهية، والبدء من الوجود. هذا هو التحليل المادي في الماركسية، وغير ذلك يعبّر عن تصور مثالي، وبالتالي غير ماركسي. لهذا يصبح السؤال: ما هو التحديد الاقتصادي الطبقي لأميركا وروسيا، أي للإمبريالية؟ وكيف يسيطر الاقتصاد الرأسمالي ويفرض تبعية الأطراف؟ وليس تناولَ مسائل الاحتلال والتدخل السياسي الإمبريالي فقط لتحديد الموقف منها. هذا هو أساس التحليل "الموضوعي" للدول والقوى قبل تحديد المواقف، حيث يجب تحديد الماهيات قبل تحديد المواقف على ضوء العلاقات. هذه مسألةٌ تاليةٌ في التحليل، وتخضع للمسألة الأساس، أي تحديد البنى (الماهيات، الوجود). بالتالي ليس كل "تناقض" يفرض أن نكون مع طرفٍ ضدَّ آخر حين تتشابه البنى، ولا أن نقلب المنطق فتكون العلاقة هي أساس تحديد البنى. فالبنى هي التي توضح العلاقة، وهي التي تفرض تحديد المواقف في كل الأحوال، بالضبط لأنها تضع الأساس المادي لهذه العلاقات فتكشف سببها.

بالتالي، فإن "الخطوة الأولى" تتمثل في تحديد طبيعة الاقتصاد العالمي، والطابع الطبقي المهيمن في النظام الرأسمالي. ومن ثم تحديد طبيعة الاقتصاد "الوطني"، والطابع الطبقي للنظم المسيطرة. طبعاً دون زجّ المنازع الذاتية أو المواقف المسبقة، لأن ذلك وحده هو ما يجعل التحليل موضوعياً. وعلى ضوئه يمكن تحديد المواقف من مختلف النظم والقوى، وليس نتيجة تحديد "التناقض" مع طرف، ودعم طرفٍ آخر يتناقض أو يختلف معه. حيث أن التحليل الموضوعي يمكن أن يوصل الى رفض طرفي الصراع، بالضبط لأنهما يتصارعان انطلاقاً من المصالح ذاتها. ما فعله لينين في الحرب العالمية ألأولى هو أنه انطلق من تحديد الدول المتصارعة على أنها تمثل الرأسماليات "القومية"، ولم يجد في صراعها سوى تنافس على تقاسم العالم، وبالتالي وقف ضدها جميعاً، وتوصل الى "إفلاس الأممية الثانية"، بالضبط لأن كل حزبٍ اشتراكي ديمقراطي فيها وقف مع برجوازيته تحت حجة "الدفاع عن الوطن". وطرح كيفية الاستفادة من الصراع بينها من أجل الثورة عليها جميعاً.

لهذا، قبل أن نحدد مواقفنا من هذه الدولة أو تلك يجب أن نحدد طابعها الطبقي، وهو الأساس في تفسير مواقفها، وفهم أسباب تناقضها. ولسنا معنيين هنا أن نكون مع دولة ضد أخرى ما دامت كلها تمثّل الرأسمالية. فأميركا وأوروبا واليابان، لكن أيضاً روسيا والصين، هي دول إمبريالية، تتنافس فيما بينها من أجل السيطرة. وإلا كنا نخضع للمنطق الصوري الذي يلزم أن نكون مع طرفٍ ضد آخر بشكل حتمي، عكس الجدل المادي الذي يفتح على فهم تعدد التناقضات وتشابكها، وبالتالي لا يلزم بحتمية الوقوف مع طرف ضد آخر، نتيجة أولوية التحديد الطبقي على السياسي. فاليسار الحقيقي يجب أن يكون ضد كل الإمبرياليات، كل الدول الرأسمالية، مهما كان الخلاف بينها، أو الصراع الذي يغذيه التنافس على السيطرة والاستحواذ على الأسواق. في هذا الصراع ليس هناك رأسمالية إمبريالية وأخرى "تحررية" (استقلالية)، بل هناك صراع إمبرياليات، لأنه ليس من الممكن أن تكون الرأسمالية في المراكز سوى إمبريالية، وإن وهم "الميل الاستقلالي" لدى برجوازيةٍ تتجلى في "الخروج عن قانون القيمة المعولمة"، أو ترفض "الإملاءات الأميركية"، ليس أكثر من تشوه أيديولوجي يَحكمُ اليسار. حيث لا زال يحلم بـ "برجوازية وطنية" بعد أن بات النمط الرأسمالي عالمياً، ولم يعد ممكناً لبرجوازية أن تخرج عنه لتكون "وطنية"، خصوصاً بعد أن أصبحت مصالح برجوازية الأطراف في "الاندماج" بالنمط الرأسمالي وليس التناقض معه، لأنها في موقع الأضعف. وإن كل تناقض بين الرأسماليات هو تنافسٌ على السيطرة والنهب.



إن أوهام البرجوازية الوطنية هي نتاجُ تَشرُّب الأيديولوجية السوفيتية التي اندحرت، وبعض تشوهات الماوية التي لا زالت تكرر ما لم يقله ماو تسي تونغ حول "البرجوازية الوطنية"، رغم أن زمنه قد بات من الماضي، خاصةً وأن النمط الرأسمالي لم يعد كما كان، بل أصبح أكثر اندماجاً (أو تحكماً)، وأكثر هيمنة للطغم الإمبريالية، واختلالاً في البنى، بشكلٍ لا يسمح معه بنشوء برجوازية وطنية. وهي كلها أوهام الأممية الثانية التي ظلت تعتقد بأن الرأسمالية تتطور، وأنها وطنية، ولا بد للاشتراكية الديمقراطية أن تدعم تطورها.

لهذا ليس ممكناً أن نكون مع إمبرياليةٍ ضد أخرى، حتى ونحن نكرر كل الأوهام التي يهجس بها اليسار الممانع. هنا يظهر إفلاس اليسار من جديد، بالضبط حين يقف مع إمبريالية (روسية) ضد أخرى (الأميركية)، رغم أن الصراع العالمي ليس كذلك أصلاً، فرغم وجود تنافسٍ بينهما، نجدهما يسعيان للتفاهم والتحالف، بغض النظر عن "النزق الروسي"، وأولوية الميل الأميركي لحصار الصين، وبالتالي التحالف أو تحييد روسيا. ووضع سورية واضحٌ تمام الوضوح في "التناغم" الأميركي الروسي، والتنسيق العملي لتحقيق الهيمنة الروسية.

هذا الأمر يجعل الموقف من الرأسماليات المحلية واضحاً، فهي جزءٌ من المنظومة الإمبريالية، وهي تابعٌ فيها، رغم أن "ضعف أميركا" سمح لها بالمناورة ومحاولة تحسين وضعها، وحتى الاختلاف أحياناً. لكن كل ذلك لا يغيّر من الموقف منها، بالضبط لأنها رأسماليات تابعة. ولا شك في أن تعميم اللبرلة وتدمير "القطاع العام" ونهبه، جعلها جزءاً تابعاً في النظام الإمبريالي العالمي. طبعاً، بغض النظر عن الاختلاف مع هذه الإمبريالية أو تلك، حيث أن طابع الاقتصاد هو الذي يفرض التبعية، ويُنشئ فئات رأسمالية لا تستطيع الاستمرار إلا في العلاقة مع النظام الرأسمالي العالمي، ومن موقع التابع، بالضبط لأنها تنشط في التجارة والخدمات والتهريب والعقارات، وأيضاً الاستيراد وتوظيف المال المنهوب في المراكز الإمبريالية. وكل ذلك ينطبق تماماً على الرأسمالية السورية التي تتحكم بالنظام السوري، أي "رجال الأعمال الجدد"، والمحدَّدة بالعائلة الحاكمة وأقاربها ومحيطها، وهو أحرى بالانطباق أيضاً على البرجوازية القديمة التي هي "قاعدة" السلطة. وهذه سمة لكل رأسماليات الأطراف، حيث تكون العائلة الحاكمة جزءاً أساسياً في الرأسمالية المسيطرة.

إذن، الخلاف مع اليسار الممانع يتمثل في أنه يقف مع طرفٍ إمبريالي ضد آخر، ومع رأسمالية مافياوية ضد أخرى، ويظل يدور في "حلقة الرأسمالية"، لا يجرؤ على تجاوزها، بينما لم يعد استمرار الرأسمالية ممكناً ولا بد من تجاوزها، ولهذا يجب أن نكون ضدها في كل التناقضات فيما بينها، ونستفيد من هذه التناقضات التي تضعفها، لا أن نصطف مع جزءٍ ضد آخر، متوهمين أن هناك "برجوازية وطنية" وأخرى إمبريالية، إنها كلها إمبريالية في المراكز وتابعة في الأطراف.







اخر الافلام

.. الحوثيون يعتقلون متظاهرين في صنعاء يطالبون بدفع رواتبهم المت


.. اشتباكات عنيفة بين الشرطة البرازيلية ومتظاهرين ضد النظام الح


.. هذا الصباح-بلدة كوبية تخوض ثورتها المعلوماتية




.. عقب مقتل 5 متظاهرين...سلطات البحرين تحذر من أي تجمع مخالف لل


.. خالد علي أمام حزب «العيش والحرية» بعد إخلاء سبيله