الحوار المتمدن - موبايل



الوطنية الديمقراطية وإعادة بناء الدولة العراقية

لطفي حاتم

2016 / 11 / 11
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية







تمر الدولة العراقية ومنظومتها السياسية بحزمة من الاشكالات الوطنية منها استعصاء حل الازمة السياسية ، ومنها انتشار الارهاب وكيفية مواجهته وطنيا ، ومنها انتشار المليشيات المسلحة وتنوع امتداداتها الداخلية والخارجية ، ومنها الازمة الاقتصادية التي ادت الى تهميش الكثير من الشرائح والطبقات الاجتماعية فضلا عن سبل مكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة العراقية .

ازاء هذه الاشكالات (الصادمة) تسعى بعض القوى السياسية الى اعتماد مشاريع وطنية ديمقراطية هادفة لبناء الدولة العراقية على اسس الشرعية الديمقراطية والمعايير الوطنية والعمل على بناء شبكة الضمانات الاجتماعية كشكل من اشكال العدالة الاجتماعية .

على اساس تلك الوقائع الاجتماعية والسياسية اسعى الى تحليل معوقات بناء الدولة العراقية من جهة ومتابعة امكانية تحول قوى المشروع الوطني الديمقراطي الى كتلة اجتماعية سياسية قادرة على اعادة بناء دولة العراق الوطنية ، متناولا مشروعها الديمقراطي ضمن عدد من العناوين ــ
العنوان الاول ـ النظام السياسي للجمهورية الثالثة وسمات تشكيلتها الاجتماعية.
العنوان الثاني ـ القاعدة الاجتماعية لأحزاب الاسلام الطائفي.
العنوان الثالث ــ المشروع الوطني / الديمقراطي وقواه السياسية .

على اساس تلك المنهجية أتناول المشروع الوطني الديمقراطي ولكن قبل الخوض في مضامينه دعونا نفحص بعض المفاهيم الناظمة لمسار البحث ومضامينه الفكرية ـ السياسية ــ
المفهوم الاول ــ الدولة الوطنية ونعني بها تلك الدولة التي نشأت بمساعدة خارجية في المرحلة الكولونيالية من التوسع الرأسمالي والتي استكملت سيادتها الوطنية في مرحلة التحرر الوطنية .
المفهوم الثاني ـ المجتمع السياسي ونعني به الدولة ومنظومتها السياسية من احزاب معارضة ومؤيدة فضلا عن الحركات الشعبية والنقابات وغيرها .
المفهوم الثالث ـ المجتمع المدني والمقصود به ذلك المجتمع المتشكل من الاحزاب ،المنظمات المهنية ،النقابات والجمعيات العاملة في حدود دولتها الوطنية .
المفهوم الرابع ـ المجتمع الاهلي هو ذلك المجتمع المتكون من القبيلة والطائفة والعرق وما ينتجه من عادات وأعراف وأدوات ضبط اجتماعي .

ان تحديد مضامين المفاهيم المشار اليها يتمتع بأهمية كبيرة من الناحية الفكرية والسياسية لكونه يتعلق بمدى هيمنة السلطة السياسية وقوة منظومتها القانونية وسمات نظامها السياسي .

أولا ـ النظام السياسي للجمهورية الثالثة وسمات تشكيلتها الاجتماعية

ــ من المعروف أن الاحتلال الامريكي للعراق اعتمد سياسة ترتكز على رعاية وتطوير المجتمع الاهلي انطلاقا من بناء نظام سياسي يرتكز على موازنة المصالح الطائفية ـ العشائرية ـ العرقية بدلا عن موازنة مصالح الطبقات الاجتماعية ورعاية المجتمع المدني .

ــ النظام السياسي المرتكز على مكونات المجتمع الأهلي جرى تكريسه عبر نصوص دستورية أمدت المجتمع الأهلي بحصانة قانونية من خلال تأكيد المادة 43 على ( حرص الدولة على الاهتمام بالقبائل والعشائر العراقية ).
ـــ ترافقت الرعاية الدستورية لأعراف وتقاليد العشيرة مع هيمنة الإسلام السياسي على سلطة البلاد السياسية الامر الذي أعطى دفعة اجتماعية لنهوض الطائفية السياسية وتنامي دورها في الحياة الاجتماعية .
ــ أرسى البناء السياسي للدولة العراقية المرتكز على فعالية المجتمع الأهلي عرفا دستوريا تمثل باقتسام السلطة السياسية بين الطوائف والأعراق الامر الذي أنتج كثرة من التأثيرات يمكن تحديدها بالوقائع الآتية ـ
واقعة أولى ـ اعتماد مؤسسات المجتمع الأهلي على آليات الضبط العشائري ـ الطائفي ـ ترافق وتطور بنيتها العسكرية والتنظيمية .
واقعة ثانية ــ شكلت البنى التنظيمية لمجالس العشائر العراقية قاعدة اجتماعية لأحزاب الإسلام السياسي الطائفي .
واقعة ثالثة ـ شكلت آليات الضبط الطائفي والأعراف العشائرية قوانين موازية لتشريعات الدولة العراقية.
واقعة رابعة ـ تحول قيادات المجتمع الأهلي الى شرائح طبقية جديدة تتميز بسمات طائفية قبلية.

استنادا الى تلك الوقائع يمكننا التعرف على السمات العامة للجمهورية الثالثة ونظامها السياسي بموضوعات عامة مختزلة ــ

1 ــ تتميز الجمهورية الثالثة بسيادة مؤسسات المجتمع الأهلي على المجتمع السياسي الامر الذي ادى الى انحسار هيمنة سلطة الدولة على تشكيلتها الاجتماعية .
2 ـ امتلاك أحزاب الاسلام السياسي لميليشيات وتشكيلات مسلحة افضى الى تنامي الروح العسكرية في منظومة البلاد السياسية .
3 ـ اقتسام السلطة السياسية بين أحزاب الإسلام الطائفي أدى الى نتيجتين هامتين ـ
أ ــ انتشار الفساد السياسي في البنية الادارية للدولة العراقية .
ب ـ هيمنة آليات الضبط العشائري ـ الطائفي في التشكيلة العراقية وتحولها الى بنى ثقافية وأيديولوجية مغلقة.

ثانيا ـ القاعدة الاجتماعية لأحزاب الاسلام الطائفي.

ـــ تتشكل قاعدة الإسلام السياسي الطائفي من شرائح وفئات اجتماعية متعددة الأصول الطبقية رغم أن القوة الأساسية لتلك القاعدة الاجتماعية تتكون من فئات اجتماعية مهمشة أنتجها تفكك وظائف الدولة الاقتصادية ــ الخدمية فضلا عن الاحتلال الأمريكي وإجراءاته الاقتصادية السياسية .
ــ التحديد الطبقي والاجتماعي لقاعدة الإسلام السياسي الطائفي المشار اليه يتكامل بعد اضافة شرائح الطبقة الوسطى باعتبارها العقل السياسي المحرك لتلك الأحزاب في الظروف التاريخية الملموسة .
ــ اخيرا تشير المعطيات الى ان قاعدة الإسلام السياسي الاجتماعية جرى رفدها بكثير من عناصر القوى القومية والوطنية الذين اغنوا هذه الاحزاب بتجاربهم السياسية .

ثالثا ــ المشروع الوطني ــ الديمقراطي وقواه السياسية

قبل البدء في تحليل ركائز المشروع الوطني الديمقراطي نتعرض الى أهم التغيرات الحاصلة في التشكيلة الرأسمالية العالمية والتي تتمثل بـ
ـ السيادة الدولية لخيار التطور الرأسمالي وما نتج عن ذلك من احتدام المنافسة الرأسمالية بين مراكزه القديمة والناهضة .
ـ تراجع الايديولوجيا السياسية المرتكزة على مفاهيم العدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية المستقلة.
ــ التوظيف التخريبي لليبرالية الجديدة وما افرزه ذلك من تعميم ديمقراطية شكلية تتداخل في توجهاتها السياسية آليات الضبط الطائفي وفكر الهويات الفرعية.
ـــ انبعاث فكر يميني متطرف في الدول الاوربية مناهض للأجانب متزامنا وانتشار السلفية الجهادية المرتكزة على فكر البداوة العابر لمفاهيم الوطنية والقومية والعدالة الاجتماعية.

استنادا الى تلك التغيرات الحاصلة في الفكر السياسي أتناول طبيعة المشروع الوطني الديمقراطي بمحورين الاول منهما الركائز السياسية للمشروع والثاني منهما القوى السياسية الساندة لمفاصله الاساسية .
1 ـ الركائز السياسية للمشروع الوطني الديمقراطي.
ــ يهدف المشروع الوطني الديمقراطي الى اعادة بناء الدولة العراقية عبر ثلاث دالات أساسية ــ
الدالة الاولى ــ بناء شكل الدولة على اساس الموازنة القومية ويشكل النظام الفدرالي اساس الموازنة القومية والعرقية.
الدالة الثانية ـ يحدد المشروع طبيعة النظام السياسي بكونه نظام جمهوري برلماني يشكل البرلمان السلطة التشريعية الاساسية في البناء الديمقراطي للدولة العراقية.
الدالة الثالثة ــ سيادة الشرعية الديمقراطية في الحياة السياسية والتي تعني
أ ـ التداول السلمي للسلطة السياسية .
ب ـ فصل السلطات
ج ـ منع احتكار السلطة انطلاقا من المنافسة الانتخابية لبرامج الأحزاب السياسية.
د . إبطال الشرعية الانتخابية المنبثقة من الولاءات الطائفية والعرقية وما اصطلح على تسميته (بالديمقراطية التوافقية ) .
هـ ـ إعادة بناء التنمية الوطنية الهادفة الى بناء شبكة الضمانات الاجتماعية .

2 ـ القوى السياسية الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي

ـ بداية اشير الى أن انهيار الدولة العراقية وتمزق تشكيلتها الاجتماعية أحدثا تغيرات اجتماعية هائلة تمثلت بانجراف حدودها الطبقية الامر الذي ادى الى تحول الكثير من تلك الشرائح والطبقات الى قوى خارج حدود الدورة الاقتصادية .
ــ التغيرات البنوية في تشكيلة العراق الاجتماعية تتجاوب ومضمون الرؤية القائلة بضعف القوى السياسية الساندة لبناء المشروع الوطني الديمقراطي.

لغرض اضفاء مشروعية على الرؤية المشار اليها نتعرض إلى طبيعة القوى السياسية الحاملة للمشروع الوطني الديمقراطي والتي يمكن حصرها بتيارين أساسيين ـ

1 ـ التيار الليبرالي الديمقراطي

ــ يتميز التيار الليبرالي الديمقراطي بكثرة من السمات أهمها (أ) نشوءه وتبلور قواه الاجتماعية في المنفى لأسباب كثيرة يتقدمها انتشار شريحة سياسية مثقفة من المهجرين والمهاجرين في دول المهجر .(ب) انحدار عناصره وشخصياته من عقائد سياسية مختلفة الأمر الذي أضاع وضوح رؤيته الفكرية الساندة لتوجهاته السياسية والاقتصادية. (ج) اعتماد الكثير من عناصر التيار الليبرالي الديمقراطي على موضوعات الليبرالية الجديدة المتمثلة بتحجيم وظائف الدولة في الاقتصاد وعدم الاهتمام بشبكة الضمانات الاجتماعية ناهيك عن مباركته لمشاركة الخارج في حل النزاعات الوطنية.

خلاصة القول إن التيار الليبرالي الديمقراطي لم يتحول بعد إلى كتلة سياسية فاعلة في الظروف التاريخية الملموسة وذلك بسبب ضعف قواه الاجتماعية الحاملة لتوجهاته السياسية رغم بوادر نهوض وطني في الداخل العراقي .

2 ـ التيار اليساري الديمقراطي .

قبل معاينة مساهمة اليسار الديمقراطي في إنضاج وتبني المشروع الوطني ـ الديمقراطي لابد لنا من تحديد العوامل والتغيرات الفكرية والاجتماعية الضاغطة على مواقعه الاجتماعية وفعاليته السياسية والتي يمكن إيجازها في الموضوعات التالية ـ
الموضوعة الاولى ـ تفكك التشكيلة العراقية وتحول مكوناتها الاجتماعية إلى تجمعات طائفية ـ أثنية اضعف قاعدة اليسار الديمقراطي الطبقية الحاملة والساندة لمشاريعه الوطنية الديمقراطية.
الموضوعة الثانية ـ انبعاث الروح المذهبية والقومية في تشكيلة العراق الوطنية افضى الى توزع مكوناتها على أحزاب وتجمعات عراقية مختلفة .
الموضوعة الثالثة ـ انحسار المنظومة الفكرية الساندة لتوجهاته السياسية بعد انهيار التجربة الاشتراكية.

ان العوامل الاجتماعية ـ السياسية ـ المذهبية الكابحة لحركة قوى المشروع الوطني الديمقراطي تقابلها مؤشرات على نهوض حركة شعبية ساندة لمضامين الوطنية الديمقراطية تشترطها عوامل كثيرة أهمها ــ
أولا ـ اختزال الدولة الوطنية الى سلطة سياسية فضلا عن هيمنة المجتمع الاهلي على انشطتها السياسية ومشاركة الخارج في شؤونها الداخلية دفع الكثير من العراقيين الى الانحياز لفكر الوطنية الديمقراطي الهادف الى الحد من خراب الدولة العراقية.
ثانيا ــ تحول المساومات الطائفية والعرقية الى أعراف دستورية في البناء السياسي للدولة العراقية أجبر الكثير من الكتل الشعبية المتضررة على رفض الشرعية الانتخابية المرتكزة على الاغلبية الطائفية ـ العرقية والمطالبة بتحويلها الى شرعية ديمقراطية متركزة على تحالفات سياسية ـ اجتماعية وطنية .

ثالثا ــ تعرض الثروات الوطنية الى نهب الشركات الدولية وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة الادارية حفز الكثير من الكتل الاجتماعية على الانحياز الى جانب النهوج السياسية الملموسة المنطلقة من صيانة الدولة لثرواتها الوطنية وتطوير دورها في بناء شبكة الضمانات الاجتماعية .

اخيرا لابد من القول ان انحياز كتل شعبية متزايدة لصالح مشروع الوطنية الديمقراطي يعزز من امكانية تحول قوى المشروع إلى كتلة سياسية تاريخية قادرة على تحقيق مشروعها الوطني الديمقراطي الهادف الى بناء الدولة العراقية الديمقراطية العلمانية .







اخر الافلام

.. يوميات الأرجنتين.. صراع اليمين واليسار


.. لقاء د.قدري جميل على قناة العربية الحدث 20/11/2018


.. 8. Who is Bolsonaro and how did he get elected?




.. Chris Baugh at Socialism 2018 rally


.. محتجون في فرنسا يغلقون ثلاثة مستودعات للوقود رفضا لزيادة الض