الحوار المتمدن - موبايل



فرويد ، أسلوب واقعي

الحسن علاج

2016 / 11 / 30
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



يفرط المحلل النفساني في  استعمال وضعية السارد الكلي المعرفةomniscient)(.
مايكل بورش ـ ياكوبسن1
ترجمة : الحسن علاج
هل تعتبر مَحكيات الحالات cas)(الفرويديةتخييلات ؟ وفرويد نفسه لم يكن ببعيد عن قول ذلك في [كتاب] دراسات في الهستيريا : " أنا نفسي أندهش لدى إدراك أن ملاحظاتي التي أكونها عن المرضى تٌقرأ مثل قصص قصيرة ، ثم إنها ، إذا جاز القول ، لا تحمل طابعا حقيقيا للعلم . " ومع ذلك ، فهو كان يسارع إلى أن يضيف أنَّه " ينبغي اعتبار قصص المرضى مثل ملاحظات طبعقليةpsychiatriques)(. " ولسبب وجيه : فإذا كانت محكيات الحالات لم تكن سوى روايات ، فإن القاعدة التجريبية التي يقوم عليها التحليل النفسي هي التي سوف تنهار .
ما هو مصدر هذا الانطباع إذاً ؟ قد يكون من الضروري التساؤل أولاً ما هي ال" ملاحظة " التحليلنفسية . بالمعنى الدقيق للكلمة ، من غير الممكن التوفر على أي مراقبة لللاشعور ، لأن هذا الأخير ، افتراضاً ، لا يحضر أبدا كما هو في الوعي . وفي الواقع ، فإن اللاشعور الذي افترضه فرويد لم يكن يتجلى في أي مكان آخر ماعدا في تأويلات المحلِّل ، الذي ينتج محكيا لا يعرف المريض عنه شيئا ، وغالبا ما يرفض تصديقه ثم إنه في كل الأحوال لم يكن ليتلفظ به مطلقا . لا تروي محكيات الحالات الفرويدية ما قيل على أريكة [ المحلِّل النفساني] ، إنها تروي ما يفترض أن المريض كان عاجزا عن قوله فيرويه المحلِّل نيابة عنه .
كل شيء يحدث كما لو أن فرويد كان يقرأ أفكار الغير ، أو بشكل أدقّ يقرأها لحسابنا . والحال أن هذا الخط الأخير هو الذي يقرِّب محكياته للحالات من محكيات التخييل . وبالفعل ، وكما لاحظت ذلك عالمة السرديات كاث هامبورغر(Kate Hambourger)2، لا يوجد في محكي التخييل سوى أفكار ومشاعر  عميقة لشخص آخر غير المتلفظ بإمكانها أن توصف كما لو أنه تم التلفظ بها بصوت مرتفع . فلا المحكي غير التخييلي ولا التخييل غير السردي يسمحان بانتهاك معين للحدود بين الذات والآخر ، فهذا ، بطبيعة الحال ، هو ما يصنع جمال النوع الأدبي ـ وكذلك إغواء التحليل النفسي .
يتصرف فرويد ، في قصص حالاته ، مثل سارد الروايات كلي المعرفة ، الذي يتسلل متى شاء إلى عقل شخصياته . تماما مثل بلزاك Balzac)(أو ستاندالStendhal)(، فهو يعرف دوافع أفعالها المخفية ، كما أنه يمتلك منفذا إلى أحاسيس غير واعية بها . ولكن ، في حين أن سارد الروايات الكلاسيكية غالبا ما يتدخل بشكل فظ من خلال تعليقاته أو سخريته ، فإن فرويد يميل باستمرار إلى أن يختفي بوصفه ساردا من أجل أن يعزز أكثر الوهم بمنفذ مباشر إلى أفكار " شخصيات"ـه، وهو ما يجعله ، لو تكلمنا بشكل أدبي ، بالأحرى بمعية روائيين واقعيين أمثال فلوبيرFlaubert)( ، زولا Zola)(أو هنري جيمس Henry James)(.
وهكذا ، فبدلا من أن يكتب : " بطلنا ، غائص في تناقضاته ، لم يكن ليتجاسر على الاعتراف كونه كان شاهدا على اقتران أبويه " ، يكتب : " إن التعبير عن اللذة الذي [رجل الذئاب]3 كان يشاهده على وجه أمه ..." بدلا من كتابة : " مضطربة ، لن تقول دورا Dora)(4شيئا ، لكنها في قرارة نفسها كانت على استعداد للموافقة على تأويل سُعالها الذي اقترحه الدكتور " ، يكتب : " تم القبول بهذا التفسير ضمنيا ..." بالتأكيد يوجد سارد على الدوام ، ليس أقل كلي المعرفة من قبل ، لاسيما وأنه يكون أكثر حذراً من أجل اختراق أعمق للأفكار الداخلية لشخصياته ، محدثا " تأثيرا حقيقيا " واضحا جدا . يمتلك القارئ المفتون انطباعا بالمشاهدة المباشرة للحياة الداخلية للشخصيات .
التأويل الذي يتقدم مُقَنَّعاً
المشكل ، هو أن محكيات حالات فرويد ليست محكيات تخييل ثم إن مرضاه هم أشخاص من لحم وعظم ، وليسوا كائنات خيالية يمكنه ولوج عقلها كما يلج طاحونة . بقراءتنا لجمل من نوع : " فقد عثر [رجل الذئاب] ب[غروشاGrousha)(] عن الموقف الذي اختارته أمه طيلة مشهد المضاجعة " ، وهو ما يذهب بنا إلى الاعتقاد بأن فرويد يروي الأفكار التي يحكيها المريض ، في حين أن الأمر ليس كذلك . وفي الواقع ، فإن فرويد يروي أفكاره الخاصة ، تركيباته الخاصة والفرضيات التأويلية . ثمة ثقة سردية زائدة بارعة بوجه خاص تكمن في اللعب في آن واحد على المشهدين ، مشهد محكي التخييل ومشهد المحكي غير المتخيَّل ، مجيزا لنفسه التسرب إلى ذهن الغير في الوقت الذي يدعي بعدم القيام بذلك . في معظم الوقت ، فعلا ، يتجنب فرويد كثيرا التأكيد بوضوح أنه ينقل أقوال صرح بها المريض . فهو يفضل البقاء في المنطقة الملتبسة ل"الأسلوب غير المباشر الحر" 5الأثير لدى الروائيين الواقعيين ، الذي يتميز ، تحديدا ، بخلط الاستشهاد والسرد ، خطاب مباشر وخطاب غير مباشر . فبدلا من أن يكتب : " [تقول دورا:]" أتذكر كيف أن أبي كان مُتعَباً في تلك الليلة عند أمي " "، أو : " تتذكر دورا أن أباها كان متعبا جدا في تلك الليلة عند أمها " ، يكتب إذاً ، مثلما يقوم بذلك روائي سارداً الأفكار الداخلية لشخصية ما : " ثم جاءت ذكرى كيف أنه [بابا] كان متعبا ليلا عند ماما . " إن ميزة هذه الصياغة الأخيرة بطبيعة الحال تتجلى في عدم معرفة من يتكلم بصورة جيدة . هل هو المحلِّل ـ السارد ، الذي يروي بصيغة الغائب كيف أتت الذكرى إلى دورا ؟ أو دورا ، التي تستعمل عنصر الإشارة déictique)( " ماما " ، خاصية الخطاب المباشر بصيغة المتكلم ؟ فهذا الالتباس هو الذي يصنع كل جاذبية الأسلوب غير المباشر بالنسبة لفرويد ، إذ أن ذلك الشكل يسمح له بمقمقةventriloquer)(6مرضاه والإيحاء بأن الأفكار التي ينسبها لهم هي أفكارهم الخاصة ، دون أن يذكرها بصيغة الخطاب المباشر ( وهو ما كان مستحيلا) .
من الصعب والحالة هذه ، الإمساك بفرويد في حالة تلبس بالكذب ، بحيث أنه نادرا ما يصرح بوضوح تام أنه يعمل على تصويب أقوال يتلفظ بها المرضى . ومع ذلك فإن الانطباع الذي ينتزعه القارئ قسرا ثم إنه من الطبيعي جدا السبب الذي يجعل فرويد يستعمل ذلك الشكل الأسلوبي الخاص بإفراط . من خلال حيرته ، فإن الأسلوب غير المباشر الحر يسمح ، معا ، بتجسيد فرضياته النظرية بخلق وهم أنه يصوب أفكار مرضاه و الاحتماء في حالة ما لو تم اتهامه باختلاق " ملاحظات " حيث لا وجود ، بحصر  المعنى ، لشيء ينبغي ملاحظته . هل هو ذنبه لو أن القراء صدقوا أن في ما هو علمي دقيق يكتفي ، هو ، بالإيحاء ؟
تكفي الحجة لتفادي الاتهام بالغش ، على أنه سيلاحظ بأنه لا يتحصن ضد الاستنتاج المحتوم الذي يستخلصه . فإذا كان ما نقرأه في قصص حالات فرويد يختزل إلى إيحاء بسيط ، آنذاك فإن " التجربة " الشهيرة التي يرتكز عليها التحليل النفسي لم تكن أبدا سوى تأثير أسلوبي صرف ، ليس أكثر منحقيقة قوس قزح الذي نراهذات يوم مطير .
ـــ
المصدر :Le Magazine Littéraire )(، يونيو 2014 عدد 544 عنوان المقالة : freud , un style réaliste )(.
 1 ـ مايكل بورش ياكوبسنMikkelBorch – Jacobsen)(، يقوم بتدريس الأدب المقارن بجامعة واشنطن ( سياتل ) . أصدر مؤخرا : مرضى فرويد. مصائر ( دار نشر . العلوم الإنسانية، 2011 ) ،صناعة الجنون ، من التحليل النفسي إلى علم نفس التسوق( دار نشر العلوم الإنسانية ، 2013 ) و مزرعة كبيرة ( دار نشر ، Les Arénes ، 2013 ) . ساهم في التأليف المشترك في الكتاب الأسود للتحليل النفسي ( دار نشرLes Arénes ، 2005 ) .
2 ـ اُنظر كاث هامبورغر ، منطق الأجناس الأدبية، ترجمه إلى الفرنسية بيير كاديوPierre Cadiot)(وقدم له جيرار جونيت ، دور نشر سوي 1986 .
3 ـ رجل الذئاب L’homme aux Loups)( يشير إلى سيرغي كونستانتنوفيتشبانكاييفSerguei ConstantinovitchPankejeff)( ،(1887 ـ 1979 ) تابع علاجا تحليلنفسيا بالقرب من فرويد ، الذي روى حالته في كتاب : خمسة دروس في التحليل النفسي تحت اسم " رجل الذئاب " . وقد أخذ علاجه وقتا طويلا استمر من سنة 1910 إلى 1914 .
4 ـ دورا Dora)( : فتاة تنحدر من فيينا (1882 ـ 1945 ) . حازت على شهرة ذاع صيتها بفضل نشر حالتها العلاجية من قبل فرويد تحت عنوان :" مقطع من تحليل للهستيريا " .
5 ـ ثمة صيغ ثلاث لنقل أقوال الشخصيات في محكي ما :
ـ الخطاب المباشر
ـ الخطاب غير المباشر
ـ الخطاب غير المباشر الحر ، وهو يعتبر وسيطا بين الخطاب المباشر والخطاب غير المباشر .
6 ـ تعني عبارة ventriloquer)(، التكلم من البطن .
ملاحظة : الاسم والعنوان : الحسن علاج ElhassanAylaj
ثلاثاء الأولاد ، ابن أحمد ، سطات ـ المملكة المغربية ، صندوق البريد 6 الرمز البريدي 26700
Elhasine320@gmail.com







اخر الافلام

.. لصحة أفضل.. الاستيقاظ قبل السادسة صباحا


.. طالبة إماراتية تبتكر لعبة لتبسيط المنهج الدراسي


.. قريبا في دبي.. أكبر مول تجاري رياضي في العالم




.. هكذا تتعامل البنات مع #الثلاجة في الساعات المتأخرة من الليل


.. العلاقات الأمريكية السعودية على المحك بسبب قضية خاشقجي