الحوار المتمدن - موبايل



المسكوت عنه: الجذور الوثنية للأديان التوحيدية(عرض وتلخيص لكتاب)

ممدوح مكرم

2016 / 10 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


قليلةٌ هي الدراسات التي تتناول الظاهرة الدينية، وقليلةٌ هي الدراسات الجادة في ثقافتنا العربية؛ لأنَّ الدين لازال يمثلُ محرمًا لا يجوز الحديثُ عنه بشكلٍ علمي، لأنه من منظور اللاهوتيين إنَّ ذلك سيؤدي إلى إهداره وإنزاله من عليائهِ السماوي.و بين أيدينا دراسةٌ قيمة رغم صغر حجمها و بساطتها إلا أنها قاربت موضوع الدين بشكل علمي، و بدرجة لا بأس بها من الدقة والموضوعية، إنه كتاب: المسكوت عنه، الجذور الوثنية للأديان التوحيدية لمؤلف اسمه وليد المنسي( لم نستطع التعرف عليه؟) وهي دراسة قصيرة تقع في 142 ورقة من القطع الصغير صادرة عام 2003، من دار عشتروت لخدمات الطباعة، ببيروت- لبنان.
الدراسة تتناول الجذور الوثنية للأديان التوحيدية، وهو عنوان مفارق ويشد انتباه القارىء، ويجعله يسأل ما هي يا تُرى الجذور الوثنية لأدياننا التوحيدية التي نؤمن بها وهي على التوالي التاريخي: اليهودية، المسيحية، الإسلام!
وفكرة الكتاب/ الدراسة تتمحور حول البرهنة وإثبات وثنية الأديان التوحيدية، أي يمكنُ أنْ نقولَ أنَّ الأديان الثلاثة هي تطور و تحوير للوثنيات التي كانت قبلها، وذلك ضمن إطار تطور الفكر الديني في منطقة الشرق الأدنى القديم، وربطه الجدلي بتطور مجتمعات الشرق الأدنى عمومًا التي عرفت الزراعة منذ حقبٍ سحيقةٍ في القِدَم، حيث عبادة الأسلاف وتأليه الملوك، وعبادة الطواطم، وتعدد الآلهة و تنوعها، ثم الوصول لفكرة إله واحد مهيمن هو رب العالمين، ورب البشرية جميعًا، وهو ما عكسه السياق الإبراهيمي، والذي وصل قمة تطوره نحو التوحيد في الإسلام.
رغم ذلك لم تنفصل الأديان الثلاثة بشكل كامل عن جذورها الوثنية، لقد تم القيام بعملية نفي جدلي للوثنية، حيث بقيت بعض الجذور قابعة وقارة في القاع، كما نجدها في بعض الرموز و الطقوس في الأديان الثلاثة وهو ما وضحه الباحث بشكل واضحٍ وجلي وبعملية تفكيك لهذه الرموز وفك طلاسمها متوسلًا بمنهج الحفريات اللغوية أحيانًا ومعرفة سياق الألفاظ في اللغات المختلفة- خاصة ذات القرابة العائلية- وكيف كثفت اللغة واحتفظت بذكريات سحيقة للإنسان في مراحل حياته الأولى في مجتمعاتنا؟.

تتكون الدراسة من:-
مقدمة وأربعة فصول
يقول في المقدمة: " تلجُ هذه الدراسة حقلًا محرمًا على العقل، ملغومًا بالنصوص المقدسة، محتشدًا بوعود المتون و الحواشي، مسورًا بإشارات الويل و الثبور وعظائم الأمور، لكنها تتقدم بهدوء رغم ذلك، ووسط أحابيل التاريخ وسراديبه العديدة ننقب حقل جذور الأديان التوحيدية وإنزالها من سمائها اللاهوتي إلى أرض التاريخ البشري، إنَّ النظرة إلى الأديان التوحيدية نظرةٌ فصامية؛ يطغى عليها الحماس الديني، وعبادة النصوص و تقديس الأساطير، ويغيب عنها النقد العلمي الجاد، ولا مسوغ و الحالة هذه إلا بإدخالها إطار التاريخ وتحليلها من داخله والتحريض على فهمٍ جديدٍ لها بتقديم زواية غير مألوفةٍ تمامًا محورها استكناه الرموز الوثنية التي شكلت المادة الخام الأساسية للتركيب العقائدي للأديان التوحيدية،ودلالاتها الثابتة أبدًا عبر فضاء التاريخ".
في الفصل الأول: تناول ثلاثية الرموز المقدسة، وهي: القرن، الشمس/ القمر، الحية.وهو يرى أنَّ جذور الأديان التوحيدية تعود للديانات الفرعونية و النوبية، وتفرعاتها السامية – على حد قوله- ومن هذه الديانات تشكلت الثلاثية المقدسة[ القرن، الشمس/ القمر، الحية]، فالحيوانات المدجنة ذات القرون كالكبش و الثور و البقرة والعَجل من أقدم الطواطم التي قدستها وألهتها الشعوب النوبية ومصر القديمة و الشعوب السامية( صـ11) ومن هنا توحدت مفاهيم السلف والإله والملك في ذهن الإنسان الأول، ويعود لنص لابن عباس أورده محمد بن هشام الكلبي في كتابه[الأصنام] يقول:" قال ابن عباس: "كان بنو شيث بن آدم يأتون جسد آدم في المغارة، فيعظمونه و يترحمون عليه، فقال رجلٌ من بني قابيل بن آدم:" يا بني قابيل إنَّ لبني شيث دوارًا؛ يدرون حوله و يعظمونه، وليس لكم شيىء؛ فنحت لهم صنمًا، وكان أول من عملها"( الجذور: صـ 12)
وهناك علاقة وثيقة وعميقة بين القرن( قرن الحيوان) وبين الشمس و القمر، فالهلال مثلا أحد الرموز المهمة في الأديان التوحيدية- خاصة الإسلام- فهم يشبه القرن، ففي ديانة الإله [سين/سن] إله القمر- اشتقت منه سيناء= أرض سين=أرض القمر- يأمره مجلس الآلهة أنْ تلمع قرونه شهريًا لمدة ستة أيام في شكل هلال!
وبالطبع هناك علاقة وثيقة أيضًا بين القمر و الشمس؛ بإعتبارهما ظاهرة واحدة عند العديد من الشعوب القديمة، فالإلهة القمر> في الديانة المصرية القديمة هي امتداد لإله الشمس > وسن إله القمر الآشوري هو أبو الإله شَمَشْ(شمس) وفي اليمن القديمة الإله القمر هو زوج الإلهة الشمس << ذات حميم >> وفي سِفر التكوين" فعمل الله النورين العظيمين، النور الأكبر لحكم النهار، و النور الأصغر لحكم الليل" [ تكوين: 1: 16] صـ18 (الجذور بتصرف).
وتُعتبر الحية واحدة من الرموز المهمة في تلك الثلاثية المقدسة، التي تخترق بنية الأديان الثلاثة، فبعض الشعوب ترى نفسها من نسل الحية؛ لما لها من قدرات عجيبة وعلاقتها بفكرة الخلود في المخيال البشري، الإلهة عشتار/عشتروت (العراق=النهرين) يُرمز لها بالحية وهي إلهة الخصوبة! وفي مصر القديمة إلهة الخصوبة << ساتي >> وهي الحية، وفي اللغة العربية نجد حية وحواء: نفس الجرس الصوتي، والجذر اللغوي، وهنا علاقة الحية بقصة آدم وحواء في التراثين اليهودي والإسلامي تحديدًا.
في الفصل الثاني: اليهودية خمرٌ عتيق في جرارٍ جديدة، هويرى أنَّ اليهودية ذات جذور مصرية صميمة، ومرت بمراحل شد وجذب، فكان البطريرك الأول(السلف،الأب الأول) إبراهيم/إبرام يعبد الإله << إيل>> وهو إله كان يُعبد في الجنوب السوري، وإيل نجده جزء من أسماء مشهورة عديدة مثل: إسماعيل( إسمع+ إيل) وجبرائيل، وإسرافيل، وإسرائيل(النبي يعقوب، والذي نسبت إليه إسرائيل ) وإبراهيم ليس اسم علم بل هو لقب يعني: أبو الأمم، فـ هيم: تعني أمة! [ صـ 29] وكانت الثلاثية المقدسة التي أشرنا إليها سابقًا دورًا كبيرًا في صياغة وتركيب اليهودية، فإبراهيم كما ذُكر عبد إيل( الكبش) في النص التوراتي يعرف الإله التوحيدي (إيل) نفسه لـ < إبراهيم >> بأنه إيل شداي، بمعنى الإله القادر.
ومعروف أنَّ إيل من أقدم مسميات الكبش في اللغات السامية، وهي مستوحاة من القوة، فالخروف في اللغة الأوغارتية( سوريا القديمة: منطقة تل شمرا، اللاذقية) هو إل، و بالعبرية: إيل، وذَنب الخروف بالعربية: إلية..وهكذا ( صـ 30)
أما المرحلة الثانية في اليهودية: هي مرحلة الإله << يهوه>> وهو الذي تجلى لموسى في سيناء، ومن اسم هذا الإله اشتقت اسم اليهودية، ويهوه عبدته شعوب مختلفة شرق المتوسط وفي سيناء و في الصحاري المصرية، وعبده اللحيانيون، والأنباط، والثموديون، اليهودية أخذته من هذه الشعوب السامية؛ لأنه محاربٌ باطشٌ جبار هو رب الجنود، وقد أخذ صفاته من إله الشمس << آتون >> الذي عبده آمون-حتب الرابع(إخناتون) وانتقلت اليهودية من الإله الوديع إيل، للإله العنيف يهوه!! وتشير الكثير من النصوص التوراتية في هذا الإتجاه مثل:-
" وكان جبل سيناء يدخن، من أجل أنَّ الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان الآتون، وارتجف كل الجبل جدًا" ( خروج:19:19) وفي التثنية(سِفر) " الرب الملك هو نار آكلة" (24:4)
وفي النص القرآني: "فلما جاءها، بورك من في النار، ومن حولها...." (النمل:8-9) " وهل أتاك حديث موسى، إذ رأى نارًا، فقال لأهله امكثوا، إني أنست نارا لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هدى"(طه:9-12) الجذور( صـ 47،48 بتصرف)
ويعرض في هذا الفصل لأصل موسى المصري، وليس العبري، وعلاقته بأرض/ بلاد كوش، وعلاقته بهارون العبراني- الذي صار أخًا لموسى- ونكتشف أنًّ موسى اعتنق أفكار ومعتقدات الطائفة الآتونية الموحدة (أتباع إخناتون) الذين تعرضوا للقمع والإضطهاد على يد أتباع الإله آمون( صـ 40 وما بعدها).
الفصل الثالث: المسيحية، الشمس تشرق من جديد
تحدث عن الظروف التي وقعت على اليهود منذ السبي البابلي 583ق.م، وتشتتهم في المنافي، ومن ثم ظهور جماعات وفرق عدة من أبرزها طائفة العسيويين (ESSENES) والكلمة مشتقة من عيسى الآرامية التي تعني طبيب أو معالج، وقد أشيعت عنهم مقدرات علاجية نُسبت لاحقًا مع العديد من طقوسهم ودلالة اسمهم للمسيحية، ثم علاقة يحي( يوحنا المعمدان) بالمسيح(عيسي= يسوع الناصري) وهذا ضمن إطار الفكر السائد عصرئذٍ حول البحث عن مسيح أو مخلص!
ولذا وجد الباحث جذور المسيحية كما اليهودية في ديانة مصر القديمة( حورس: أسطورة أيزيس وأوزيريس) والمسيحية تمثل نقلة نوعية من الدين العرقي/القومي/ القبلي(اليهودي) لدين ذو صبغة إنسانية عمومًا، وذو نزعة عالمية" لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان، بالمسيح يسوع، لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح؛ قد لبستم المسيح، ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبدًا أو حرًا، ليس ذكرًا أو أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع، فإن كنتم من المسيح؛ فأنتم إذاً نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثه" (رسالة بولس: 3: 25-29) الجذورصـ 72.
وتشبه الأسطورة المتعلقة << ببوذا>> وديانته في نسيج خيوطها الأسطورة التوحيدية الخاصة بالمسيح، فبوذا الذي وُصف بابن النجار وبالراعي الصالح ولد من العذراء << مايا >> التي تنحدر كما << مريم>> العذراء من نسلٍ شريف.
والطريف أنَّ << حورس>> المصري وُلد في 25 ديسمبر/كانون الأول، وهذا التاريخ اُتخذ فيما بعد كميلاد للمسيح عند بعض الطوائف!! ثم تحدث عم مريم العذراء ودلالة الاسم وجذوره في اللغات المختلفة صـ 75 وما بعدها.
الفصل الرابع- وهو الأخير- تحدث عن الإسلام: الإله الكبش، حيث عرض فيه لجذور عبادة الشمس والقمر في شبه الجزيرة العربية، والكعبة، والأنباط كحلقة وصل بين الشام الآرامي والحجاز الإسماعيلي/ اليمني.
الإلهة مناة لعبت دورًا كبيرًا في الحضارتين الكنعانية و النبطية، وهي تشبه أسطورة إيزيس المصرية، و<< مناة >> أنقذت أخاها من مملكة الموت التي تربع على عرشها الإله << موت: MOT>> إله الموت عند الكنعانيين، وتسربت عبادة هذا الإله إلى قلب الجزيرة العربية، خلدته اللغة العربية كمفردة متضمنة في النص القرآني، و<< ومناة >> تستدعي معها << اللات،والعزى>> " أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى" ( النجم: 19-20) صـ 99 بتصرف.
وتعود مصادر الإسلام الأولى وفق الباحث للديانة الحنفية، التي انتشرت في القرن السابع الميلادي في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية، ودورها يشبه الطائفة الآتونية( التي انبثقت منها اليهودية) والطائفة العيسوية( التي انبثقت منها المسيحية) وكلمة حنيف ذات جذر سرياني تعني المنشق عن قومه! وجذور طائفة الأحناف تعود إلى أتباع الإله الأكبر << إيل >> وتمركزت عقائدهم حول السلف التوارتي << إبراهيم>> ورواسب إقتران الإسلام بها يظهر باعتبار أنَّ الإسلام هو << الدين الحنيف>>
أما عن إختراق الثلاثية المقدسة للإسلام: يجد الباحث أنَّ الإسلام سار على خطى الحنيفية وهي: عبادة إله واحد هو << الله>> دون سائر الآلهة الثلاثمائة و الستون الموضوعة حول الكعبة، والله اسم إله غاية في الشهرة قبل الإسلام( أبو النبي محمد تسمى بعبد الله) ، وعبد الله بن جدعان، وعبد الله بن أريقط...وهكذا
ثم يتحدث عن الفداء الخاص بذبح إسماعيل، وعلاقته بالكبش (الإله إيل) ويتعرض للطقوس الوثنية التي أثرت في الحج فيما بعد تأثيرًا كبيرًا.
ثم قائمة المصادر و المراجع، وهي ثرية ومتنوعة ما بين التراثية، والكتب المقدسة، و المراجع الأجنبية.
بذا نكون قد أنهينا العرض، هو عرض مختصر ومخل لدراسة نراها مهمة للباحثين و المهتمين بدراسة المثيولوجيات والأديان.

أبنوب في: 17 تشرين أول/ أكتوبر 2016م







اخر الافلام

.. قدم المسيح على صخر كنيسة سخا الأثرية


.. انا وانا - خيري رمضان: التيار السلفي والإخواني عشش في جدران


.. حصري - بوكو حرام تنهزم امام الارادة الانسانية




.. ما الذي ينتظر الرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها؟


.. سوريا والعراق.. أين ذهب تنظيم -الدولة الإسلامية- وأي مستقبل