الحوار المتمدن - موبايل



أزمة مقياس القيمة

محمد عادل زكي

2016 / 12 / 16
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(1)
كيف يمكن المبادلة بين ساعة عمل منسق زهور وساعة عمل عامل منجم؟ يقول الاقتصاد السياسي بتحويل عدد ساعات العمل المركب إلى عدد ساعات عمل بسيط أو العكس! ولكن، ما هو معيار العمل المركب؟ وما هو معيار العمل البسيط؟ وما هو معيار العمل البارع؟ وما هو معيار العمل الشاق؟ الاقتصاد السياسي، وماركس، لا يجدون إجابة. فيضطر كل منهما، أي الكلاسيك وماركس، إلى إحالتنا إلى السوق! فابتداءً من سميث الذي رأي أن قوانين السوق تنهض بعملية المقارنة بين العمل البسيط والعمل الشاق، وتسوي، بوجه عام، بين الأعمال المختلفة من جهتي الشدة والبراعة، يعتمد الاقتصاد السياسي في هذا الشأن، أي التفرقة بين العمل البسيط والعمل الشاق، اعتماداً كلياً على السوق، ولا يبحث في القانون الموضوعي الذي يحدد معيار التفرقة بين العملين، فماركس يرى في رأس المال:"أن النسب المختلفة التي يتم بها إرجاع أنواع مختلفة من العمل إلى العمل البسيط كوحدة لقياسها تحددها عملية اجتماعية تجري من وراء ظهور المنتجين"(1). وفي مقالنا هذا نستأنف برهنتنا على نقد مقياس القيمة. مفترضين أن مقياس القيمة الذي يعتد به الاقتصاد السياسي، وهو كمية العمل، هو مقياس غير صحيح (علمياً، ولغة، ومصطلحاً)، ولا يمكنه تقديم إجابة، علمية منضبطة، على السؤال المنشغل بكيفية المقارنة بين الأعمال التي تختلف عن بعضها البعض في الشدة أو البراعة.
(2)
في إطار تكوين الوعي بماهية القيمة ومقياسها ووحدة قياسها، يتعين أن ندرك أن العامل حينما يذهب إلى مصنع الرأسمالي أو متجره، ووفقاً لعقد العمل المبرم بينه وبين رب العمل، لا يقوم ببيع عمله للثاني، إنما يقوم ببيع قوة عمله، أي يبيع قدرته على العمل. والفارق بين الأمرين هو سبب استمرار الرأسمالي والرأسمالية.
فالرأسمالي والعامل المأجور وفقاً لأحكام العلاقة الحقوقية بينهما يلتزم كل منهما تجاه الآخر بالتزام محدد، الرأسمالي يلتزم بأن يدفع للعامل الأجر لكي يظل العامل على قيد الحياة. يبقى حياً. يظل قادراً على العمل. وفي المقابل يقدم هذا العامل عملاً زائداً غير مدفوع الأجر. وكأن الرأسمالي يقول للعامل، ووفقاً للعقد:"إذا أردت أن تعيش، عليك أن تقدم لي عملاً زائداً. نعم سأعطيك ما يسدّ رَمَقك. ولكني لست مجبراً على ذلك إلا إذا قدمت لي بالمقابل عملاً زائداً لا أدفع لقائه أجراً، ويكون هذا هو المقابل الَّذي تؤديه لي نظير أني أجعلك باقياً على قيد الحياة بما أدفعه لك من أجر".
ولكن تلك العلاقة الحقوقية لا تعني أبداً أن القدرة على العمل هي محل العقد، بل أن هذه العلاقة الحقوقية تعني، بالأساس، أن الرأسمالي (يدفع) للعامل ما يجعله قادراً على بذل العمل؛ ولكنه، في الحقيقة، (يأخذ) منه العمل فعلاً، يحصل على المجهود المنفق فعلياً، والَّذي يتجسد في الناتج، كقيمة. والفارق بين الإثنين، أي الفارق بين ما دفعه الرأسمالي مقابل بقاء العامل حياً قادراً على العمل، وبين ما حصل عليه من العمل فعلاً، يستأثر هو به.
(3)
ولكي نوضح الفكرة نضرب المثل الآتي، إنما بالقدر الَّذي يتيح فهم القيمة ومقياسها: فلنفترض الآن(2) أن: المجتمع يبدأ عملية الإنتاج وتحت يده مليار سعراً حرارياً معبراً عنها بمليار وحدة من الورق الملون، وقد أُثبت بكل ورقة أنها تمثل واحد سعراً حرارياً، ويستطيع حامل أية ورقة من هذه الأوراق أن يتخلى عنها ويحصل بالتالي في مقابلها على وحدة واحدة من مادة غذائية ما، تمنحه سعراً حرارياً واحداً. والآن، سوف يقوم الرأسماليون في هذا المجتمع، وهم أصحاب قرار الإنتاج، بتحويل 600 مليون ورقة تمثل 600 مليون(س.ح) إلى وسائل إنتاج (مواد عمل + أدوات العمل)، على النحو الآتي: 300 مليون ورقة ملونة لشراء مواد العمل؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء منتجي المواد الخام والمواد المساعدة 300 مليون ورقة ملونة تمثل 300 مليون(س.ح)، ويأخذون في المقابل ما يحتاجون إليه من مواد للعمل. والـ 300 مليون ورقة ملونة الأخرى لشراء أدوات العمل(3)؛ إذ سيقوم الرأسماليون بإعطاء الرأسماليين منتجي الآلات300 مليون ورقة ملونة تمثل 300 مليون سعراً حرارياً، ويأخذون منهم في المقابل ما يحتاجون إليه من آلات. وبعد أن يكتمل لدى الرأسماليين ما يحتاجونه من المواد والآلات، يقومون بشراء قوة العمل؛ يتعاقدون مع العمال كي يقوموا بتحويل المواد، من خلال الآلات، إلى منتجات، ويدفع الرأسماليون لهؤلاء العمال 400 مليون ورقة ملونة، تمثل400 مليون(س.ح) والعمال الَّذين حصلوا لتوهم على 400 مليون ورقة ملونة تمثل400 مليون(س.ح) بإمكانهم أن يذهبوا بها لشراء منتجات وخدمات قيمتها 400 مليون(س.ح) وهم حينما يحصلون على هذه المنتجات (من خلال مبادلة أوراقهم الملونة بمواد غذائية، وملابس، ومسكن، وصحة، وتعليم،... إلخ،) سيقومون بالعمل، بالإنتاج، وبالتالي سوف يقومون بإرجاع القيمة الَّتي حصلوا عليها من الرأسمالي أي الـ 400 مليون(س.ح)، ولكن توقف العملية عند هذا الحد ليس له معنى بالنسبة للرأسماليين. فلقد أنفق الرأسماليون مليار وحدة، والآن رجعت نفس المليار وحدة في صورة سلع. وبالتالي يجب أن ينتج العمال قيمة تفوق ما حصلوا عليها، إذ يجب أن يقوم العمال بإعطاء الرأسماليين قيمة تفوق ما تلقوه.(4)
فالعامل، على سبيل المثال، يستطيع بورقة ملونة أن يشتري مادة غذائية ما، بذل في سبيل إنتاجها 1 (س.ح) مثلاً، ولكنها تمنحه 10 (س.ح) تمكنه من العمل لمدة 8 ساعات، بل ربما أمدته بالطاقة لمدة يوم كامل مؤلّف من 24 ساعة. فبافتراض أن كل ورقة ملونة، وبالتالي كل 1 (س.ح) يعطي 10 (س.ح)، وبافتراض كذلك، وهو افتراض غير علمي بالطبع، أن الـ 10 (س.ح) بمثابة الحد الأدنى لبقاء العامل حياً قادراً على العمل. فمعنى ذلك أن العمال تلقوا من الرأسمالي 400 مليون (س.ح) ولكنهم ردوا له 4 مليار (س.ح)(5)، وهو ما سيصطلح على تسميته "القيمة الزائدة"، وهو أيضاً ما سوف يستحوذ عليه الرأسمالي. ومن ثم لا يجد الرأسماليون في نهاية عملية الإنتاج، مليار (س.ح)، وإنما يجدوا 4 مليار (س.ح) قيمة زائدة + 600 مليون (قيمة وسائل الإنتاج)؛ فلم تكن الـ 400 مليون (س.ح) الَّتي تم دفعها للعمال إلا (ليعيشوا)، لم تكن إلا ليجددوا إنتاج طبقتهم، فلقد باع العمال قوة عملهم، باعوا قدرتهم على العمل، وليس عملهم. ولكن الرأسمالي في المقابل دفع لهم الأجر لقاء بقائهم أحياء قادرين على العمل، ولكنه أخذ العمل فعلاً. فلقد دفع الرأسمالي 400 مليون (س.ح) هي قيمة بقاء العامل حياً قادراً على العمل، ولكنه تلقى 800 مليون (س.ح) هي القيمة الفعلية للعمل.
(4)
ولتقريب الفكرة أكثر بوحدات النقد، الَّتي كانت الورق الملون في المثل أعلاه، وبمثال بسيط للغاية، وواقعي جداً، يمكن لعامل المصنع الَّذي يتناول عدة جرامات من حلاوة الطحين وكسرة خبز، لا تتجاوز قيمتهما 2 جنيهاً، أن يعمل لدى الرأسمالي لمدة 8 ساعات، وربما 12 ساعة، وينتج عشرات الأضعاف من قيمة قطعة حلاوة الطحين وكسرة الخبز. والفارق يكون من نصيب الرأسمالي. والعامل، في الأغلب الأعم، ولأنه يؤجَّر وفقاً لحد الكفاف، يشتري (أرخص) ما يمكن أن يعطيه (أعلى) درجة من الطاقة الَّتي تمكنه من العمل طوال يوم العمل(6)؛ وهو على هذا النحو يدفع بالقيمة الزائدة، الَّتي هي في الحقيقة طاقة زائدة؛ متجسدة في ناتج زائد، إلى خزائن الرأسمالي الَّذي بدوره يراكمها من أجل تجديد إنتاجه على نطاق متسع.
(5)
وعلى الرغم من أن النتيجة الَّتي بلغناها ربما تتوافق من زاوية ما مع وصل إليه علم الاقتصاد السياسي عبر تطوره خلال مئتي عام تقريباً، تحديداً بشأن القيمة الزائدة وقياس القيمة بعدد ساعات العمل، إلا أن الأهمية العملية لقياس القيمة وتقديرها بواسطة السعرات الحرارية (الضرورية اجتماعياً)، تبرز، ضمن ما تبرز، في أمرين على الأقل:
أولاً: كثير من الأعمال تختلف عن بعضها البعض من جهة الشدة والبراعة والبساطة والتعقيد، فمن الأشياء ما يتطلب بذل مجهود يفوق المجهود المبذول في أشياء أخرى، ومن الأشياء أيضاً ما يحتاج براعة في إنتاجه يتجاوز ما هو مطلوب لإنتاج أشياء أخرى. والواقع أن هذه المشكلة واجهت الاقتصاد السياسي، كما سنرى، وتجاوزها بالإحالة إلى السوق. فحينما وجد الاقتصاد السياسي صعوبة في المقارنة بين ساعة عمل عامل منجم وساعة عمل جنايني، اضطر إلى الإحالة إلى السوق حيث يتم هناك التسوية بين الأعمال المختلفة. ولكن، ودون اللجوء إلى السوق، يمكن المقارنة بين هذه الأعمال من خلال قياس المجهود المبذول فعلاً بالتعرف إلى السعرات الحرارية المستلزمة لإنجاز العمل.
ثانياً: عادة ما تقف صعوبة قياس قيمة (الخدمة) أي صعوبة قياس المجهود المبذول في قطاع الخدمات والتجارة في مواجهة اعتبار العامل في هذا القطاع منتجاً لقيمة زائدة، بل وإخراج العمل في هذا القطاع من دائرة العمل المنتج بالأساس. ولكن يمكنَّا الاعتداد بكمية الطاقة المبذولة في العمل المعني من حساب القيمة الزائدة في قطاع الخدمات والتجارة.
الهوامش
-------
(1) ماركس، رأس المال، الكتاب الأول، الفصل السابع. وقارن: ريكاردو، المباديء، طبعة جون موراي، ص31. وكتب جارودي، وفقاً لماركس:"... إن آلية السوق العفوية تتيح إمكانية قيام علاقات جديدة: فساعة واحدة من عمل الميكانيكي ستعادل عمل ساعة ونصف ساعة من عمل الحائك وهكذا دواليك". روجيه جارودي، كارل ماركس، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: منشورات دار الآداب، 1970)، ص209.
(2) الافتراض يبنى على نقدنا لمقياس القيمة، وتصحيح المقياس من كمية العمل إلى السعرات الحرارية. والأرقام لتوضيح الفكرة لا أكثر ولا أقل، ولذا فهي اعتباطية، ويمكن، بل يتعين، التعويض عن الأوراق الملونة بوحدات من النقود، مع افتراض حيادها.
(3) وفقاً لمقتضى التجريد، نستخدم هنا، تجاوزاً، كلمة أداة، مع وجوب الوعي، ليس فحسب بالفرق بين الأداة والماكينة (التي تتكون من المحرك وناقل الحركة والأداة ذاتها)، إنما كذلك بتطور الأولى إلى الثانية عبر تطور الصراع من أجل السيطرة على الجديد في حقل التقنية. وعليه، يمكننا القول بأن الصراع من أجل الاستحواذ على الجديد في التقنية هو الذي يحكم تطور التقنية، وليس التطور في التقنية هو الذي يحدد تطور الصراع من أجل الحصول عليها. وهذا الصراع هو الذي يحدد شكل الأول ومستويات تطوره.
(4) وإذا لم يحدث ذلك فسيغلق الرأسماليون مصانعهم لأن المحصلة النهائية لعملية الإنتاج ستكون صفراً! فبعد الإنتاج سيجد الرأسماليون بين أيديهم منتجاتاً بقيمة مليار وحدة (300 مليون "مواد عمل" + 300 مليون "أدوات عمل" + 400 مليون "قوة عمل"). وبالتالي لن يقدم الرأسماليون على اتخاذ قرار الإنتاج.
(5) وذلك على النحو الآتي: حيث أن كل 1 (س.ح) من الـ 400 مليون (س.ح) تعطي 10 (س.ح)، فإن الـ 400 مليون (س.ح) ÷ 1 (س.ح) = 400 مليون (س.ح). وبضرب الـ 400 مليون (س.ح) × 10 (س.ح) = 4 مليار(س.ح).
(6) ولذا، يعد كلاً من العيش والفول والبطاطس والباذنجان، وبالتبع الزيوت رخيصة الثمن، من أهم أنواع الغذاء لدى الطبقة العاملة، إذ تتميز أثمان هذه السلع بالرخص النسبي، كما أنها تعطي للعامل، بل ولأسرته، درجة عالية من السعرات الحرارية التي تمكنه، وتمكنهم، من البقاء أحياء للوجبة التالية!







اخر الافلام

.. الوطن اليوم | إحباط 4 محاولات لتهريب 3 كيلوجرامات من الهيروي


.. 22/8/2017 | الخائن سيبقى خائناً.. بحسب العلم.. وعناوين أخرى


.. ترمب يقرر زيادة عدد القوات الأميركية بأفغانستان




.. كل يوم كتاب: المؤثر


.. أقطع 1400 كلم من أجل التعليم