الحوار المتمدن - موبايل



المنحدر

نبيل محمود

2016 / 10 / 23
الادب والفن


((تلك الجثة التي [ غرستها ] السنة الماضية في حديقتك،

هل بدأت تورق؟ هل ستزهر هذه السنة؟))

ت. س. إليوت، الأرض اليباب


لم يكن يشكو.. ولكنه كان يذوي! اِنْسَلَّ من الفراش، قبل أنْ يزيح الفجر المتكاسل ظلام الليل الكثيف. تسلّل ببطءٍ شديدٍ، كقطةٍ سوداء اقتطعتْ قطعةً من الليل لتتوارى بحرصٍ زاحفٍ، لتحول دون اِفتضاح الأمر عند شيوع الضياء. خرج من البيت قاصداً المنحدر. تتحسّس قدماه وعورة الدرب الموحشة بحذر شديد. كان ينزل كأنه يتلمّس حبلاً طويلاً من الألم المبروم يشدّه إلى مجهولٍ لا يمكن استجلاء تفاصيله أو مداه. السير في العتمة ليس بالأمر اليسير، حيث تتعثّر الخطى بالحجارة والمطبّات الصغيرة. اِنتبهتُ إلى أنّ خطواته قد قصرت، وصار يميل إلى الخلف كثيراً؛ لصعوبة مجاراة حركاته المتباطئة لشدة الانحدار وليحافظ على توازن جسمه، ويمنعه من الانكفاء إلى الأمام والسقوط. في ذلك الوقت صعُب عليّ التمييز الدقيق بين الأشياء والظلال. في الظلام الدامس تكون السطوة للأصوات.. انطماس الأشكال يثير قلقاً مبهماً، ويبعث في النفس خوفاً غامضاً. يتمادى الخيال السمعي في رسم لوحةٍ مهتزّةٍ بالأسود والرمادي غير واضحة المعالم وغير محدّدة للوجود.

تمهّل في سيره وتوقف متّكئاً على شجرةٍ هائلةٍ هرمةٍ على الحافة الشمالية للمنحدر؛ لا يتمكّن من الاحاطة بجذعها إلاّ سبعة أشخاص متشابكي الأيدي. حدّق بفسحةٍ أمامه، وكأنّه قد عاين ما تعسّر عليَّ من تبيّن تفاصيله، من المكان الذي لبثتُ فيه بمسافة بعيدة بعض الشيء عنه. خاطب مَن لا أراه!.. بصوتٍ متهدّجٍ ولكن بنبرات واضحة سمحتْ لي بأن ألتقط شطراً كبيراً من الحوار وفاتني بعضه؛ لتشوّشه بفعل اختلاط أصوات الكلمات، أحياناً، بصوت خرير مياه الغدير الجاري بسرعة على يمين المنحدر:

- أيها الضابط! ماذا تعتزمون فعله بالرجل؟
- ما شأنك أنت أيها الشيخ؟ وأنا لستُ بضابط! إنني المشرف على تنفيذ حكم الإعدام!
- ضابط.. أم مشرف.. أو مهما تكون أيها المأمور! أنا أعرض عليك ما لن يفسد عليكم احتشادكم هذا لرؤية جسدٍ يتدلّى.. رقبتي برقبته!
- يبدو أنك لا تعرف هول ما ارتكبه هذا الرجل من فظائعٍ وجرائمٍ بشعة؟ هل تدري من هم هؤلاء الناس؟ ولماذا هم محتشدون حول منصة الإعدام؟ إنهم أهالي وأقارب ومعارف ضحايا ست فتيات قاصرات اغتصبهن هذا المجرم وقتلهن بوحشية.. إنهم ينتظرون منذ زمنٍ طويلٍ هذه اللحظة لإطفاء نيران الألم في نفوسهم.. اِنتظروا كثيراً بلهفةٍ حارقةٍ لحظة إحقاق الحق، وكلمة العدالة وهي تُنزل العقاب الصارم الذي يتناسب وفعلة هذا الرجل الشنيعة.. ولن تحظى أرواحهم بالسلام إلاّ حين يشهدون جسد هذا اللعين وهو يتدلّى بحبل المشنقة.
- هل لي أن أسأل عما كان طلبه الأخير قبل تنفيذ الحكم به؟
- لقد كان طلبه غريباً وصفيقاً.. طلب وجبة طعام ملوكية! وقد تناولها بشهية حيوان شره!
- أرأيت إذن؟! كيف يُقبل على الموت بشهية عجيبة! إنكم تُسْدون إليه معروفاً بإعدامه. هل تظن أن هذا المجرم كان سيُقْدم على ارتكاب جرائمه؛ لو لم يكن متأكداً من أنه سينجو بموتٍ سريعٍ من العيش الطويل مع عذاب تأنيب الضمير وآلام التذكّر لما ارتكبه من آثام في كل لحظة من حياته!
- هيا أيها الشيخ اِمضِ في سبيلك.. ولا تعرقل إجراءات العدالة، واعْفنا من الاستماع إلى هذرك وتخريفاتك!
- ها ها ها.. تخريفات! يبدو أنكم صنف آخر من البشر، ألم تسمعوا بحكاية مجرمٍ مماثلٍ في بلدٍ آخر؛ عندما طلب من السلطات أن يحظى بجرعةٍ مميتة و(الموت الرحيم) للخلاص من عذابات الضمير في حبسه، أتعرف أنت وهل يعرف هؤلاء من اعترض على طلبه فرُفض؟! إنهم أهالي الضحايا مَن تظاهروا واحتجّوا على منحه الخلاص بالموت! وأرادوا له أن يحيا مع نفسه الآثمة أطول وقت ممكن في سجنه الأبدي. نعم سيحظى هؤلاء ببعض السلوى والتشفّي للحظات، ولكنهم سيعانون عذابات وآلام التذكّر عوضاً عن هذا المجرم طيلة حياتهم، فيما هو سيفلت بلحظة ألمٍ من عذابٍ طويل!
- قلت لك امضِ في سبيلك أيها الشيخ الخرِف! وإلاّ ستُعتقل ويُزجّ بك في السجن بتهمة تعطيل سير العدالة. هيا امضِ!
- أنتم وشأنكم وعقلكم..! فأنا، أيضاً، أريد أن أمضي في سبيلي دون أن يُعيقني أحد..
أمركم عجيب، حقاً، مع الحياة.. والموت تمنحونه لمن لا يستحقه وتمنعونه عمن يحتاجه..!

هذا كل ما استطعت التقاطه من ذلك المشهد والحوار الغريب، من تلك المسافة التي تفصلني عنه،
في ذلك الوقت المعتم عندما يختلط الوضوح بالغموض. أوشك الفجر أن يلوح.. ولم يتبدّد بعْد ما قد يعْلق بالنفس من أفكار ومشاعر مشبعةٍ بأوهام الليل فلا يلاشيها غير النور. هل أستطيع تأكيد أو نفي تلك التفاصيل؟! وهل زدتُ من عقلي شيئاً على ما سمعته وما شاهدته بمشقةٍ رغم تحديقي وتركيزي؟! لن أستطيع الجزم بشيء مؤكد. الأمر الأكيد هو أنني كنتُ أنا، وهو كان هو.. وكلانا كنا هناك في منتصف المنحدر، في ذلك الوقت من نهايات ليلٍ في أشدّ حالات إنهاكه.
غادر الشجرة التي كان يتكّئ عليها، مبتعداً بخطىً واهنةٍ وقصيرةٍ عن ذلك المكان، وهبط قاصداً نهاية المنحدر. كان صوت خرير الغدير المتسارع يزداد حدةً في مفارقةٍ ساخرةٍ مع تباطؤ وتثاقل خطاه. كم كنت في حيرة من أمري وأنا أحاول تخمين ما كان يجول في نفسه وعقله في تلك اللحظة؟ وقد ضاعفت من حيرتي تلك الأفكار غير المألوفة التي دارت أثناء الحوار . كم كنتُ بحاجةٍ ماسةٍ حينذاك لضوءٍ يبدّد عتمة تلك الغرابة؟
- يا ويحي.. إنه يحبو!

*

كانتْ تتابعه وتتبعه، عن بعد، منذ أن غادر البيت. كان قد أقلقها، في الفترة الأخيرة، بطء حركاته وطول فترات صمته؛ لذلك صارت تراقبه باستمرار وتدقّق في كل تصرفاته وسلوكه. لم تفهمْ ما الذي كان يدور في عقله، وحاولتْ مراراً أن تستدرجه للكلام والإفضاء لها عما يشغله، عسى أن يلوح بعض الضوء الذي ينير لها دواخله لتتبيّن أسباب صمته الطويل وانعزاله الغريب عنها مؤخراً... وحين لمحته يكبو وكأنّ ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله واستند على ذراعيه لئلا ينكفئ على وجهه، جرت مسرعةً نحوه. اِستغرابه من ظهورها المفاجئ لم يكن أكثر استهجاناً من رؤيتها له وهو على تلك الحال من الضعف والوهن. تحامل على نفسه ونهض بسرعةٍ واقفاً؛ وكأنه أراد تبديد الانطباع الذي تركته كبوته في ذهنها. وليقلب الموقف بشكلٍ كاملٍ بادرها بالسؤال بنبرةٍ غير وديةٍ وبنغمةٍ لا تخلو من حدّة:

- ما الذي أخرجك من البيت في هذا الوقت؟!
- الأوْلى بيَ أنا أن اسألك هذا السؤال.. يا عزيزي، ما الذي يحدث معك؟ ماذا يجري؟ ما الذي يزعجك؟ لقد صار سلوكك غريباً في الآونة الأخيرة.. بالله عليك أن تفضي إليّ بما يؤرقّك؟ تغادر البيت في هذا الوقت، وتتحدث مع كائنات لست أدري إنْ كانت حقيقيةً أم هي مجرد أشباح... وتطلب مني أن أظل ساكنةً في مكاني وألاّ أتحرك؟ عزيزي، أرجوك، أفصح عما في نفسك.. سال صوتها الناعم - والذي كان دائماً يسمّيه الصوت العسلي- في نفسه كنغمٍ مهدئ، وأراد أن يتجه بالحديث وجهةً أخرى ليتحاشى الإجابة عن أسئلتها:
- هل ترين الفجر وهو يكاد أن يفتح عيونه؟! كم هو صافٍ وشفيف.. يرشّ الضياء النقيّ على يومٍ جديد، ويغسل وجوهَ الكائنات والأشياء من آثار الظلام.. لا تقلقي عزيزتي، إنه مجرد أرقٍ أردتُ تبديده بالتمشّي قليلا.. هيا اصعدي إلى الأعلى.. وعودي إلى البيت، فالدجاج والبط وبقية الطيور هناك بحاجة إلى من يطعمها ويرويها الماء.. وجهّزي لنا الفطور وسألحق بك بعد قليل.
- ما أشدّ غموض كلامك بوضوحه الظاهري! إن شاعريته تزيد من هواجسي وقلقي، أنا التي لطالما كنت أرى افتنانك بالشعر أخطر عليّ من ضرّةٍ حسناء! لن أطمئن ولن أبرح هذا المكان ما لم ترافقني وتمضي معي الآن. ما الذي يبقيك هنا؟ في هذا الوقت وبهذا المكان
الخالي والموحش؟
- لا تهوّلي الأمور يا عزيزتي، وأبعدي عنك هذه الهواجس.. إنني أرغب، فقط، باستنشاق أنسام الفجر.. وسأتبعك صاعداً على مهل..
- لست أدري.. لماذا هذا الشعور بعدم الارتياح يزعزع طمأنينة نفسي؟.. شعورٌ بالانقباض يُشنّج أضلاع صدري ويضغط على قلبي.. لستُ أدري كيف تقنعني، دائماً.. أرجوك لنصعد معاً إلى البيت..... هل ستتأخّر كثيراً؟!!!
- أنا الذي أرجوك أن تهدئي.. لا لن أتأخّر.. سأوافيك بعد قليل.. هيا عزيزتي..

راح يتطلع إليها وهي تستدير بتلكؤٍ وتؤدةٍ وتخطو عائدةً إلى البيت. تتلفّت إليه مرات ومرات، كلما سارت بضع خطوات. كان يتأملها بحيرةٍ، وبالوله نفسه الذي شعر به منذ أن قابلها للمرة الأولى في زمنٍ آخر.. زمن جميل وبعيد.. وما إنْ ابتعدتْ صاعدةً وغابت عن ناظريه؛ حتى استدار ليواصل هبوطه من جديد بخطواتٍ واهنة..!

أعوامٌ طويلةٌ وطيبةٌ مرت عليهما معاً، في هذا البيت الرابض على هضبةٍ منبسطةٍ شديدة الاخضرار، حيث قررا العيش فيه. بيت رغم عزلته إلاّ أنه لم يكن يبعد كثيراً عن البلدة التي غادراها. لقد راق لهما أن يكونا في قلب الطبيعة، في بيتٍ يحاذيه جدولٌ هادئ بمائه الرقراق الذي يجري بسلاسة وروية. كانت قد درست الزراعة ورغبت، دوماً، في أن تمارس فنونها بيديها، وحين سمعا بالبيت المعروض للبيع كان هو قد تقاعد، وقتذاك، من العمل الرتيب في إحدى دوائر البريد؛ فكانت فرصتهما الذهبية لينصرفا إلى تجربة حياةٍ جديدة. كانت تبدو مغامرةً غير محسوبةٍ في رأي الكثيرين من معارفهما؛ فالبيت كان مهجوراً وينقصه الكثير وبحاجةٍ إلى الترميم والملحقات، لكي يرتقي إلى بيت تتوفر فيه مستلزمات الحياة العصرية. ولقربه من البلدة كان ضمن نطاق خدمة النت والموبايل، من حسن حظهما، لكن المشكلة الأكبر كانت مشكلة الطاقة الكهربائية. تغلّبا على ذلك بشراء مولدة كهربائية بمواصفات ممتازة تكفي لتجهيز البيت بالطاقة اللازمة، ورمّما كل مرفقٍ من مرافق البيت بحاجةٍ إلى ترميم.. السقوف والجدران والطلاء والأبواب وزجاج النوافذ.. إلخ. وأضافا ملحقات أخرى.. أقفاصاً للطيور التي كانت ترغب بتربيتها، وحقلاً صغيراً خلف البيت لزراعة الخضروات.. وحقلاً واسعاً أمام البيت لزراعة الورود، النادرة منها خصوصاً، فقد كان تخصصها وملمةً بكل تفاصيله. وغرسا العديد من الأشجار بهندسةٍ متقنةٍ وبتوزيعٍ متناسق.. حدث كل ذلك قبل سنوات.. وقد سمّيا المكان (فردوسنا)، بعد أن باعا بيتهما في البلدة وأنفقا كل مدخراتهما في سبيل ذلك. أثمر تحقيق حلمهما، حين نجحا في تسويق الورود النادرة لمحلات بيع الورود في البلدة، بشكلٍ يكفي لسد متطلبات معيشتهما، وحظيا بالكثير من الأوقات الهانئة البعيدة عن التوتر وصخب الحياة الحضرية. هي منشغلة مع ورودها وطيورها.. يشاركها بشغف المحب اهتماماتها. وهو منكبٌّ على القراءة والكتابة.. تشاركه أفكاره وتقترح عليه لمسةً جميلةً هنا وومضةً كاشفةً هناك، بذهن امرأةٍ متفتّحةٍ ومُحبّة للحياة. لم يأملا، أبداً، أنّ أعوام حياتهما المتأخرة ستكون بتلك الفتنة والسحر.

ولكنْ هل يظل الزمان ينسج نسيجه الرائع بالنول نفسه، وبالمهارة ذاتها، وبالجمال عينه؟!

*

الليل أرقٌ، والنهار خذلان.. الجسد موطن الحياة، إنْ تهالك فإنه نذيرٌ بانكسارٍ ما، وباحتضار الروح. لابديل عندي سوى الإقدام والمضيّ في سبيلي. لمْ أجدْ سبباً واحداً مقنعاً أو حافزاً مجدياً بغريني بالبقاء. سيشقيني الهبوط مثلما أشقاني الصعود ولكن شتّان بين شقاء الصعود وشقاء الهبوط.. الصعود دافعه انفتاح على الآفاق الجديدة والأمل وتوقّع ما هو مبهج وسار؛ أما الهبوط فمدفوعٌ باليأس والإحباط ونفاد الوقت ونضوب الطاقة وتبدّد الحيوية وانتفاء اليقين من أن شيئاً جميلاً سيطرأ على حياتنا من جديد. إنّ رغبة الكائن للبقاء عند القمة الشاهقة الصافية التي بلغها، في وقتٍ ما، والاحتفاظ بحالة الديمومة خيار لمْ ولنْ يفلح أبداً.. كاستحالة احتفاظ الموجة بذروتها أو الرجوع إلى نقطة البداية من جديد. تأخيرُ بلوغِ النهايةِ مهما اجتهدنا محاولةٌ فاشلةٌ، ومخاتلةٌ خاسرةٌ ضد طبيعة الأشياء..

كنا نتبادل حديثاً لطيفاً، ذات مساء قريب، ونحن نتناول وجبة العشاء، حينما تجشّأتُ فجأةً تجشّؤاً بصوت مرتفع.. كان ذلك الجُشاء بسبب تلكؤٍ معوي وضعف جهازي الهضمي عن التعامل مع ما يدخل جوفي من طعام، وسوء هضم صار يلازمني منذ فترةٍ ليست بالقصيرة، ولم يكن بسبب امتلاء معدتي بما يفيض عن حاجتها؛ لذلك كنت أعمد إلى تقليل كمية الطعام التي أتناولها مما زادني وهناً على وهن.. اِرتسمت على وجهها ابتسامة متعاطفة، لكن طرفة عينيها الجافلة التي لم تستطع السيطرة عليها، جعلتني أشعر بحرجٍ شديد، لشعوري أن تصرفاتي وسلوكي، في الفترة الأخيرة، قد باتا يضغطان على أعصابها بشدّةٍ، مهما حاولتْ إخفاء ذلك أو المداراة عليه. ليس سهلاً ضبط الإيقاع على نغمٍ جميل، بشكلٍ دائم، بين كائنين يعيشان متقاربين معاً على مدار الساعات ومرور الأيام الطويلة.

نتوهّم أنّ الأنا هي الأنا ذاتها في كل لحظة..
إنّ صورتنا الذهنية عن ذواتنا فيها الكثير من الوهم والقليل من الحقيقة. نُراكِم طبقات من خصالٍ جميلة فوق صورتنا على مَرّ السنين، ونتغافل عما يعتريها من نقصانٍ ونضوبٍ وشيخوخة. كلما قلنا (أنا) نحسبها تلك الصورة الفتية الجميلة ذاتها شكلاً ومضموناً، ونتناسى ما يطرأ عليها من تجعّد وتشوّه وخبوّ بريق. وفي لحظة ما وفي موقفٍ مباغتٍ تشخص أمامنا وتطلّ علينا فجأة (أنا) أخرى ضامرةً وشاحبةً غير تلك التي اعتدْنا على رؤيتها. ما أوجع تلك اللحظة!.. كلحظة مقابلتنا لشخصٍ لم نقابله من أيام الصبا، فإذا بنا أمام أطلال شبابٍ ذاوٍ وشيخوخةٍ متغضّنة.. فنهتف به صائحين: واه ماذا فعل بك الزمان؟! وكأننا نتغافل عن أننا، أيضاً، خاضعون لتصاريف الزمان نفسها وهشاشة الكينونة ذاتها..!

كم كانت الأوقاتُ سعيدةً، والأيامُ هانئةً، حينما أوينا إلى ذلك المكان الجميل؟ الصباحات المشرقة بالود والليالي الغافية في مهجع العشق. كم كانت فتنتها ساحرةً، بمشيتها المتهادية كنسيمٍ منعشٍ وهي تمضي إلى حقل ورودها لتقطف زهورها النادرة، أو تصحب بطاتها المكتنزة إلى الجدول لسباحة الصباح.. ثم تعود فوّاحةًً بالعطر ومبلّلةً بالرذاذ.. اِمرأةٌ مفعمةٌ بالأنوثة، تسيل الحلاوة منها، كثمرةٍ انفطرت قشرتها من فرط نضجها وامتلائها. في الأمسيات كان إيقاع صوتها العسلي يُضفي على الكلمات عذوبةً وشهْداً. تعزف على أوتار الروح، فتنساب الأنغام الملونة لتدغدغ بذبذباتها المسْكرة خلايا الجسد، ولتثير منابع اللذة وتشكّل مع ألوان الغروب لوحةً من الفتنة الآسرة. أما لونها الخمري فقد كان نبيذ عمري.. فنمضي ثمليْن، ليهزّنا سريرُ الليل المتموّج بالأشواق المضطرمة والرغبات المتّقدة، وكأننا في زروقٍ مترنّحٍ لا نتمنى أن تنتهي بنا لحظات رحلته الساحرة. متى تراكم، إذن، كل هذا اللحاء المتغضّن كطبقاتٍ من أسىً متجعّد، وأجهز على عنفوان الصبوات، وأخمد توهّج شهوات ذلك الوقت اليانع المضيء..؟!

منذ مدةٍ قصيرةٍ كنا جالسيْن نستمتع بمشاهدة فلمٍ رومانسي. وخلال مشهد مثير وساخن من الفلم اطلقتْ زفرةً متحسرةً وآهةً لم تستطعْ كتْمها. ولما التفتت إليها كانت تعابير وجهها متشنجةً ومتوترةً، وكأنها تحاول مواراة ما بدر عنها رغماً عنها؛ كانت وكأنها تعاني من إحساسٍ بالذنب؛ لأنها نسيت وجودي قربها واندمجت بشكل لا إرادي مع المشهد المثير. حاولتُ ألاّ أحرجها، وتظاهرتُ بعدم الانتباه لما صدر عنها، مع أنه بدا وكأنه تعبيرٌ عن استثارة رغبةٍ غير مشْبعة. المعرفة كلها لن تمنحنا اللذة التي تهبها لنا لمسة إشباعٍ حية. قرأت مؤخراً شيئا طريفاً عن المرأة كأنثى؛ بأنها الأقرب إلى العشّ والمهجع من الرجل بكثير. إنْ كان الرجل باندفاعه كالسهم الطائش، فإنه في حسابات المرأة ليس أكثر من غصنٍ مرهفٍ، تحنيه بيسرٍ وسهولةٍ في كل اتّجاه، وعينها الثاقبة مثبّتة باستمرار على عدّاد الخسارة والربح العاطفي! وخزة الألم تختلج في سَوْرة أية لذة. يوجد دائماً ما هو منفلت ولحظة لا عقلانية غير قابلة للفهم العقلاني في غور عاطفة وشغف أي إنسان.

كذلك أخذت أحاديثنا تنحو مساراً مختلفاً؛ ففيما مضى كنا نستلذ بالحديث مهما بدا أنه يدور حول مواضيع قد يحسبها من يسمعها تافهةً. كان اهتمامنا منصبّاً على صوت وشخص أحدنا الآخر وتعابيره أكثر مما نحن منشغلان بموضوع الحديث. كانت أحاديثنا تطول وتطول لمجرد الاستماع للآخر. في حوار المحبين يكون الشخص الآخر أكثر أهميةً من موضوع الحوار. إن تغيّراً في شكل الحوار تعبيرٌ عن تغيّرٍ في التضاريس العاطفية والخرائط الوجدانية للنفس البشرية. أخذت أميل للصمت أكثر فأكثر؛ عندما لاحظتُ أنّ جملها قد بدأتْ تقصر وتكتفي، أحياناً، بالنفي أو الإيجاب أو الإيماءة المتكاسلة فحسب.. مع هذا التغيّر في أسلوب الخطاب وتخلّله بفترات صمتٍ طويلة، كان عليّ أن أمسك عن الاسترسال في الكلام، وبات كل كلامٍ بيننا مجرد تواصل وظيفي في الشؤون والتفاصيل الضرورية للعيش بين شخصين. كان الشغف والجمال يبتعدان بعيداً عنا، وينحسران من حياتنا شيئاً فشيئاً..

لم تكن تنقطع عنا زيارات المعارف والأصدقاء. كنا نقضي وإياهم أوقاتاً طيبة، منذ استقرارنا في هذا المكان، وبعد مرور بعض الوقت ورؤيتهم لما صار عليه المكان من روعة وجمال؛ صاروا يألفون المكان ويحبونه ويتمنى بعضهم أن يحظى بفرصةٍ مماثلة. كان أولئك الذين عارضوا وشككوا برجاحة قرارنا، وصواب خيارنا ونجاحنا، من بين أكثر من أبدى ارتياحه وإعجابه بنمط العيش الذي اخترناه، وهم أنفسهم كانوا قد وصفوا انتقالنا إلى هنا بالمغامرة غير المحسوبة!.. كان ذلك يُشعرنا بمزيد من الزهو والفخر، ويمنحنا الثقة بأنفسنا وبقدرة الإنسان على الاختيار وتغيير حياته. وباختصار لم نهجر الحياة الاجتماعية ولا افتقدنا الرفقة؛ فقد كانت البلدة قريبة ونملك سيارة معقولة، ما سهّل علينا القيام بزيارات خاطفة أو تسوّق كل ما كنا نحتاجه بيسر من أسواق البلدة.

في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، لما ساءت علاقتي بالنوم واستعصاؤه عليّ - فعادة ما كنتُ استلقي دون أن أحظى بالنوم فعلاً - خطرت ببالي قصيدة من قصائد إليوت، ولم استطع تذكّر جميع سطورها وصورها؛ فتركت غرفة النوم لجلب كتابٍ عن أعماله من الغرفة التي اتخذناها مكتباً صغيراً للكتابة والقراءة واستخدام الحاسوب ومكتبةً صغيرة لكتبنا. دخلت المكتب وكان الضوء خافتاً فيه.. تفاجأتْ من دخولي عليها، وارتبكتُ أنا أكثر منها لما أصابها من اضطرابٍ وارتباكٍ شديدين. كانت ممسكةً بالموبايل الذي ابعدته عن أذنها بحركةٍ سريعةٍ ووجلة! توجهتُ الى رف الكتب والتقطت الكتاب، وهممت بالخروج. لاحظتُ أنها قد رسمت على وجهها ابتسامة مصطنعة ومتكلّفة، وبذلتْ جهداً كبيراً لتبدو طبيعيةً. ودون أن أسألها عن أيّ شيء وأنا في طريقي إلى مغادرة غرفة المكتب، قالت بصوت بدا الارتعاش واضحاً في نبراته:

- كانت هذه صديقتي، تعاني من مشاكل معقّدة، وكنت أحاول التخفيف عنها، هل جفاك
النوم مرة أخرى؟ هل تود أن أجهز لك شيئاً لتأكله أو تشربه... قدح من الحليب الدافئ سيكون مفيداً لك..

كانت تريد أن تطيل الحديث؛ وكأنها تريد تشتيت انتباهي بعيداً عن التفكير فيما كانت تخوض فيه من حديثٍ منزويةً في ذلك الوقت المتأخر من الليل؛ فقد بدا أنها خمنّتْ بما شعرتُ به من عدم قناعة بحجتها. إن أحاديث ما بعد منتصف الليل ليست بالأحاديث العادية؛ فهي أحاديث في شؤون ذات طبيعة حميمية غالباً! أو لطارئ مكروه... لذا لم تكن لدي أية رغبة في تبادل أيّ حديثٍ متكلّفٍ ومخاتل؛ فآثرت الانسحاب وأنا أجيبها بنبرةٍ خافتةٍ فيها من الجفاء أكثر مما فيها من اللطف؛ ولأجنّبها المزيد من الحرج والضغط على أعصابها في الوقت نفسه:

- شكراً.. لا تتعبي نفسك واستمري بما كنت فيه!.. دخلتُ لآخذ هذا الكتاب فقط.. وأنا خارج..

يبدو أن كلماتي زادتها حرجاً واضطراباً، فلحقت بي وهي تحاول ملاطفتي.. فأفهمتها بأنني أريد القراءة، ولا رغبة عندي في خوض أي حديث. كانت الفجوة بيننا تزداد اتساعاً والجفاء يتمادى ويصبغ أوقاتنا بالمزيد من العبوس.
مضت الأيام الأخيرة في جو يسوده التوتر، وصارت برتابتها وجفافها مثل الورود الاصطناعية بلا عطر، وملمسها بات بلا نبض ولا حياة. لم تعد باقات الزهور تزيّن مائدة الطعام أو منضدة المكتب أو غرفة النوم. تلك الباقات التي كانت تحرص على أن تحملها من حقل الورود وتشيع في البيت جواً من الألفة والرقة والبهجة. وفترات الصمت باتت أطول، والضحكات والابتسامات بهتت، وصارت كالابتسامات المتكلفة والجامدة على الأقنعة! تبدّل نمط الحياة وصار مجرد روتين. المراوغة والمخاتلة استولت على السلوك عوض العفوية والتدفق التلقائي.

قبل ليلتين كنتُ في غرفة المكتب، وبعد أن انتهيت من وضع اللمسات الأخيرة لمقالة عن النص ومشكلة التجنيس الأدبي كانت إحدى المجلات الثقافية قد طلبته مني، نظرت إلى الساعة ووجدتها قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. وكالمعتاد فتحت الباب وخرجت لإطفاء المولدة الكهربائية التي كنت أقوم بتشغيلها عند الصباح بعد استيقاظنا. كانت الشركة التي تولّت تجهيز ونصب المولدة هي التي تقوم بأعمال الصيانة الدورية شهرياً، وتجهيز الوقود والزيوت اللازمة لها. بالطبع كانت فاتورة خدماتها الرقم الأعلى في قائمة مصاريفنا. اندهشتُ لوجودها في الباحة الأمامية المظللة الملاصقة لمدخل البيت، حيث اعتدت الجلوس كل صباح أتأملها في غدوها ورواحها بين حقل الورود، ومن حين لآخر كانت تلوّح بزهرةٍ نضرةٍ استثنائية قد قطفتها، والابتسامة على وجهها لا تقلّ عن الزهرة تفتّحاً وإشراقاً..
كانت جالسةً على الكرسي بوضع استرخاءٍ وخدَر، وتُمدّد ساقيها على منضدة صغيرة، كانت بوضع استلقاءٍ أكثر مما كانت بوضع جلوس.. تتحدث بالموبايل بصوتٍ خافت أقرب إلى الهمس منه إلى الكلام. ويبدو أن مكالمتها الحميمة قد أنستها وقت خروجي لإطفاء المولدة عند الواحدة ليلاً. وما إنْ انتبهت إلى خروجي وتمهلي قليلاً بالقرب منها، حتى أصيبت بالفزع الشديد إلى الحد الذي أسقطت الموبايل من يدها وهي تنتفض واقفة. لم أتوقف عندها ومضيت إلى غرفة المولدة. عند عودتي كانت لا تزال تحت تأثير المفاجأة، وحاولتْ مواجهتي وهي ترسم تلك الابتسامة المتكلفة على وجهها؛ وكأنها تريد مباشرةَ حديثٍ لتزيل ما قد يكون قد خلّف وضعها في نفسي من وقعٍ سيء.. لم أتُح لها الوقت لتنطق بالكلمات التي كانت على طرف لسانها، وتجاوزتها متجاهلاً ودخلت إلى البيت. فهناك من المواقف يكون فيها الصمت أبلغ من الكلام، وكان يكفيني منها ذلك الفزع الذي استولى عليها وكانت لا تزال تعاني من وطأته..
تذكرت شذرة من (أصوات) أنطونيو بورشيا ورحت أردّدها بيني وبين نفسي:
(يولد الحبّ من حبّين ويموت في واحد.)

ها هو الفجر قد مهّد لوحة السماء لألوان الصباح، وأشاع الدفء والحياة في أرجاء الأرض. ارتدت أصوات الليل أشكالها. اِتّضحت المبهمات بالمرئيات. توارت أسباب الهواجس واختفت فخاخ التوجّس وانكفأ الخوف. زقزقةٌ ورفرفةٌ ودبيب. حركة وجريان. اللون البنّي الداكن للخريف يكتسح ما بقي من الألوان الذهبية الحائلة، فيطرق سمعي رنينٌ لامع.. كصوت ناقوسٍ يعلن عن غياب ما.. وصوت خشخشة الأوراق الذابلة تحت خطوات أقدامي المتثاقلة يهسهس في الروح بوقار وإيقاع لحنٍ جنائزي حزين.. لم يخطئ القدامى حين ربطوا بين الحيوات والأفلاك والأبراج إلاّ بالمنهج والنظرة إلى الزمان!.. فالزمان ليس واحداً وإنما هو أزمانٌ. وهي أزمان داخلية وليست قدراً ينقض على الموجودات من الخارج. تنبع وتتدفق من الداخل إلى الخارج. دوائرٌ زمنيةٌ متباعدةٌ أو متقاربةٌ أو متداخلة. دوائرٌ زمنيةٌ هائلةٌ تحتوي الدوائرَ الزمنيةَ الأصغر فالأصغر وتؤثّر فيها وتتأثر بها.. دوائرٌ لانهائية بعدد الكيانات التي تتكون والتي تضمحلّ، بتجمّع أو تفرّق عناصرها. وأكثر تلك الدوائر الزمنية تعقيداً، على صغرها، هي الدوائر الزمنية للأحياء التي تولد وتموت ببناء الخلايا وبفنائها. ومعدل بناء وفناء الخلايا هو الذي يعطي الحياة المعنى والحيوية. زيادة في المعدل هو نمو، وتعادله استمرار الحياة، وتناقص معدل البناء عن معدل الفناء اِقتراب من الموت. أما الدوائر الزمنية الأعقد والأكثر غموضاً فهي الدوائر الزمنية للإنسان! لأنها الدوائر التي يحدث فيها الوعي الحاد والمكثف بذاته وبالعناصر وبالخلايا والوجود؛ وما ينتج عن ذلك من إحساسه المأساوي بالزمان وانقضائه.. إدراكه المفجع بنفاد زمنه الخاص خصوصاً.. واستحالة انطباق الدوائر الزمنية للذوات المختلفة وتوافقها مع بعضها هي المأساة الكبرى للحياة!
وفي نهاية المطاف كل منا يمضي وحيداًً.. تلك الوحدة المطلقة التي لا يصحبه فيها أحد.. تلك الوحدة التي لا يعانيها أحد في حياته الطويلة إلاّ مرة واحدة وأخيرة.. يمضي وحيداً حبيس دائرته الزمنية الخاصة وقد انفرطت أسبابها مع أي شيء، وانقطعت علائقها مع أي شخص، وأوشكت على التلاشي والتحوّل إلى نقطة عدمٍ بلا حجم ولا وزن!
وحدة الذات مع ذاتها.. نقضمها فتلتهم وجودنا الخاص مرةً واحدةً والى الأبد..
فهل ظل لي غير أنْ أتمنّى ما تمنّته (سيبيلاّ)..؟!

وهذا الماء - كلما فكرت به تقفز عبارة هرقليطس إلى ذهني - الذي يجري بسلاسة وهدوء هناك في الأعلى قرب البيت. هل هو نفسه هذا الماء الذي يجري مسرعاً في المنحدر؟ وخريره كأنه أنينٌ مما يجرحه من حجارة وحصى وتعرجات في مجراه..
وهل هو الماء نفسه الذي أراه الآن عند نهاية المنحدر، الذي بلغته، ووصلت إلى حافته المشرفة على الهاوية؟
الماء الذي فقد ضفافه وصار الفراغ مجراه.. لا شيء يتمسك به أو يتشبّث به.. لا شيء غير هذه الجاذبية التي انفردت به وجرّدته من أية مقاومة..
شلالٌ يُسْلم نفسه كليةً إلى الجاذبية التي تشدّه بسرعة مرعبة إلى الأسفل..
عارياً ومحروماً من المجرى والضفاف.. لا شيءٍ يحتويه أو يضمه..
الرذاذ المتناثر صيحات فزع..
والهدير آلام سقوط..
بلا ضفافٍ تحتضنه، ولا شيءٍ يمنعه من السقوط..

فيسـقط.. ويسـقط.. ويسـقط..

يسـقط.. ويسـقط..

يسـقط..

يسقـ ..

يسـ ..

يـ ..

..

.

!!!







اخر الافلام

.. وسط حضور زخم افتتاح معرض «ا?بداعات» للفن التشكيلي 0


.. طلاب إعلام سوريون في الأردن يعرضون أفلام تخرجهم من الكلية ال


.. فيلم توضيحي حول اعمال مركز علاج الادمان.




.. لأول مرة.. شاهد مقتنيات أميرة السينما المصرية مديحة كامل


.. هيئة البحرين للثقافة والآثار تكرّم خالد الشيخ بحفل «كلما كُن