الحوار المتمدن - موبايل



الجانب المظلم للديمقراطية

محمود يوسف بكير

2016 / 11 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


التاريخ يبين اننا كبشر نجنح دائما إلى تكرار أخطاء الماضي‘ بمعنى أن عبر التاريخ تكون حاضرة دائما أمامنا ولكن قلة الاعتبار لأغلبية البشر تكون حاضرة بشكل أكبر. وها هو التاريخ يعيد مشاهد ما حدث في المانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية في أمريكا اليوم.
فعندما ظهر ترامب في تصفيات الحزب الجمهوري لاختيار مرشح الحزب لرئاسة الولايات المتحدة بدا الأمر وكأنه نكتة من العيار الثقيل لانعدام الخبرة السياسية، له خاصة وأن منافسيه كانوا إما حكام ولايات أو أعضاء بارزين في الكونجرس الأمريكي وجميعهم أمضوا حياتهم في العمل السياسي عكس ترامب الذي أمضى عمره في العمل كمطور عقاري وكنجم لبرامج التسلية في التلفزيون الأمريكي، بالإضافة إلى مطاردة النساء وصناعة الأخبار الإعلامية المثيرة لجذب الأنظار.
ولكن في النهاية وعكس كل التوقعات فاز ترامب برئاسة اقوى وأغنى دولة في العالم. ويقال إن ترامب نفسه فوجئ بالفوز وإنه لم يكن يرغب فيه وإنه ترشح فقط من اجل التسلية كعادته وعمل ترويج إعلامي لفنادقه ومنتجعاته السياحية المنتشرة في العالم وهو الآن في ورطة للوفاء بوعوده الانتخابية غير القابلة للتنفيذ.
ولأن الرجل معدوم الخبرة السياسية فإنه محاط بمجموعة من السياسيين الانتهازيين من فصيلة ستيف بانون ، رودي جولياني ، نوت جينجريتش وكريس كريستي وغيرهم وهم يحاولون إقناعه بأنهم قادرين على تنفيذ برنامجه الانتخابي الذي يتضمن منع المسلمين من دخول امريكا وطرد الملايين من المقيمين في أمريكا بشكل غير رسمي وبناء سور على حدود المكسيك وإلغاء برنامج الرعاية الصحية الذي بدأه الرئيس اوباما وتخفيض الضرائب على الشركات والأفراد بدون زيادة العجز في الميزانية.
كما يتضمن برنامجه إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وانسحاب امريكا من بروتوكول باريس لتخفيض الانبعاث الحراري والحفاظ على البيئة وإلغاء اتفاقيات التجارة الحرة التي تتفاوض عليها إدارة أوباما مع دول المجموعة الأوروبية ودول جنوب شرق آسيا.
ولأن ترامب معجب ببوتين رئيس روسيا فقد شجعه مؤخرا على القيام بغارات عنيفة وغير مسبوقة على كل معاقل قوى المعارضة السورية بدون تمييز واستخدمت روسيا في هذا ولأول مرة حاملة طائرات حديثة. وبهذا سمح ترامب لروسيا بأن تكون لها اليد العليا في الصراع الدائر في سوريا التي تحولت بالفعل إلى محمية روسية بموافقة ترامب وهو الأمر الذي ستندم عليه امريكا لاحقا.
كما ان ترامب يدعو اليابان وكوريا الجنوبية لامتلاك أسلحة نووية للحفاظ على أمنها بدلا من الاعتماد على القوات الأمريكية.
والحقيقة أن العالم كله في حالة رعب من لحظة دخول هذا المتطرف إلى البيت الأبيض بعد شهرين لأنه لو نجح في تنفيذ بعض بنود برنامجه - وهذا وارد نتيجة سيطرة حزبه على الكونجرس بمجلسيه - فإن العالم سيشهد حالة من عدم الاستقرار والصراعات مشابهة لأجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية وظهور هتلر في ألمانيا.
والسؤال ما الذي حدث وكيف نجح هذا المتطرف العنصري والمجنون في أفكاره في الفوز برئاسة الولايات المتحدة صاحبة أفضل الجامعات ومراكز الفكر في العالم؟

إنها الديمقراطية التي بالرغم من كونها أفضل نظام حكم عرفته البشرية حتى الآن إلا أنها لا تضمن دائما اختيار الأفضل الذي يأتي للحكم من خلال اختيار الأغلبية له والأغلبية ليست دائما على حق خاصة عندما لا تزود بالمعلومات الصحيحة أولا تحصل على قدر معقول من التعليم يمكنها من أعمال العقل بشكل جيد وتحليل ما أمامها من معلومات ورؤية الواقع كما هو لا كما تحلم به ، ومن ثم اتخاذ القرار الصائب.
وقد سبق لنا أن كتبنا في هذا الموقع عما حدث في بريطانيا عندما صوتت الأغلبية لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بناءا على معلومات خاطئة روج لها دعاة الخروج مثل نايجل فاراج وبوريس جونسون مما أدخل بريطانيا والاتحاد الأوروبي في مشاكل لا حصر لها ولا أحد يعرف حتى الآن كيف سيتم التعامل معها.
إذن الديمقراطية بدون تعليم جيد ومعلومات أمينة يمكن أن تؤدي إلى كوارث.
والآن تتكرر نفس المأساة في أمريكا وهي تتأهب لتسليم مقاليدها لمتطرف أرعن ولكن بشكل أخطر بحكم حجم وثقل الولايات المتحدة السياسي والاقتصادي على مستوى العالم.
لقد بدأ ترامب حملته الانتخابية بشعار غامض يقول " دعونا نجعل امريكا عظيمة مرة أخرى " والعظمة حسبما يراها وحسبما توحي كل خطاباته وسياساته هي ان تنغلق امريكا على نفسها وأن تكون للبيض فقط وان يمنع المسلمون من دخولها وان توقف كل أشكال الهجرة إليها وأن يتم طرد الملايين من الأجانب المقيمين بها بشكل غير رسمي وأن تعود كل الاستثمارات الامريكية في الخارج إليها مع تقييد الواردات الأجنبية. وبمعنى آخر القضاء على فكرة عولمة الاقتصاد وفتح الحدود والتعاون الدولي وبدلا عن هذا يتجه ترامب إلى الاهتمام بالداخل الأمريكي بشكل اساسي.
هذه الأفكار أحيت أمال الملايين من المهمشين الأمريكيين من فئة العمال والمزارعين وذوي التعليم المحدود ممن لم يستفيدوا كثيرا من العولمة وظلت دخولهم محدودة وشبه مجمدة طوال العقد الماضي والذي زادت فيه فجوة الدخل بالفعل بين الأغنياء والفقراء في أمريكا والعالم كله.
هؤلاء المهمشين والمحبطين صوتوا لصالح ترامب بعد ان آمنوا بدعوته للتغير ولكن دون ان تكون لديهم رؤية واضحة للتغيير الذي ينشدونه وكيفية تنفيذه لان ترامب نفسه لا يعرف.
هؤلاء لا يعلمون أن العولمة التي بدأتها الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية جعلت من الولايات المتحدة قوة اقتصادية وسياسية عظمى من خلال النظام الدولي الجديد الذي هيمنت عليه امريكا والقائم على تشجيع حركة التجارة العالمية وحرية الأسواق ورؤوس الأموال وحرية تنقل العمالة الماهرة بين الدول. وكان الهدف الأصلي من وراء كل هذا خلق نوع من التقارب والتعاون بين الدول للحد من الحروب المدمرة التي شهدتها أوروبا على وجه الخصوص إبان الحربين العالميتين وكذلك تجنب حالات الكساد الاقتصادي التي اجتاحت العالم في ثلاثينيات القرن الماضي.
وبالفعل شهد العالم فترة جيدة من الاستقرار في ظل هذا الانفتاح واستطاعت دول أوروبا المدمرة ان تنهض من جديد كما تمكنت كل من الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا من تحقيق معدلات نمو مرتفعة مكنتها من رفع مستوى معيشة مئات الملايين من مواطنيها بفضل العولمة.
كما ساهمت العولمة في رفع مستوى التعليم والوعي وتمتع الملايين عبر العالم بحريتهم في التعبير والاعتقاد وبالطبع يستثنى من هذا الأنظمة العربية التي لازالت تترنح تحت وطأة الفقر والاستبداد.
وظلت الولايات المتحدة من أكثر الدول استفادة من العولمة نتيجة حجمها وتنوعها وضخامة اقتصادها وسياستها المرنة في الهجرة وانتقال خيرة شباب العالم إليها مما جعلها قاطرة للاقتصاد العالمي في كل المجالات تقريبا مثل التعليم والبحث العلمي والطب والتقنيات الحديثة والصناعات المدنية والعسكرية والفضاء والمال والأعمال والبنوك والشركات العابرة للقارات .... الخ ولذلك كله أصبح الدولار العملة الأولى عالميا في التداول والاحتياطي النقدي للدول الأمر الذي يمكنها من الحصول على ما تريد من سلع وخدمات من كل الدول مقابل حسابات واستثمارات في البنوك وأسواق المال في أمريكا نفسها.
وللأسف فإن مؤيدي ترامب لا يدركون كل هذا ولا يدركون أن العولمة ليست السبب في مشاكلهم ولكن السبب هو الطمع وتقليص دور الحكومة الفيدرالية في التعامل مع مشكله فجوة الدخل واستئثار الأقلية بمعظم ثمار العولمة.
وهم لا يدركون ان الحل ليس في وأد العولمة والعزلة وبناء الأسوار وكراهية المهاجرين والمسلمين وإنما يكمن في تقديم المزيد من سياسات التمكين الاقتصادي وتوسيع الفرص لمن لم يستفيدوا من العولمة حتى الآن من خلال تقديم نظام ضريبي عادل وتوسيع شبكات الضمان الاجتماعي والتأمين ضد البطالة والصحة وإتاحة تعليم جيد للجميع. وقد سبق وأن كتبنا في هذا.
الجانب المظلم للديمقراطية يكمن في ديكتاتورية الأغلبية التي عادة ما تكون بسيطة ولكنها كبيرة جدا في توابعها عندما يغيب العقل والوعي والضمير، عندها يمكن أن تؤدي الديموقراطية إلي تدمير سريع لقدرات الشعوب والدول كما حدث في ألمانيا قبيل الحرب العالمية الثانية عندما أتى هتلر إلى السلطة في واحدة من أخطر غفوات الشعوب.
والخلاصة الديمقراطية لا تعمل مع الشعوب التي تزيف او تحجب عنها المعلومات او التي يتم تغييب وعيها أو التي تستند على نظام تعليم متخلف يقوم على تلقين العلوم للتلاميذ دون تعليمهم كيف يفكرون وتشجيعهم على نقد وتحليل ما يقدم لهم من معلومات.
إن الوعي ونظام التعليم الجيد والمعلومات الصحيحة والمتاحة للجميع حماية حق الناس في التفكير والتعبير هي الضامن الوحيد لنجاح الديموقراطية وتقدم الشعوب.
ولغياب هذه الشروط في عالمنا العربي فإن مشروع الديمقراطية لدينا مؤجل إلى حين.

محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي







اخر الافلام

.. لايف مع لوتس


.. الجزائر.. ما فائدة جولة لعمامرة في عواصم أجنبية؟


.. إشادات متواصلة بتنظيم الإمارات للنسخة الأكبر من الأولمبياد ا




.. هذا الصباح - مقهى الجزيرة يستضيف نردين أبو نبعة


.. مقابلة مع زعيم حزب عدالة الشعب الماليزي أنور إبراهيم