الحوار المتمدن - موبايل



كارل ماركس في العراق / الجزء السادس والعشرون

فرات المحسن

2016 / 11 / 3
الادب والفن




ـ والله لخاطر هذا الرجال راح أوصي أم داوود تسوي قيمه أو باجر اجيبله سفرطاس كامل.. ثواب لروح الموته.

كان ماركس يفكر في حلمه الذي تحدث فيه مع رفيقه إنجلز بتفاصيل كان يود الإفصاح عنها، كان يحتفظ بها داخله وها هو قد قالها في حلمه الجميل، استرسل فيها وكأنه يتحدث عن وقائع ونماذج تتعلق بطبيعة هذا المجتمع كان بحاجة لتدوينها. تمنى لو لم يستيقظ من النوم وأن لا يأتوا لإيقاظه، فأحلام الرعب والكوابيس كانت الوحيدة التي تعبث بلياليه على مر الأيام الماضية، ولكن اليوم اختلفت وكان رفيقه بجانبه مثل ماضي الأيام.
ــ عيوني قادر دكَوم غسل وجهك.. راح يجي أبو عفيفة حتى تتريك وتشرب جاي وترتاح.
ــ هم أجوك جماعة أبو تركي بالليل؟
ــ نعم أتوا منتصف الليل وكانوا مؤدبين جدًا.
ــ خوب ما آذوك لو فتشوك؟
ــ كلا كانوا مسالمين.
ــ إي مو أبو عفيفة دهن زردومهم.

ــ دهن زردومهم.. ماذا تعني كلمة دهن زردومهم؟
ــ يعني أنطاهم المقسوم.
ــ وما معنى المقسوم؟
ــ يعني الخاوه الشهرية.
ــ وماذا تعني الخاوه الشهرية؟
ــ لك عاد مو من صبحية الله تفرغ خبالاتك براسنا.. هسه أحنه خاشين يوميه بحزوره وطالعين من حزوره وأنته اليوم جاي تسأل وأحنه أنجاوب وما تفتهم.
ــ أي أبو داود.. تتذكر ذيج الأيام السوده من طلعو علينا البعثية إبلتيقه.. أنت تسأل والحزب يجيب.. هسه أستاذ عبد القادر يريد يسويها ويانه.. عيوني أستاذ قادر دكَوم غسل وجهك وأشرب ماي وأتهده بالرحمن ولكل سؤال جواب أنشاء الله.
ــ أنشاء الله أغاتي.
قالها ماركس ورفع عجيزته بتثاقل وذهب إلى داخل المقهى ليقف عند حنفية الماء للاغتسال. وقف أمام المرآة المغبرة الموضوعة أعلى الحنفية وراح يطالع وجهه الشاحب المتعب وعينيه الكسيرتين. ها هي لحيته قد نمت وارتفع شعره رأسه بعض الشيء، ربما لا يحتاج سوى أسابيع أخرى لتختلف صورته كليًا عن وضعها السابق بعد الحلاقة القسرية القاسية التي أرتكبها المجرم أبو بشير ومرتزقته وكذلك عندما كانت عليه في السجن، ولكن ماذا سيكون عليه الوضع بعد ذلك الزمن. مد يده وأراحها تحت صنبور الماء ثم رشق بقوة وجهه بقبضة ماء. وكأنه يريد أن يوقظ نفسه من غفوة أو غفلة، شعر في هذه اللحظة برغبة قوية في جعل انفعالاته تنفجر، رغب أن يصرخ بكل ما أوتي من قوة، يريد لروحه أن تستجيب الآن برد فعل حاد لكسر لحظة المتاهة المرعبة التي يدور فيها عقله وجسده، يريدها أن تصرخ ليخرج كل ذلك الغضب اليائس الحبيس الذي يمزق صدره. يريدها أن تعلن تمردها على الواقع المفرط المرارة الذي وقعت فيه، تفتت حال التخبط والاعتباطية التي يجرجره نحوها القدر الهمجي الخبيث، أن تكسر عجزها وقصور تحليلها لما هي عليه، وتعاف السؤال عن كيف ولماذا وضعت حالها في كومة مآزق، وبدت وكأنها في ميزان المعالجات جاهلة وفاقدة للقدرة وتفتقر لأي خبرة حياتية، ضعيفة الحيلة مدحورة القوى. وهو في تفكيره اليائس المتطير هذا، راح يرشق وجهه بالماء بقوة وعجالة وتكرار جعل أبو داوود وأبو رجب ينتبهان لما يفعله ماركس ويتبادلان نظرات الشفقة.
ـــ شوفه خطيه.. مسكين.. مو بيده.. الله لا يوفقكم والله يجازيكم بالأسوأ منه على هذي العملة السويتوهه بالرجال.
ــ أي والله خطيه مسكين.. والله آني أخاف فد يوم يسوي بنفسه فد شي.
ــ عمي أستاذ عبد القادر.. أستاذ عبد القادر.. تره أبو عفيفة أجه بعربانته.. تعال تريك..
قال أبو رجب ذلك وسحب ماركس من يده ليجلسه فوق التخت جوار عربة أبو عفيفة. الذي بدوره سأل ماركس عن ما جرى له ليلاً فلم يرد ماركس بغير كلمة واحدة.
ــ جيد.
ــ خوب محد آذاك؟
ــ كلا. شكرًا لك.
ــ هل ترغب بلفة كباب عروكَ لو تتريك ويايه جبن؟ آني جايب ويايه لفتين جبن.. ملت روحي من العروكَ.
ــ ليس لي شهية للأكل الآن.. شكرًا لك سيدي.
ــ حتى لو نص صمونه تفتح بيه ريكَك.
ــ كلا فقط أرغب بتناول الشاي.
بحركة وكأنه يدير شيئًا ما بأصابعه في الهواء أومأ أبو عفيفة لأبو داوود ثم أشار نحو كارل ماركس، فهم أبو داوود الإشارة فجاء بقدح شاي وقدمه لكارل ماركس وجلس جواره.
ــ وحق الأخوة هذا من راس القوري أستاذ قادر... بلجي على كَصتك الشغل اليوم يصير أحسن.
ــ شنو راس القوري؟
ــ راس القوري يعني أنته أول واحد نقدمله الجاي قبل ما يطلع جاي من القوري لغيرك.

أخذ ماركس يرتشف الشاي ويطالع حركة الناس في السوق وفضل عدم الإجابة على الأسئلة أو حتى مجارات حديث أبو داوود .كان يريد أن يعبر عن موقف ما أمام الأحداث وأن لا يظهر قلة حيلة وعدم قدرة على التحكم بالوقائع. وكمحاولة منه لسد الثغرات الغير متوقعة إن شارك بالحديث أو أجاب على الأسئلة، فضل خيار الصمت في هذا الوقت،فهو إيحاء مناسب لحالة الجنون التي يظنون أنها تتلبسه. دعهم يفكرون بما يشاءون فما عاد ذلك يهم، وليمتنع عن الإجابات لبعض الوقت حتى لا تكون إجاباته مصيدة لكشف أسراره، وما عليه بعد كل تلك المصائب غير التفكير بالخروج نحو فضاء الحرية والوصول إلى بلده بعيدًا عن بلد العجائب ومكمن القلق والخطر، وليكن خروجًا عجولاً من هذه المتاهة. عليه أن يجد الدفاع المشروع عن النفس، وهذا لن يكون موجودًا دون تغليب المصلحة الذاتية. ولكن هل ممكن تحقيق هذا بوجود القلق والخوف المتفجر أمامه كل لحظة. وهل تغليب المصلحة الشخصية سوف يجلب الأمان ويطمئنه.

ــ عيوني أستاذ قادر دكَوم بدل وره الوجاغ.. هذي سترة وبنطلون وقميص بلكي تصير على كَدك؟
ــ عاشت ايدك أبو عفيفة والله أبن أوادم يصيبك ثواب أو أجر بهذا المسكين.

ــ هاي باقيات عندي من جنت معلم.. أم عفيفة ضامتهن بالكنتور.. أدكَول هاي الهدوم إذكره بأول شوفه شافتني بيها من أجينا نخطبه.. وآني كل مره أكلها يمعوده تعوذي بسم الرحمان أي مو صرنه شياب، والهدوم هاي راح ياكله العث، لكن هيه راكبه راسه ومترضه.. البارحة كَلت يزي عاد وهاي الهدوم ترهم القادر أفندي وخلي يكدرها.
ــ بعد شتريد أستاذ قادر.. أجاك قاط بالباكيت.
ذهب ماركس خلف الستارة حيث مخزن قناني الغاز المجاور لطاولة قوارير الشاي. خلع ملابسه القديمة المتسخة وارتدى الملابس التي أهداها له أبو عفيفة ومسح بقميصه القديم فردتي حذاءه الموحلتين، وخرج فارتفع صراخ وتهليل من أبو رجب ومعه أبو داوود مرددين.
ـــ الله ومصلي على محمد وآل بيت محمد.. عريس وربعه يزفونه.. عريس وربعه يزفونه.
لم تبدر من ماركس كلمة ولكنه ابتسم ابتسامة شاحبة لم يرغب بأن يلاحظها الغير وخرج ليجلس في مكانه المعتاد قرب عربة الطعام.
ــ يابه كون على ثقة حسبالك الهدوم أمفصله إلك تفصال، علخير عيوني أستاذ قادر.
ــ أشكرك أبو عفيفة.. ممنون أغاتي.
ــ أي هسه لو مكمله وجايبله بينباغ جان رجع مثل كَبل على عهد الكلية من جان يوكف بالصف هيبه.
ــ أستاذ قادر تلبس رباط ويه القاط؟
ــ لا أحبذ لبس ربطة العنق.
ــ د عوفو للرجال.. هسه بعدك متشتهي تاكول أستاذ قادر..؟
ــ قطعا.. لا أرغب الطعام الآن.
ــ براحتك.. من تجوع كَلي.







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج