الحوار المتمدن - موبايل



كارل ماركس في العراق / الجزء الثلاثون

فرات المحسن

2016 / 12 / 9
الادب والفن



ــ خوش ورحمه الوالديكم، أغاتي ممنون.
قالها ماركس ضاحكًا.
ــ يله أبو رجب أسطره لحجي عبد القادر.. هذا فد واحد لجه يريد يعرف كلشي.
ــ عمي أستاد قادر.. ولو آني أعتدي عليك لأن أنته أستاذ بهذا الشي ومجان واحد يلحكَك بهاي الشغلات، بس شتسوي الوكت خربط كلشي وصار الأستاذ يتعلم من الطالب.. شوف أستاذ قادر هذوله يطلعون يتظاهرون يردون إصلاح الحكم، لأن الأحزاب الحاكمة مصخوها وبعد الناس ما بقت تتحمل، الشباب عطاله بطاله والأحزاب إلي تحكم البلد بعضها يريد الدولة تصير دولة دينية والمتظاهرين يصيحون ما نريد غير دولة مدنية.
ــ نعم.. وما الذي يعنوه بالدولة المدنية؟
ــ ولله حسب ما عاشرتهم جم جمعة وخشيت بنقاش ويه جم واحد منهم، لمن يجون مرات يكَعدون هنا بكَهوتنا، الشباب قنعوني بحجيهم وصدكَت بيهم.. همه يقصدون بالدولة المدنية أنو الحكومة المدنية تضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد الشعب، وهيه أطبق القانون مو غيرها، وتمنع يكون السلاح بيد غيره.. ويكَولون الدولة المدنية تعتمد على مبدأ المواطنة يعني مو المواطن ينعرف من دينه لو قوميته لو بماله، يعرفونه كشخص مواطن. وهناك شي مهم مو مثل ما يكَول أبو عفيفة، الدولة المدنية ما تعادي الدين الإسلامي لو غيره من الأديان، بس هيه ترفض أن يستغل الدين من قبل جماعة ألي يحكمون لتحقيق سوالفهم وأهدافهم السياسية.
ــ نعم كل ذلك صحيح وجيد.. يبدو أنهم يدركون طريقهم رغم وعورته في مثل أوضاع العراق.
ــ تدري استاد قادر آني شكَد أرتاح وأفرح من اشوفك تحجي عدل وصرت تتذكر وكت من جنت أدرس بالكلية. أسال الله وآل البيت يرجعولك عقل الذهب مثل ذاك اليوم، جانت الناس تمدح بيك وبشغلك.
ــ نستفاد منكم أغاتي أبو رجب.
ــ اليوم قبل الظهر راح يجون شباب يكَعدون هنا بالكَهوة يتحضرون للمظاهرة وأنت راح تستمع ألهم وحتى تكَدر تسألهم.
ــ جميل جدًا.. أتشوق لذلك. متى يأتون؟
ــ بعد ساعة لو ساعتين.
ــ لننتظر..
من الصعب وبشكل مباشر اكتشاف ما يفكر فيه الآخرون، فثمة عوامل تلعب دورها في رؤوس الناس وتصارع مشاربهم الفكرية، وما من أحد يستطيع أن يرغم الآخرين دون وسيلة إقناع، على خوض تجربة نقاش هادئ متكافئ بعيد عن الاستحكامات والأحكام المطلقة ليكتشف ما تخبئه أذهانهم، فمن المستحيل أن يمتلك الإنسان في الكثير من الأحيان، الحقيقة المطلقة ولا حتى أقلها شأنًا. فالبشرية تطرح على نفسها فقط المهام التي باتت الشروط المادية متوفرة لحلها، تتعمق وتدمج في الأنماط والأشكال والوسائل التي تنجز بواسطتها البشرية تلك المهام فعليا، أي أن الانتباه يوكل إلى الشروط الإيديولوجية والسياسية للجدل التاريخي، وفي هذا فأبو عفيفة ينازع أبو رجب عند حدود معلوماته عن الدولة المدنية وهي أكبر بكثير من حدود استيعابه، ولذا فالحقيقة تفلت من سيطرته، ولن يستطيع أبو رجب مهما تهيأت له الحجج دحر وتبخيس فكرة أبو عفيفة عن الشيوعيين والشيوعية. فأبو عفيفة رغم خلفيته المهنية المتعلمة، يبدو راسخ القناعة ومعتد بما يقوله، ويعتقد بأن ما يعنيه هو الحقيقة بعينها، ولكن مثل هذا الأمر يعد عند البعض ضربًا من الجنون، والجائز في أمور الاختلاف والتضاد، أن المجانين وحدهم من يمتلك الحقيقة. هل يجوز لي أن أصل لمثل هذا الاستنتاج، أم تراني وقد تلبستني روح الأستاذ عبد القادر ولذا بدأت عندي مثل هذه الهلوسات، فأخذتني لذة الدخول إلى العالم الافتراضي، وعندها أتلمس عبر فضاءه وتهويماته خطى أستاذ قادر وحياته الملتبسة التي ما بقي منها يقينًا مستحقًا.
هل من المناسب أن أشرح لهم ما تعنيه الدولة المدنية أم أن مثل هذا سوف يدخلني في إشكال صعب مع ذهنيتهم التي استقرت عند عالم أستاذ عبد القادر ما بعد الاعتقال، ودونه سيكون العجب العجاب، أم ترى ما أقوله لهم سوف يتوافق وقناعتهم بأصل الصورة القديمة للأستاذ قادر. مثل هذا الانشطار بين الشخصيتين يمكن له شرح الانشقاق الدنيوي بين المجتمع المدني والدولة السياسية والذي ينجم عن التناقض بين الإنسان البرجوازي ومواطن الدولة العادي. الملاكون ومعدومو الدخل، بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة بين طابع التملك الخاص لوسائل الإنتاج ونتائج العمل نفسه، إنه التناقض والتضاد والانشقاق بين المجتمع المدني والدولة السياسية. لأرمي ذلك على عاتق ذهن الأستاذ عبد القادر وهو حافظة غنية ممكن لي أن استل منها ما أشاء.
تبسم ماركس وهو يفكر بهذا التعرج الفكري في عالم يراد أن يفرض عليه كواقع، بل حقًا هناك كائن فنتازي يجاوره في مسيرته داخل العراق وهو الحضور والواقع الوحيد بالنسبة له وليس له خيار غير البحث من داخله وبأدواته عن الخلاص.
ارتشف شيئًا من الشاي وطالع وجوه جلاس المقهى.. زباين المقهى مثلما سماهم أبو داوود.. زباين أم زبانات ما الذي سوف يختلف عنده، أيستحق أن يجادل أحدهم في هذا المعنى. فالعراقي معروف عنه صاحب جدل حتى في مثل هذه النتف الصغيرة ولا يمكن إقناعه بسهولة. سمعت مرة قول لأحد الرجال الحكماء بأن العراقي مشاغب بطبعه، ولكني لم أجد ما يوصف ذلك أو يقاربه، فالبسطاء من هؤلاء الناس بسطاء في طيبتهم وكرمهم مثلما في تطلعاتهم ونواياهم. ليست لي القدرة على الإحاطة بكل صلاح أو عاهات هذا الشعب وأنا الذي وضعت في محيط أدور فيه من مأزق لآخر. زوايا مغلقة ومسالك لا تفضي لشيء يناسب من يريد اكتشاف الواقع.
استرعى انتباه ماركس مرور مجموعة شباب خطرت أمام المقهى ثم لحقت بها موجة أخرى. جميعهم كانوا شبابًا يرتدون الملابس الحديثة وتبدو على وجوههم سمات الصحة والحيوية. خرج ماركس ليجلس خارج المقهى عند المقعد القريب من عربة أبو عفيفة. راح ينظر إلى مجاميع الشباب التي ترد المكان سائرة نحو نهاية الزقاق حيث مخرج السوق المفضي إلى الشارع الرئيسي. اشتدت الحاجة لديه للسؤال عن هؤلاء ووجهتهم.
ــ من هؤلاء الشباب وأين تراهم ذاهبون؟
ــ خوش سؤال أستاذ قادر، أنته مو من الصبح ليهسة أدور على جماعة خبز حرية دولة
مدنية؟
ــ نعم.
ــ أغاتي هذوله همه إلي أدور عليهم.. شوف شلون ورود ومتفحين، ومن تسألهم يكَولون ماكو خبز والحكومة تبوكَ قوت الشعب.. حيره والله ما أدري أصدكَ بيهم لو أصدكَ بالحكومة.
هكذا عقب أبو عفيفه وهو يراقب مجاميع الشباب الواردة على الزقاق حاملة بعض الأعلام واللافتات المطوية.
ــ تعتقد أن هؤلاء غير صادقين في ما ينادون به؟
ــ مو كلش.. بس مرات أكَول الحق وياهم.
ــ هل أنت مكتفي ماليا؟
ــ لا عمي.. التقاعد وهاي شغلة العربانه وممطلع بيه راس.
ــ ماذا تعني ممطلع بيه رأس..
فجأة صرخ أبو عفيفة بصوته الجهوري مناديًا أبو رجب.
ــ يمعود أبو رجب تعال ترجم العمك.. تره اليوم روحي زهكانه وليهسه ممطلع فلوس الصمونات.
ــ هاي شبيك أبو عفيفة؟
ــ أحجيله بالعربي ومدى يفتهمني.. أكَله راتب التقاعد والشغل مال العربانه ميكفي العيشه يكَول شنو تقصد.
ــ أنت لم تقل هكذا.. قلت ممطلع بيه رأس فأردت معرفة عن أي رأس تتحدث؟
ــ راس أبو البرتقاله يلوكَ لبيبيتك.. يمعود أبو رجب ليش ما تخذه للأستاذ تفره ابغداد تراويه الزوراء لو أسواق الكراده بلجي ربك يعطف عليه ويكوم يتذكر.. وبجاه الله وسيدنا عبد القادر ينعدل عده الديلكو.
ــ هم هاي فكره والله أبو عفيفة.. بعد شويه آخذه وياي للمظاهرة وأخلي يرفع علم العراق ويهتف ويانه.
ــ هاي شلك بيه أبو رجب.. يمعود يروح يتيه، لو يتخربط، لو يكَوم يسوي حركات مزينه ويعتقلوه.. تره وضع الشرطة هل أيام مو تمام، ومرات يرتبكون ويدورون حجة على الناس.. وفجأة وتلكاه رايح بالسجن، وهناك راح ياكل تن كتل ومحد يلحكَله.. خوب أنته مو تروح أدور عليه من موقف الموقف.. وأنته عدك فلوس حتى أطلعه.
ــ لا راح ألزم أيده وأخلي بصفي ما يتحرك.
ــ والله ما أدري شأكَول شنو أحجي.. هاي أنته العاقل وتريد تتصرف هيجي.







اخر الافلام

.. مسلسل أبو عمر المصري - دكتور الجامعة يهدد أحمد عز -عيسي- بوق


.. مهرجان سينما فلسطين بنسخته الرابعة في باريس وضواحيها


.. جزء من لقاء الفنان الكبير رضا الخياط على قناة العراقية مع اب




.. أنا الشاهد: مهرجان سوس للفيلم القصير في المغرب يحتفي بالسينم


.. تفاعلكم: 25 سؤالا مع الفنان المصري عمرو سعد