الحوار المتمدن - موبايل



العقيدة السياسية ومسؤولية تحرير الوطن وحمايته

بدر الدين شنن

2016 / 12 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


لم يكن عبثاً منذ أواخر القرن الماضي ، أن يفتح الليبراليون النار بكثافة ، على " الإ د يو لوجيا " بعامة ، وتلك التي تحرك فعاليات المجتمع ، لتحقيق متغيرات منسجمة مع مستويات وعيها ، وحاجاتها ، السياسية ، والاجتماعية ، والفكرية ، والاقتصادية بخاصة . وقد كان واضحاً أن الغاية من هذا الهجوم ، هو تجريد الشعوب من معتقداتها ، التي تعوق مشروع هيمنة الرأسمالية الشاملة على العالم . بمعنى تكريس أ د يو لو جيا رأسمالية جديدة بديلة .

ومن البديهي القول ، ليس كل آيد يولوجيا هي مواكبة بإيجابية للتطور التاريخي الحضاري . فهناك إد يو لو جيا قد فشلت ولم يعد لها أهمية تذكر ، وبعضها عاجز عن تلبية متطلبات العصر . لكن عند التعرض لها ، ينبغي أن ينحو المرء ، إلى تطويرها ، وإغنائها ، إن كان ذلك ممكناً ، لا إلى سحقها ، لحساب أهداف غير بناءة . . وعلى الرغم من تعدد الأ د يولوجيا وكثرتها ، وتما يزاتها ، الفكرية ، والدينية ، والقومية ، إلاّ أنها تتجه في معظمها ، إلى ما يصبو إليه المجتمع في تفاعلاته ، من أجل توفير معاشه ، واستقراره ، وتطوره .

بيد أن أ د يو لوجيا السياسة " العقيدة السياسية " تأتي في الظروف الراهنة ، في مقدمة " العقائد ، التي تحتاجها مجتمعاتنا في سعيها ، لإقامة نظم سياسية مستقرة ، توفر مقومات البقاء والتقدم ، ولإقامة نظام دولي جديد ، يستطيع ، رغم التناقضات الرأسمالية ، إبداع سبل التعاون ، في حل المعادلات الدولية الخطيرة المعقدة ، والحيلولة دون تصاعد الصراعات ، والأزمات نحو الحرب المدمرة للمنجزات الحضارية .. وللحياة البشرية .

وعلى هذه الخلفية يمكن بناء الرأي ، على أن ما حققه ، الرئيس الروسي " بوتين " في الأيام الأخيرة ،هو خطوة سياسية متقدمة ، إن لروسيا ، أو للمجتمع الدولي . وذلك بطرحه " العقيدة السياسية للدولة الروسية " عبر رسالته السنوية عن سياسة الدولة . لقد احتاجت الدولة الروسية ، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، ربع قرن من الممارسة السياسية ، الملبية لصياغة المواقف المطلوبة ، أو الرد على الأفعال بردود فعل متسارعة . أي الكف عن ممارسة السياسة ، بلا " عقيدة سياسية " تحدد المصالح الاستراتيجية للدولة ، بكل مجا لا نها الأساسية ، وتحدد بوضوح العدو من الصديق .

من اللافت ، قبل إعلان " العقيدة السياسية " الروسية ، أن ساسة الدولة الروسية كانوا يعتبرون ساسة ، أميركا ، والاتحاد الأوربي ، و " حلف الناتو " شركاء وليسوا أعداء . متناسين ، ومعظمهم ماركسيون قدامى ، أن الرأسمالية لن تخلو من الصراعات ، والأزمات ، والجري الدؤوب ، مهما كان الثمن ، وراء الربح ، وانقضاض الأقوى على الأضعف . بل واشتركوا ، بشكل أو بآخر ، ببعض أعمال مؤسسات الغرب الخطيرة ، مثل " حلف الناتو " وشاركوا في مفاوضات عديدة لحلحلة بعض المشاكل الدولية ، بإيجاد قواسم مشتركة . وعلى ذلك كان الساسة الروس يسمون الساسة الغربيين " الشركاء .

غير أن تمادي الغرب في تجاوزاته للقوانين الدولية ، وإمعانه بمخادعة " الروس " والضغط عليهم ، في وقائع دولية هامة ، أهمها ، الانقلاب الغربي في أوكرانيا ، وتدمير الدولة الليبية ، ومن ثم الحرب على سوريا .. بالتزامن مع الحرب على العراق ، وتشديد العقوبات الاقتصادية ، والتواطؤ مع المملكة السعودية في تخفيض أسعار الطاقة ، وإقبال أميركا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، وألمانيا ، على متغيرات لافتة مؤثرة ، أدخل العقل السياسي الروسي ، في فضاء احتمالات دولية متوترة مع الغرب ، من الممكن أن تؤدي إلى حرب ، رغم الردع النووي المتبادل المدمر ، لإيجاد مخارج حاسمة ، للأزمات الاقتصادية المتصاعدة ، في البنية الرأسمالية الاقتصادية برمتها .

ولذلك ، إن من دلالات إعلان "العقيدة السياسية " في روسيا ، أنها إعلان روسي بإنهاء القطبية الدولية الأحادية ، وانهيار إمبراطورية " العولمة " الأميركية الشمولية ، وإعلان روسيا قطباً دولياً مستقلاً ، عن التبعية لأي قطب آخر .

وهذه الخطوة السياسية الهامة ، إضافة للثروات الطبيعية الروسية ، في قطاعات ذات أهمية اقتصادية عظمى ، هي قطاعات ، الطاقة ، والحبوب ،وصناعة الأسلحة ، والجيو سياسية ، تشكل .. مع إرادة النهوض القومي ، طاقة دولية مؤثرة جداً في النظام الدولي . ستمكن روسيا أن تكون ـ كما تريد أن تكون ، دولة قادرة على النهوض المتواصل ، والنمو المستدام ، وحماية نفسها في غمرة الصراعات الدولية . لكنها والحق يقال ، رغم تأثيرها الأقوى في الأوضاع الدولية ، فهي لن تبلغ ما كان عليه الاتحاد السوفياتي دولياً ، من قيم ، وبنى ، وآفاق قوى اشتراكية ، هي الأوفى والأرقى لمصالح الإنسانية .

إن ما قدمه " بوتين " لرفع سوية الأداء السياسي في روسيا ، على مستوى الدولة ، والمجتمع .. يقد م درساً بالبغ الدلالة ، للدولة ، والطبقة السياسية في سوريا .

إن الأوضاع الكارثية ، التي وصلت إليها سوريا ، ليس مردها فقط ، عدوان الإرهاب الدولي الخارجي ، والتدخل الإقليمي والدولي الواسع ، الوقح ، في شؤونها ، ومصيرها ، وإنما مردها أيضاً ، العجز والتفكك والتناحر في الطبقة السياسية . وبالتالي غياب " العقيدة السياسية " الوطنية ، الموحدة للقدرات ، والصفوف ، في أوقات ، تستدعي النفير العام لرد العدوان عن الوطن .. ووجوده . ما يدل على غياب ، أو ضعف " العقيدة السياسية " أيضاً لدى أطرافها ..

بل وهناك ممارسات " سياسية " ، وخاصة من قبل العارضات ، تعمل مجردة من " العقيدة السياسية " ، أو أنها تعمل بالاتجاه المعاكس ، بعقيدة سياسية فات أوانها . فهذه المعارضات ، رغم تعارض عقائدها المعروفة السابقة ، تعمل على ملاقاة من يجب ، أن يصنف ، حسب " العقيدة السياسية الوطنية " عدواً للوطن ، وتعمل على حل " عقدة " وصولها إلى السلطة ، من خلال التعاون العلني مع هذا العدو .

إن اجتماع بروكسل الأخير ، للمعارضات السورية المتعارضة عقائدها تاريخياً ، والمفوتة آنياً ، مع ممثلة الاتحاد الأوربي ، الداعم للحرب عبى سوريا ، وهي بطبيعة الحال ، على علاقة وثيقة " بحلف الناتو " .الذي ضم " حسن عبد العظيم " عن هيئة التنسيق .. خلفيته اتحاد اشتراكي . وأنس العبدة عن الائتلاف السوري .. خلفيته أخوان مسلمون . ويحيى القضماني عن مؤتمر الرياض . وتأمين مصاريف الإنفاق على إقامة وحركة المعارضين في الخارج ، من خزائن الدول المعادية ، هو الدليل على أن لا " عقيدة سياسية " توجه مسارات الكثير من القوى السياسية السورية .

في عقلية .. وضمائر .. وخطط .. الجيش السوري المقاتل .. هناك فقط .. عقيدة عسكرية سياسية وطنية ، نقية، تقدس الوطن .. وتدافع عنه ضد أعدائه .. وتحمي وجوده ..

وهناك مشروع بناء طبقة سياسية جديدة ، يضم " بعضاً " من جيل النضال العريق .. ومواكب شابة جديدة .. تعمل على مشروع عقيدة سياسية عامة ، تؤدي ، ولاريب ، عبر التضحيات ، إلى بناء " عقيدة سياسية " مطلوبة .. متكاملة .

لقد قالت القديسة " جان دارك " قبيل حرقها " إن الحياة بلا عقيدة أسوأ من النار " ..
وتقول حقائق التاريخ .. والواقع المعاش .. " إن سياسة بلا عقيدة سياسية وطنية .. وخاصة في ظروف الحرب .. هي أسوأ من العار .







اخر الافلام

.. الأزمة مع قطر.. وتقويض مساعي الوساطة


.. داعش والحشد الشعبي وتحركات مريبة في محافظة كركوك


.. واشنطن والإرهاب.. عين على القاعدة وأخرى على حزب الله




.. تظاهرات مناهضة ومؤيدة للإسلام ببريطانيا


.. السيسي يصادق على نقل تبعية تيران وصنافير للسعودية