الحوار المتمدن - موبايل



نقد مقياس القيمة

محمد عادل زكي

2016 / 10 / 16
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(1)
القيمة بالمعنى المجرَّد، هي خصيصة من خصائص الشيء، صفة، تميزه وتحدده. وهي كما الوزن والطول والارتفاع والحجم... إلخ، فإذ ما كان للشيء ثقل معين لاحتوائه مثلاً على قدْر ما من المعدن (مطرقة مثلاً)؛ قلنا أن للشيء وزن، ذو وزن. وإذا كان للشيء بُعد ما بين طرفيه (مثل طريق، أو قطعة نسيج) أو ممتداً في زمنٍ ما (يوم عمل مثلاً)، قلنا أن للشيء طول، ذو طول. وإذ كان للشيء طول عمودي ما من قاعدته إلى رأسه (مثل قاعة المحاضرات) قلنا أن للشيء ارتفاع، ذو ارتفاع. وإذا كان الشيء يشغل حيزاً ما (طاولة مثلاً، أو مقعد)؛ قلنا أن للشيء حجم، ذو حجم. والأمر نفسه بالنسبة للقيمة؛ فالشيء الَّذي يكون نتاج العمل الإنساني، بالتالي يحتوي على قدر أو آخر من (المجهود الإنساني الواعي الهادف) والَّذي يعرف اصطلاحاً بالعمل(1)، أياً ما كانت طبيعته الحقوقية (مستعبَد، أو حُر)، وأياً ما كان شكله التقني (باستخدام أداة، أو باستعمال آلة)، وأياً ما كان نصيبه من اليُسر أو الشدة، نقول فالشيء الَّذي يكون نتاج العمل الإنساني يصبح له قيمة، ذو قيمة.(2)
والقيمة لا تتوقف على قياسها أو تقديرها. بل القول بعكس ذلك لا يعد فحسب خلطاً بين القيمة ومقياس القيمة من جهة، وبين القيمة ومقدارها من جهة أخرى، بل، وبالإضافة إلى هذا الخلط، فإنه لا يصح في العقل أن نقول أن الشيء بلا قيمة لأننا لا نعرف بعد كمية الجهد المبذول في إنتاجه، أو لا نعرف مقدار قيمته. لا يصح ذلك لأن القيمة تثبت للشيء بمجرد احتوائه على هذه الكمية أو تلك من العمل. من الجهد الإنساني. كما يثبت الحجم للشيء بمجرد شغله حيزاً ما. ولا يكون تقدير القيمة إلا في مرحلة ثانية لثبوت القيمة، كما أن تقدير الطول لا يكون إلا تالياً لثبوت خصيصة البعد بين طرفي الشيء، وكذا الأمر بالنسبة للوزن؛ فيتعين أن تثبت خاصية الثقل أولاً كي ننتقل إلى مرحلة التقدير والقياس.
والقيمة، على هذا النحو، لا تثبت بسبب إمكانية قياسها أو تقديرها، بل القياس والتقدير يصيرا ممكنين بسبب تحقق القيمة أولاً في الشيء ذاته. كما أن الطول لا يثبت بسبب إمكانية تقديره، بل التقدير يصبح ممكناً بسبب ثبوت خصيصة الطول. وحينما تثبت الخصيصة المجردة للشيء من الناحية الكيفية (الوزن، والطول، والارتفاع، والحجم، والقيمة،... إلخ) فلا يبقى أمامنا سوى التعرف إلى هذه الخصيصة من الناحية الكمية، باستخدام أداة/آلة القياس المناسبة.
(2)
والمقْياس، لغة ومصطلحاً، هو الآلة أو الأداة الَّتي تقاس بها خصيصة الشيء. فمقياس الوزن، كخصيصة، هو الميزان وليس الثقل أو الوزن نفسه. ووحدة القياس هي الكيلو جرام.
فحينما نقول أن وزن المطرقة 7 كيلو جراماً، فهذا يعني أننا قمنا باستعمال الميزان (كمقياس) واستخدمنا الكيلو جرام (كوحدة قياس). وهكذا الطول؛ فمقياس الطول، وليكن الطول المادي لشيء ما: نسيج، طاولة، عمود الإنارة...، إلخ، هو الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات، وليس البُعد بين طرفي الشيء. ووحدة القياس السنتيمتر. فحينما نقول أن طول القلم 20 سنتيمتراً، فهذا يعني أننا استعملنا الشريط المقسَّم إلى سنتيمترات كمقياس للطول، واستخدمنا السنتيمتر كوحدة قياس.
(3)
بيد أننا نواجه مشكلة بصدد القيمة؛ فالقيمة هي مجهود إنساني متجسد في الناتج. والاقتصاد السياسي يقيس هذا المجهود بالزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا المجهود، وليس بالمجهود المبذول نفسه! وكأن النظرية الَّتي يستند إليها هي نظرية الزمن، وليس العمل، في القيمة. وقد أصبح مستقراً قياس القيمة، تجاوزاً، بعدد ساعات العمل المنفَق في سبيل إنتاج الشيء(3)، كتب ماركس:
"كيف سنقيس مقدار القيمة؟... أن ذلك سيكون بكمية ما تتضمنه من العمل، الذي هو الخالق للقيمة، أما كمية العمل ذاته فتقاس بطول العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاء محددة من الزمن كالساعة واليوم...".(ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، الفصل الأول).(4)
ووفقاً لنص ماركس؛ فحينما نقول أن القلم قيمته 30 دقيقة؛ فهذا يعني أن مجهوداً إنسانياً انفق (خلال) 30 دقيقة من أجل إنتاج القلم، ولا يعني أبداً أن المجهود المبذول مقداره 30 دقيقة. وبالتالي لا تعد القيمة مجهوداً إنسانياً يقاس بما يقاس به المجهود، إنما تعد زمناً تم إنفاقه من أجل إنتاج القلم، أي الوقت الَّذي تم خلاله إنتاج القلم.
وعلى هذا النحو يضعنا الاقتصاد السياسي في أزمة الاختيار بين أمرين: إما الإقرار بأننا نستخدم مقياساً خاطئاً للقيمة؛ لأننا نقيس مقدار الجهد الإنساني المبذول باستعمال وحدة قياس الوقت! كأننا نقيس الطول بالترمومتر! وإما أن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو الخطأ؛ لأنه يقول أن القيمة جهد مبذول، ولكنه يتعامل معها كزمن منفَق!
(4)
وعليه؛ فإن كان فهم الاقتصاد السياسي للقيمة صحيحاً؛ فيتعين أن يتم تصحيح المقياس. أما إذا كان مقياس القيمة صحيحاً فيجب أن يعاد النظر في مفهوم القيمة نفسه؛ لأننا حين نقول أن القيمة هي مجهود إنساني متجسد؛ فيتعين أن نستخدم مقياساً، وبالتالي وحدة قياس، خاصاً بهذا المجهود، أي نستخدم مقياساً يتوافق مع طبيعة الأمر المراد قياسه، وبالتالي حينما نريد معرفة مقدار المجهود المبذول في سبيل إنتاج الرمح أو القلم أو الكوب الزجاجي، فيجب أن نستخدم مقياساً يتوافق مع طبيعة المجهود الإنساني المبذول في سبيل إنتاج هذه الأشياء، وليس مقياس الزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا الجهد؛ إذ يعني قياسنا للجهد بالوقت أن المجهود هو الزمن المنفَق في سبيل إنتاج الشيء! وهذا غير سائغ.
والواقع أن فهم الاقتصاد السياسي للقيمة هو فهم صحيح، استناداً إلى الجذور اللغوية للكلمة الَّتي سوف يستخدمها، كمصطلح، للدلالة المعرفية على احتواء الشيء على قدر أو آخر من العمل. والواقع كذلك أن استعمال الزمن لقياس القيمة سوف يؤدي إلى نتائج صحيحة، إنما المشكلة تكمن في عدم الدقة الَّتي يتعين أن يأتي العلم منزهاً عنها، وتتبدا أوجه عدم الدقة تلك في ثلاثة أمور: أولاً: أن الاقتصاد السياسي يقيس القيمة، الَّتي هي جهد إنساني، بالزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا الجهد. وكأن الاقتصاد السياسي يعتنق نظرية العمل في القيمة ظاهرياً ويؤمن بنظرية الزمن في القيمة باطنياً. ثانياً: أن الاقتصاد السياسي يعتبر كمية العمل مقياساً، والمقياس هو الآلة أو الأداة الَّتي يقاس بها الشيء، وكمية العمل ليست آلة وليست أداة. ثالثاً: يضطر الاقتصاد السياسي، ابتداءً من اعتباره كمية العمل مقياساً إلى قياس هذا المقياس(5) وهو ما يثير الشك في المقياس نفسه.
ويمكننا إرجاع هذا الخلل إلى عدم تبلور علم القياس (المترولوجي Metrology)، وتخلّف أجهزة القياس نفسها في مرحلة نشأة الاقتصاد السياسي، وسهولة القياس بوحدة الزمن، ولذا، لجأ الاقتصاد السياسي إلى أقرب وحدة قياس، ووجدها في وحدة قياس الوقت، أي الزمن المنفَق في سبيل إنتاج الشيء، وأصبح من المستقر القول، تجاوزاً، بأن قيمة متر من النسيج تقاس بكمية العمل المبذول في إنتاجه، ولكن كمية العمل تستعصي على ما يبدو على القياس في مرحلة تبلور الاقتصاد السياسي، فيضطر مؤسسو علم الاقتصاد السياسي إلى معرفة قدر هذه (الكمية من العمل المبذول) بواسطة وحدات من الزمن المنفق خلاله العمل.
(5)
يجب هنا أن نؤكد، وبوضوح تام، على أن الفارق بين القيمة ومقياس القيمة، وتلك هي الحجة الأزلية الجاهزة، لا يجيز أبداً استخدام مقياساً خاطئاً لقياس القيمة والإصرار على أنه المقياس الصحيح، ثم محاولة تبريره بدعوى أن هناك فارق بين القيمة (العمل) ومقياس القيمة (الزمن، الذي هو أيضاً خطأ لأن المقياس يختلف عن وحدة القياس). فلا يصح علمياً، ولا عقلياً، استخدام الترمومتر مثلاً لقياس الارتفاع؛ فتلك أداة لقياس درجة الحرارة، وهذا طول العمود من قاعدة الشيء إلى رأسه. كما لا يصح استخدام الكيلو جرام لقياس البُعد بين طرفي شيء؛ فهذه وحدة قياس الوزن، بمصطلح أصح: الكتلة، وهذا هو مفهوم الطول. ونفس الحكم بالنسبة للقيمة فلا يصح علمياً، ولا عقلياً، حتى لو تم التذرع بقدسية المصطلح ودلالته، أن نقول أن القيمة هي مجهود إنساني متجسد في الناتج، ثم نقيس هذا المجهود الإنساني بوحدة قياس الزمن الَّذي ينفق (خلاله) هذا المجهود.
(6)
والحقيقة العلمية هي أن المجهود المنفَق، كطاقة مبذولة، في إنتاج الشيء إنما يقاس بالسعر الحراري، الَّذي هو وحدة لقياس الطاقة الحرارية الَّتي يحتاجها ويكونها وينفقها الجسم لكي يقوم، وأثناء القيام، بعمله، وذلك عن طريق إحراق المواد الغذائية، أي تحويل الطاقة الكيميائية (الغذاء) إلى طاقة حركية (العمل).(6)
ويمكن قياس ما يحتاجه الجسم في الظروف المختلفة، وعند آداء أي نوع من الأعمال والأنشطة المختلفة، أي أنه يمكن قياس سرعة ما يسمى"الميتابوليزم" metabolē أو التمثيل الغذائي(7) بأجهزة تسمى "الكالوريميتر". ويمكن بواسطتها تقدير الطاقة الحرارية المنبعثة من الجسم أثناء قيامه بالمجهود أثناء العمل. فالعامل، الَّذي ينتج القيمة، أي الَّذي يبذل المجهود الَّذي يتجسد في الناتج، يحتاج إلى وسائل معيشة ضرورية، ومنها المواد الغذائية الَّتي تمده بالطاقة الَّتي يستخدمها أثناء العمل، طبعاً يحتاج العامل أيضاً إلى المسكن، والملبس، والتعليم،... إلخ. ولكن دعونا نبدأ من الإنفاق الفعلي للمجهود، وهو الَّذي يتم خلاله تحويل الطاقة الكيميائية إلى طاقة حركية. فالعامل يحتاج إلى الغذاء (الكربوهيدرات، والدهون، والبروتينات) كي يستطيع أن يعمل. كي يعمل لمدة 8 ساعات.
(7)
ووفقاً لعلم الغذاء صرنا نعلم أن عامل المصنع يحتاج من 2600 إلى3960 سعراً حرارياً، وعامل المنجم يحتاج من 2970 إلى4560 سعراً حرارياً، أما عامل الغابة فيحتاج من2860 إلى4800 سعراً حرارياً، في حين أن العامل الَّذي يقوم بأعمال مكتبية، مثل المصرفي، يحتاج من2230 إلى2290 سعراً حرارياً، وهكذا. ومعنى ذلك أن معرفتنا بقيمة القلم ترتبط بمعرفتنا بكمية الطاقة المبذولة في سبيل إنتاجه، وليس بالزمن الَّذي تبذل (خلاله) هذه الطاقة.
وكما أن صديقنا العامل يحتاج إلى كمية معينة من المواد الغذائية الَّتي تمده بالسعرات الحرارية اللازمة من أجل قيامه بالعمل، سوف يحتاج الحائك الذي يصنع الملابس الَّتي يشتريها العامل إلى كمية معينة من المواد الغذائية تقل أو تزيد، وفقاً لطبيعة المجهود الذي يبذل في عمل الحياكة، عن الكمية الَّتي يحتاجها العامل. كما سوف يحتاج بنَّاء المنزل الَّذي يسكن فيه العامل إلى كمية من السعرات الحرارية الَّتي تزيد أو تقل عن السعرات الحرارية الَّتي يحتاجها العامل والحائك.
ولا يخرج الفلاح والحداد والنجار، والميكانيكي، بل والمحامي والمحاسب... إلخ، عن هذه القاعدة، فجميعهم يحتاجون إلى قدر أو آخر من السعرات الحرارية الَّتي تتيح لهم بذل المجهود في عملهم. وحينما يتم التبادل بين منتجات هؤلاء إنما يتم التبادل، في الحقيقة، بين كميات مختلفة من المجهود الإنساني.
لا ريب في أن العامل، بصفة خاصة في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، لا ينشغل كثيراً بموضوع السعر الحراري، وكل ما يهمه هو كمية المنتجات الَّتي يستطيع شرائها بالأجر الَّذي يحصل عليه من الرأسمالي. ولكن الحقيقة أن العامل، والرأسمالي كذلك، يشغله أيضاً كمية المواد الغذائية الَّتي يستطيع أن يشتريها بالأجر الَّذي يقبضه. فهو لا يهتم بكم السعرات التي سوف يتزود بها بتناوله كوباَ من اللبن، ولا يأبه بالأساس لأية عادة غذائية سليمة. إنما يهتم بالمأكل بوجه عام. بل نحن نعرف من حوادث التاريخ أن الصراع عادة ما يستعر بين كبار ملاك الأراضي الذين يريدون رفع أثمان منتجاتهم التي هي المواد الغذائية، وبين الرأسماليين الصناعيين الذين يريدون خفض هذه الأثمان، لعدم اضطرارهم لرفع الأجور الَّتي يدفعونها للعمال كي يعيشوا، ويجددوا إنتاج طبقتهم.
(8)
وعلى هذا النحو يتحدد أجر العامل بكمية السعرات الحرارية الَّتي تتيح له الحصول على الطاقة الَّتي يحتاجها من أجل أن يعيش كعامل، ويجدد إنتاج طبقته. والرأسمالي من جهته حينما يدفع الأجر للعامل يأخذ في اعتباره، عادة، لا كميات السعرات الَّتي تمكن العامل من آداء عمله في المصنع طوال ساعات العمل فحسب، إنما يشمل الأجر، من ناحية، السعرات الَّتي يحتاجها العامل كي (يعيش) ليوم كامل، وليس 8 ساعات فحسب. كما يشمل الأجر، من ناحية أخرى، السعرات الحرارية الَّتي يستطيع العامل أن يشتري بها ملبسه ويدفع بها إيجار مسكنه، ويجدد من خلالها إنتاج طبقته، أي ينتج عمالاً جدداً يمكن الدفع بهم في سوق العمل في أقرب فرصة ممكنة.
(9)
والعامل حينما يذهب إلى مصنعه، ووفقاً لعقد العمل المبرم بينه وبين رب العمل، لا يقوم ببيع عمله للثاني، إنما يقوم ببيع قوة عمله. ولكي نوضح هذه المسألة نضرب المثل الآتي: فلنفترض (والأرقام لتقريب الفكرة لا أكثر ولا أقل، ولذا فهي اعتباطية) أن المجتمع يبدأ العملية الإنتاجية وتحت يده 10000 سعراً حرارياً (كبيراً) (8)، معبراً عنها بـ 10000 وحدة من الورق الملون، مثبت بكل ورقة أنها تمثل سعراً حرارياً واحداً، يستطيع حامل هذه الورقة أن يتخلى عنها ويحصل في مقابل ذلك على وحدة واحدة من مادة غذائية ما، تمنحه سعراً حرارياً واحداً. والآن، سوف يقوم الرأسماليون في هذا المجتمع، وهم أصحاب قرار الإنتاج، بتحويل 6000 ورقة تمثل 6000 سعراً حرارياً إلى وسائل إنتاج، على النحو الآتي: 3000 ورقة ملونة لشراء مواد العمل؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء منتجي المواد الخام والمواد المساعدة 3000 ورقة ملونة تمثل 3000 سعراً حرارياً، ويأخذون في المقابل ما يحتاجون إليه من مواد للعمل. والـ 3000 ورقة ملونة الأخرى لشراء أدوات العمل؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء منتجي الآلات 3000 ورقة ملونة تمثل 3000 سعراً حرارياً، ويأخذون في المقابل ما يحتاجون إليه من آلات. وبعد أن تكتمل لدى الرأسمالي المواد والآلات، يقوم بشراء قوة العمل؛ كي تقوم بتحويل المواد، من خلال الآلة، إلى منتجات، ويدفع لهؤلاء العمال 4000 ورقة ملونة، تمثل 4000 سعراً حرارياً، يستطيع العامل أن يشتري بها كلها مواد غذائية، وقد يجنب منها جزء لشراء حذاء، أو قميص، أو دفع فاتورة الكهرباء، أو مصروفات المدرسة لأبنائه... إلخ. والآن، يغلق الرأسماليون أبواب مصانعهم على المواد والآلات والعمال. ويطلبون من العمال معانقة آلاتهم المحبوبة من أجل الإنتاج. والعمال الذين حصلوا لتوهم على 4000 ورقة ملونة تمثل 4000 سعراً حرارياً يستطيعوا أن يذهبوا بها لشراء منتجات تكلف إنتاجها جهداً مقداره 4000 سعراً حرارياً، وهم حينما يحصلون على هذه المنتجات، سيقومون بإعطاء الرأسمالي لا 4000 سعراً حرارياً، بل أضعاف ما تلقوه، (وإن لم يحدث ذلك سيغلق الرأسماليون مصانعهم لأن النتيجة النهائية لعملية الإنتاج ستكون حينئذ 10000 سعراً حرارياً) فالعامل يستطيع بورقة ملونة واحدة أن يشتري مادة غذائية، بذل في سبيل إنتاجها سعراً حرارياً واحداً، ولكنها تمنحه 20 سعراً حرارياً، تمكنه من العمل لمدة 8 ساعات. وهو ما يستحوذ عليه الرأسمالي، وفي نهاية عملية الإنتاج، لا يجد الرأسمالي لديه 10000 سعراً حرارياً، وإنما 50000 أو 60000 أو 80000 سعراً حرارياً على حسب درجة الاستغلال. ويستأثر هو بفارق ما دفعه للعامل وما رد له العامل أضعافاً مضاعفة. وذلك لأن الـ 4000 سعراً حرارياً التي تم دفعها للعمال لم تكن إلا (ليعيشوا). لم تكن إلا ليجددوا إنتاج طبقتهم. فلقد باع العمال قوة عملهم، وليس عملهم. والعامل في الأغلب الأعم، ولأنه يؤجر وفقاً لحد الكفاف، يشتري أرخص ما يمكن أن يعطيه أعلى درجة من الطاقة؛ والتي بدوره يدفعها بها إلى خزائن الرأسمالي، والذي هو بدوره أيضاً يراكمها من أجل تجديد إنتاجه على نطاق متسع.
وعلى الرغم من أن النتيجة التي نصل إليها تتطابق مع وصل إليه علم الاقتصاد السياسي عبر تطوره خلال مئتي عام، تحديداً بشأن القيمة الزائدة؛ إلا أن الأهمية العملية لقياس القيمة وتقديرها بواسطة السعرات الحرارية (الضرورية اجتماعياً)، حينما يتم التبادل بين كميات من المنتجات بواسطة أعمال تختلف في درجة شدتها وبراعتها. تلك الصعوبة التي واجهت الاقتصاد السياسي فاضطر، ابتداءً من سميث مروراً بريكاردو وانتهاء بماركس، إلى أن يحيل إلى السوق(9)، حيث تتم التسوية هناك بين الأعمال التي تختلف فيما بينها من جهة الشدة والبراعة. والواقع أن القانون الموضوعي موجود ولا حاجة بنا إلى اللجوء إلى السوق وقواعده المتغيرة. إذ من خلال معرفة كمية الطاقة المبذولة (وتلك هي القيمة كعمل متجسد) في كل عمل نستطيع أن نبادل بين المنتجات وفقاً لكمية السعرات الحرارية المنفقة في سبيل الإنتاج.
الهوامش
------------------------
(1) وهو يقترب كثيراً مما اصطلح على تسميته "الشغل" في علم الطبيعة.
(2) يخلط د. علي وافي، بين القيمة والقيمة التبادلية، حينما يكتب:"إذ قلت إن هذا الشيء ذو قيمة، كان معنى ذلك أنه يساوي كذا من الأشياء الأخرى... فالعلاقات التي أراعيها في الحكم على الشيء بأنه ذو قيمة هي علاقة تربط ذلك الشيء بشيء آخر". انظر: علي عبد الواحد وافي، الاقتصاد السياسي (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1946)، ص11. والواقع أن (كذا) تلك ليست القيمة، إنما هي قيمة الشيء التبادلية. ثم يخلط د. وافي بين القيمة والثمن، حينما يكتب:"ولذلك عندما نقول هذا الشيء له قيمة لا تكون عبارتنا مفهومة اقتصادياً إلا إذا أضفنا إليها ما يفيد الموازنة بينه وبين شيء آخر، بأن نقول إن له قيمة كذا... من النقود". انظر: علي وافي، المصدر نفسه، ص11. فالثمن هو المظهر النقدي لقيمة الناتج التبادلية، ولا يشترط أبداً أن يكون الثمن تعبيراً صادقاً عن هذه القيمة. ثم يخلط د. وافي، ثالثاً، بين القيمة وتقدير القيمة، حين يكتب:"فالحكم على الشيء بأنه ذو قيمة شبيه بالحكم عليه بأنه صغير أو كبير أو خفيف أو ثقيل؛ لأن الحكم عليه بواحد من هذه الأوصاف يتطلب الموازنة بينه وبين شيء آخر". علي وافي، المصدر نفسه، ص11. والواقع هو أننا لم نكن لنقدر الثقل إذ لم يثبت ذاته ابتداءً كخاصية، كما ذكرنا بالمتن.
(3) وإن تحرينا المزيد من الدقة، فحتى إذ ما سايرنا علمنا، وقلنا معه أن القيمة، كمجهود إنساني متجسد، تقاس بكمية العمل، وكمية العمل تقاس بالزمن الَّذي يبذل (خلاله) ذاك المجهود الإنساني. فكيف نقيس هذا الزمن؟ يقول الاقتصاد السياسي: نقيس هذا الزمن بطول يوم العمل، بوقت العمل، ووقت العمل يجد معاييره في أجزاء محددة من الزمن كالساعة واليوم. ولكن، ذلك أيضاً غير دقيق، بل غير صحيح. لأن كمية العمل ليست مقياساً، ليست آلة ولا أداة، بل ينبغي أن نستعمل آلة القياس المناسبة، وهي الساعة (الَّتي هي آلة يُعرف بها الوقت) ونستخدم الساعة (الَّتي هي جزء من أربعة وعشرين جزءً) كوحدة قياس. فحينما يقول الاقتصاد السياسي أن قيمة القلم 120 دقيقة، فذلك يعني وجوب استعمال آلة الساعة كمقياس، واستخدام الثانية كوحدة قياس. ولكن الاقتصاد السياسي ابتداءً من قياسه للمقياس نفسه يخلط بين المقياس ووحدة القياس.
(4) انظر:
Karl Marx, Capital: A Critique of Political Economy, vol I, (New York: The Modern Library, 1906).p.17
(5) فابتداء من أزمة المصطلح الذي برز بقوة مع آدم سميث وانتقل من الاقتصاد السياسي إلى اللسان الفلسفي؛ (لالاند، الموسوعة الفلسفية، ص124) يرى الاقتصاد السياسي أن (مقياس) القيمة هو كمية العمل، أي أن (مقدار معين من) القيمة يقاس بمقدار معين من كمية العمل! ووحدة القياس الساعة. فعند سميث تقاس القيمة بكمية العمل. أما ماركس، الذي حاول تجاوز اضطراب سميث وتردده بين مقياس Measure القيمة، ومعيارها Standard وما تقدر به Estimate، وما تقارن به Compare، فقد رأى، أي ماركس، كما ذكرنا أن كمية العمل هي (مقياس مقدار) القيمة. ثم يضطر، نتيجة عدم وضوح المقياس، إلى قياس المقياس نفسه! وهو كمية العمل، ويرى أن كمية العمل تقاس بوقت العمل.
(6) أهم العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم، هي: الكربوهيدرات، والدهون، والبروتينات، إذ تمثل هذه العناصر الثلاثة مصادر السعرات الحرارية الرئيسية للجسم، حيث يحتوي كل 100 جرام منها على مقدار معين من السعرات الحرارية كالتالي: الكربوهيدرات 400 سعراً حرارياً، لكل 100 جراماً. والبروتينات 400 سعراً حرارياً، لكل100 جراماً. والدهون 800 سعراً حرارياً، لكل 100 جراماً.
والجدول أدناه، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة، يوضح متوسط استهلاك الطاقة خلال 24 ساعة لفرد نموذجي بالغ عمره 25 سنة ووزنه 65 كجم، وأنثى نموذجية عمرها 25 سنة كذلك ووزنها 55 كجم، ومتوسط الحرارة السنوي 10 درجة مئوية.
عمل خفيف ذكر عمل خفيف أنثى عمل متوسط ذكر عمل متوسط أنثى عمل شاق ذكر عمل شاق أنثى
8 ساعات عمل 1100 800 1400 1000 1900 1400
8 ساعات أنشطة 1500 980 1500 980 1500 980
8 ساعات نوم 500 420 500 420 500 420
Merriam-Webster s Online Dictionary Def 1a http://www.merriam-webster.com/dictionary/calorie
International Standard ISO 31-4: Quantities and units – Part 4: Heat. Annex B (informative): Other units given for information, especially regarding the conversion factor.
كما يوضح الجدول التالي كمية استهلاك الطاقة اليومية لأفراد في أعمال مختلفة.
العمل استهلاك الطاقة (ذكور) العمل استهلاك الطاقة (إناث)
كاتب 2230- 2290 فنية في معمل 1340- 2540
فني في معمل 2240- 3830 عاملة في محل تجاري 1820-2850
عامل بناء 2440- 3730 عاملة بمصنع 1970-2980
عامل بمصنع 2600- 3960 عاملة بمخبز 1980- 2390
فلاح 2900- 4000
عامل بمنجم 2970- 4560
عامل بالغابة 2860- 4800
المصدر: نفسه، ص 311.
(7) يعد الفرنسي أنطوان لافوازيه Antoine-Laurent de Lavoisier (١٧٤٣ - ١٧٩٤) هو واضع علم الميتابوليزم في القرن الثامن عشر.
(8) Kilo Calorie وهو ما يساوي 4,18 جول Goule.
(9) ابتداءً من سميث الذي رأي أن قوانين السوق تنهض بعملية المقارنة بين العمل البسيط والعمل الشاق، وتسوي، بوجه عام، بين الأعمال المختلفة من جهتي الشدة والبراعة، يعتمد الاقتصاد السياسي في هذا الشأن، أي التفرقة بين العمل البسيط والعمل الشاق، اعتماداً كلياً على السوق، ولا يبحث في القانون الموضوعي الذي يحدد معيار التفرقة بين العملين، فماركس يرى في رأس المال:"أن النسب المختلفة التي يتم بها إرجاع أنواع مختلفة من العمل إلى العمل البسيط كوحدة لقياسها تحددها عملية اجتماعية تجري من وراء ظهور المنتجين". رأس المال، المصدر نفسه، ص95. وقارن: ريكاردو، المباديء، ص31. وكتب جارودي، وفقاً لماركس:"... إن آلية السوق العفوية تتيح إمكانية قيام علاقات جديدة: فساعة واحدة من عمل الميكانيكي ستعادل عمل ساعة ونصف ساعة من عمل الحائك وهكذا دواليك". روجيه جارودي، كارل ماركس، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: منشورات دار الآداب، 1970)، ص209.







التعليقات


1 - توضيح
محمد فيصل يغان ( 2016 / 10 / 16 - 11:36 )
الطاقة تساوي القدرة ضرب الزمن و القدرة هنا هي حسب ماركس المعدل الاجتماعي للقدرات المتعددة لانتاج السلع المتعددة و هكذا تحدد المعيار و يبقى الزمن كمتغير يصلح للمقارنة لغرض تحديد القيم النسبية ما بين السلع و لا جدوى للبحث عن قيمة مطلقة تماما كعدم جدوى البحث عن طاقة مطلقة فالطاقة التي تهمنا و تفيدنا هي الفرق ما بين حالتين للنظام الابتدائية و النهائية


2 - الشكر والتقدير
حميد خنجي ( 2016 / 10 / 16 - 19:54 )
شكرا جزيلا يا زميل -محمد عادل زكي- على هذه الاجتهادات، المنطلقة من الدقة العلمية وليست من التصنيفات الفردية أو التخيلات الذاتية
لعل الأغرب أن مواضيع كهذا وعلى أهميتها، خاصة لمدعي المنهج الماركسي، لايناقشها معشر المتناقشين.. وأعزو ذلك لسببين إما أنهم (القراء) لايدركون ما تقوله. أو أنهم يتفادون الاقتصاد السي اسي وتعاريجه الشائكة والمعاصرة وذلك لصعوبته، كعلم-مثل كل العلوم- يتطور أبدا


3 - شكراً جزيلاً
محمد عادل زكي ( 2016 / 10 / 17 - 23:58 )
أشكر حضرتك جزيل الشكر أستاذنا الكريم حميد خنجي المحترم. فكم كان تعليق حضرتك مبعث سعادتي. دمت أستاذنا مبدعاً وفي أطيب حال


4 - محمد فيصل يغان
محمد عادل زكي ( 2016 / 10 / 18 - 00:02 )
الواقع هو أنني لم أهدف أبداً، ولن أهدف، إلى الوصول أو حتى الإشارة إلى قيم مطلقة، فلا شك وفقاً لما هو وارد بمتن المقال في أنني أعتد مثل الأباء المؤسسين لعلم الاقتصاد السياسي بالعمل الضروري اجتماعياً وبالتالي اعتد هنا بكمية الطاقة الضرورية اجتماعياً


5 - المعيار
محمد عادل زكي ( 2016 / 10 / 18 - 23:17 )
لقد حاولت كثيراً فهم العبارة الآتية (القدرة هنا هي حسب ماركس المعدل الاجتماعي للقدرات ، المتعددة لانتاج السلع المتعددة)؛ فما هي القدرة؟ وكيف تقاس؟ وما هي وحدات قياسها. والأغرب هو بعد هذه العبارة التي تستعصي على الفهم، جاءت جملة تقريرية مترتبة على عدم الفهم، هذه الجملة نصها : وهكذا تحدد المعيار! أي معيار؟ وأين هو تحديداً. تكمن أزمة الماركسية عادة في أن ماركس في الفم لا في الدم


6 - توضيح
محمد فيصل يغان ( 2016 / 10 / 19 - 11:53 )
لتوضيح (العبارة التي تستعصي على فهم اسناذنا المتخصص بالاقتصاد) اورد الاقتباس التالي
يقول ماركس: -ولكن الذي يخلق جوهر القيمة (هو) عمل انساني متجانس أي بذل قوة (قدرة) عمل متجانسة. و المجموع الكلي لقوة (قدرة) عمل المجتمع كما يتمثل في القيمة الاجمالية لكافة السلع التي ينتجها المجتمع يحسب هنا ككتلة متجانسة من الطاقة الانسانية على العمل و ان كان مكونا من وحدات مفردة لا عداد لها. و كل وحدة من وحدات قوة (قدرة) العمل تماثل الاخرى من حيث ان لها خواص متوسط قوة (قدرة) العمل الاجتماعية.-
ارجو ان تكون قد فهمت هذه العبارة المقتبسة وجرت لديك مجرى الدم في العروق. و للحديث بقية

اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع