الحوار المتمدن - موبايل



الاشتراكية في السياسة و التاريخ: خرافة الطريق الثالث( قراءة في كتاب)

ممدوح مكرم

2016 / 12 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


(1)
ها هو بعد تلكؤٍ يظهر إلى النور هذا المقال، الذي طالما نوهت عنه، ولطالما انتظره الكثير من القراء الأعزاء والمهتمين، هذا المقال سيكون مهمًا؛ لما سيطرحه من خلال عرضٍ تحليلي لكتابٍ مهمٍ جدًا، هو: الاشتراكية في السياسة و التاريخ، خرافة الطريق الثالث، للمناضل المصري و المفكر الراحل عيداروس القصير.
وهذا المقال ضرب عصفورين بحجرٍ واحد: الأول: احتفاء غير وافٍ بواحد من مثقفي ومناضلي الحركة الشيوعية المصرية، والثاني: احتفاء بكتابٍ مهم طرح العديد من القضايا والإشكاليات، بشكل جديد بخلاف السائد و النمطي في الكتابات الماركسية، رغم تأخر الإحتفاء الذي كان من المفترض في شهر أيلول( سبتمبر) وهو الشهر الذي تُوفِّي فيه الراحل عيداروس القصير عام 2011م، ولكن دائمًا الظروف ما كانت تحول دون ذلك، وضغوط مختلفة بسبب إشكاليات الوضع الراهن.
في خريف عام 2009م، جمعني اللقاء الأول بالمناضل الراحل الأستاذ عيداروس القصير، وذلك في شقته التي كانت كائنة بمدينة نصر، طالعني هذا الجسد النحيل الذي يشبه أجساد النُّسَاك والمتصوفة، ولكنه في حديثه المتواصل في تلك الليلة تشعر بمدى القوة المختزنة داخل هذا الجسد، واستمر الحديث حتى انبلاج خيوط الصباح الأولى، مع تدخين كمٍ هائل من السجائر، من هنا من تلك الليلة بدأت خيوط العلاقة مع مدرسة هذا المناضل، الذي حَمَلنَّي مجموعة من الوثائق والأوراق الصادرة من اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية، فضلا عن نسخ من كتابين له هما: أزمة مصر الحقيقية، والكتاب موضوع مقالنا(الاشتراكية في السياسة و التاريخ) لم انتظر وصولي إلى أسيوط، و في القطار بدأتُ رحلةً جديدة، وأنا أُقَلبّ صفحات الكتابين.
عيدراوس القصير الذي انتمي لحدتو، وهو ضمن المجموعة القليلة التي رفضت حل الحزب الشيوعي داخل معتقلات ناصر، وهو الذي أسس مع رفاقه ما كان يُعرف بـ (ت.ث: التيار الثوري) والذي فتح عيناه منذ فترة مبكرة على الماوية في الصين، ولم يتوقف عطاؤه طوال حياته، فهو من مؤسسي حدتو-الديمقراطية الشعبية(ثمنانيات القرن أو آواخر السبيعينات) بعد الخلاف الذي حدث داخل التيار الثوري؛ بسبب الموقف من سلطة السادات، و من وجود حزب علني لليسار في تلك الفترة، لم يهتز مناضلنا من سقوط التجربة[الاشتراكية] ككثيرين في تسعينات القرن المنصرم، بل كان يشعر بذلك، فحافظ على تماسكه الفكري والأيديولجي، ولم ينخر سوس اليأس والإحباط داخل روحه كما حدث مع أضرابه في تلك الفترة( الذي اتجه لليمين، والذي طَلقَّ القضية بالثلاث: طلقات بائنة، والذي رأي في النظام الحاكم الخلاص!!) كان يكتب و ينظم بعض الحلقات الماركسية، التي تضيق وتتسع بحسب الظروف، حتى العام 2003م، وهي السنة التي قامت أمريكا بغزو العراق، وفي 2004م تم طرح مبادرات الإصلاح في الشرق الأوسط( ضمن ما عُرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وحديث كوندليزا رايس عن الفوضي الخَلَاقَّة) وتأسست على إثر ذلك اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية، حتى إنتفاضة يناير 2011م، وفي آذار مارس يُعلن عن تأسيس حركة الديمقراطية الشعبية المصرية، بجذورها السابقة و بمسمياتها التي اختلفت من فترة لفترة، وهي كلها كانت بدعم ومساندة وقيادة مناضلنا الراحل.
هذه كانت ملامح سريعة عن الأستاذ عيداروس القصير، أشبه (بمونتاج) للمساعدة في فهم كيف يفكر هذا الرجل؟ على أمل أنْ يكون هناك دراسة معمقة عن مشروعه الفكري، للوقوف على إضافته لرؤية الحركة الشيوعية المصرية فيما يتعلق بمصر والعالم العربي.
كتب مناضلنا الكثير من الدراسات والأوراق، وحتى البيانات السياسية، وصاغ البرامج السياسية للتنظيمات التي أسسها وشارك في تأسيسها، سنذكر بعض العناوين على سبيل المثال؛ حتى ندخل سريعًا للحديث عن كتابنا المذكور في عنوان المقال:-
1- دراسة قيمة عن الحل الاستراتيجي للقضية الفلسطينية.
2- دراسة عن التطور الديمقراطي في مصر.
3- دراسة وقراءة مهمة مبكرة عن إتفاقية (السلام) عام 1979م، كتبها في أوائل أبريل(نيسان) والإتفاقية وُقِعتّ 26 آذار(مارس) 1979م.
4- إمبريالية عصرنا.
5- طريقنا للتطور الديمقراطي لمصر.
6- ودراسة لم أطلع عليها: عن تحليل الطبقات في مصر( غير موجودة بحوزتي).
7- كتاب أزمة مصر الحقيقية.
8- كتاب الاشتراكية في السياسة و التاريخ، خرافة الطريق الثالث.
ودراسات ومقالات أخرى منشورة في مصر وبعضها خارج مصر( عبر المواقع الالكترونية) فضلا عن البرامج والخط السياسي للتنظيمات التي أشرنا إليها قبلا.
[2]
" إذا كانت الرأسمالية قد ذهب زمانها تاريخيًا، فإن أزمة الاشتراكية تقع بالضرورة في مجال السياسة والفكر، و ليس في مجال التاريخ، إلا أننا نصل إلى هذه الخلاصة، لا من تحليل أزمة الرأسمالية فحسب، بل وأيضًا من التحليل المباشر لأزمة الحركة العمالية والاشتراكية"
(صـ 11)
الشعور بالأزمة الخانقة التي اجتاحت العالم في آوائل التسعينات( أي سقوط الاتحاد السوفيتي ودول أروبا الشرقية) و تربع أمريكا وهيمنتها على عرش الكوكب، فيما بات يُعرف بالقطب الواحد، وتطبيق سياسات التكيف الهيكلي... والعدوان على العراق في التسعينات وما بعدها... إلخ كل ذلك كان يشكل عوامل ضغط على المثقفين المناضلين؛ ليفهموا ما حدث؟ ولماذا حدث؟ وبأي كيفية؟ وفي أي سياق؟ ومن هنا تعددت الرؤى و الأطروحات بعضها انطلق من اليمين وأعلن نهاية التاريخ( أسوةً بفوكو ياما) والبعض الآخر انطلق من صِدام الحضارات ( أسوةً بصمويل هنتجتون) والبعض انطلق من اليسار لفهم ما حدث، ولكن بِعُدة وعتادٍ فكريين تجاوزهما الزمن، ودهستهما عجلة التاريخ التي لا تتوقف أبدًا عن الدوران!
كان مفكرنا ومناضلنا> من القلائل الذين لم يركنوا إلى كل تلك الرؤى والتحليلات المتخبطة، ولا حتى الرؤى الماركسية الساذجة (بعضها على الأقل) التي لم تستوعب جيدًا ما حدث، وهو ما جعلها إما تنحرف يمينًا، أو تنحرف يسارًا.
ما نتحدث عنه هو موضوع كتابنا، الذي صدر عن > في طبعته الأولي عام 2002م، ويقع الكتاب في 287 صفحة من القطع المتوسط، يقول الأستاذ عيداروس في مقدمة الكتاب: " يتناول هذا الكتاب عددًا من القضايا، يجمعها خيطٌ واحد، هو محاولة تقدير آفاق مستقبل الاشتراكية بوجه خاص، ومستقبل التطور الذاتي للمجتمعات المعاصرة بوجه عام" (صـ7) هذه هي القضية المحورية التي يطرحها الكتاب من خلال تحليل أزمة الاشتراكية والإجابة عن سؤال: هل أزمة الاشتراكية في السياسة؟ أم في التاريخ؟ فيقول في موضعٍ آخر من المقدمة: " فما جوهر الأزمة؟ وما هو مجالها؟ هل هو مجال التاريخ؟ أي أنَّ الشروط الموضوعية لبدء ثورة اجتماعية جديدة لم تظهر بعد؛ فتكون الاشتراكية لا تزال فكرة<< طوباوية>> أو خيالية غير قابلة للتطبيق في الحقبة المقبلة، ولايزال الجور حقًا، وصوابًا، وضروة، أم أنَّ مجال الأزمة هو المجال السياسي و الفكري؟ ونقصد بالمجال السياسي هنا بمعناه الذاتي، أي الإختيار بين الممكنات و البدائل المتاحة، وكذلك بمعناه الموضوعي أي الوضع السياسي والاقتصادي، الذي يشكل الأساس الموضوعي للتغيرات في الحركة الجماهيرية الثورية...." (صـ 7).. إذن هذا النص و الذي قبله في الإقتباس هما اللذان يحددان فكرة وبنية الكتاب، وطريقة تقسيمه وطريقة معالجة الموضوعات، وهو يجيب في المقدمة عن أسئلته المطروحة لينطلق فيما بعد في تفصيل الإجابة عبر أبواب الكتاب، فيجيب" ... بداية نقول إنه إذا لم تكن الاشتراكية قابلة للتطبيق، لأصبحت الرأسمالية كما قال بعض منظري الرأسمالية: نهاية التاريخ، وإذا لم تكن الرأسمالية آخر مراحل التطور التاريخي فإن البديل الوحيد هو الاشتراكية" .
دون مواربة استطاع المؤلف أن يجيب عن أسئلته، مستخدمًا أدواته الفكرية و المنهجية التي ترتكز على الديالكتيك الماركسي من ناحية، وعدم الركون للتحليلات الجاهزة من ناحية أخرى، وملاحظة التطورات و المظاهر الجديدة التي طرأت على بنية الرأسمالية ذاتها( كتشكيلة اجتماعية- اقتصادية) يشكل الإستغلال والنهب جوهرها بكافة صورها وتحولاتها وأدواتها.
والجدير بالذكر أنَّ مؤلفنا ينتمي لمدرسة ماركسية العالم الثالث، التي تربط بين التحرر الوطني من جهة(أي التخلص من إرث التبعية و التخلف الناتجين عن التشوهات التي تركها الاستعمار القديم، ثم التبعية الجديدة بعد تضعضع مشاريع التحرر) ومن جهة ثانية بـ بالتحرر الاجتماعي و الطبقي من ربقة رأس المال المحلي المسيطر في العالم الثالث، والذي يمثل الأساس للتبعية لرأسمال العالمي، وهي تمثل رؤية متميزة قلما توفرت للماركسيين الذين أخذوا بالطبعة السوفيتية، والذين تبنوا مقولات ورؤى ثبت خطأؤها وفشلها مثل<< نظرية التطور اللارأسمالي>> وهو ما ظهر واضحًا في جُل كتاباته.
بنية الكتاب( تقسيمة الكتاب)
تضمن الكتاب: مقدمة وأربعة أبواب، وكل باب انقسم إلى عدد من الفصول، وكل فصلٍ عالج نقاط فرعية أخرى كالتالي:-
1- مقدمة: عرض فيها لأهمية الموضوع، وكيفية تناوله، وتقسيمة الكتاب.
2- الباب الأول:تناول فيه الاشتراكية من مجال الممكن إلى حيز الواقع، وضم فصلين:-
الأول: الضرورة التاريخية للاشتراكية وشروط تحققها، وحلل فيه( نظرية الاشتراكية العلمية، العامل الرئيسي: الشروط الذاتية للصراع الطبقي، حزب العمال الأجراء والفلاحين الفقراء).
الثاني: الماركسية والاشتراكية، عرض لـ( وحدة النظرية و الممارسة العملية، المادية التاريخية، النفي الجدلي للرأسمالية، الماركسية ليست هي الماركسية السوفيتية)
3- الباب الثاني: الإنتقال من الرأسمالية للاشتراكية، وتحدث في ثلاثة فصول عن:-
الفصل الثالث: الدولة و الديمقراطية والاشتراكية، وعالج من خلاله مسألة مرحلة الإنتقال للشيوعية، ونظرية ديكتاتورية البروليتاريا، وحول الخبرة التاريخية لديكتاتورية البروليتاريا ونظرية الدولة، في نقطة أخرى تناول: قصر مفهوم الدولة على كونها أداة لسيطرة طبقة هي الأقوى اقتصاديًا، وتعرض بعد ذلك لـ جدة التجربة على التاريخ البشري(الاشتراكية) وخَلُصَ لمجوعة من الاستنتاجات.
الفصل الرابع: مسألة انتقال الفلاحين والمنتجين الصغار إلى الاشتراكية( وعلاقتها بالنظام الأساسي للاشتراكية في التجارب السابقة، وتعرض لـ الرأسمالية والاشتراكية و المنتج الصغير، التجربة السوفيتية، التجربة الصينية، ثم ختم الفصل بعدة استنتاجات.
الفصل الخامس: طبيعة مرحلة الانتقال ومهمتها الرئيسية، حيث تناول في أربعة نقاط عدة قضايا:
أ‌- إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ليس إلا نقطة بدء مجتمع جديد,
ب‌- طوران في مجتمع واحد، تشكيلة اجتماعية واحدة.
ت‌- غايات الاشتراكية وشروط تحققها.
ث‌- المسألة الرئيسية في التقدم نحو غايات الاشتراكية.
وبذا ينتهي هذا الباب، ليبدأ الباب الثالث.
4- الباب الثالث: الرأسمالية المعاصرة، وحلل فيه عبر فصلين بنية الرأسمالية المعاصرة،من خلال عدة زوايا أو نقاط، وعَنوَنَّ الفصل السادس بـ :- الرأسمالية المعاصرة منظومة إمبريالية، وقد تحدث في هذا الفصل عن تطور الرأسمالية وأطوارها المختلفة بدءًا بـ الرأسمالية التجارية، ثم الثورة الصناعية ونموالاحتكارات، وظهور الإمبريالية، معتمدًا على تحليلات << لينين، وتجاوزها في ذات الوقت>>، ثم الإمبريالية الجديدة، الأزمة الاقتصادية وتطور العولمة.
ثم تحدث في الفصل السابع عن: تفاقم تناقضات الرأسمالية بمصاحبة تجديداتها التكنولوجية، وهو فصل مهم جدًا في الكتاب، حيث ربط بين أزمة الرأسمالية، وهذا التقدم العلمي و التكنولوجي الهائل في العقود الأخيرة، وهو ما يستدعي فهم طبيعة التغيرات في بنية الطبقة العاملة ذاتها، والشروط الجديدة للصراع الطبقي، وجذور الأزمة في الحركة العمالية والاشتراكية، ثم في نهاية الفصل يتحدث عن: نهاية تاريخ الرأسمالية.
5- ليبدأ في الباب الرابع والأخير الحديث عن: العولمة وآفاق التطور الذاتي المستقل و الثورة الاشتراكية والذي ضم تمهيد و ثلاثة فصول:-
الفصل الثامن: الإمبريالية والثورة الاشتراكية.
التاسع: العولمة.
العاشر: العولمة وآفاق التطور المستقل والثورة الاشتراكية.
ثم قائمة المصادر والمراجع الأجنبية و العربية.
هذه كانت التقسيمة التي قام بها المؤلف للكتاب( أبواب، فصول، مباحث-نقاط فرعية) مستلهمًا الماركسية- اللينينية الماوية، مرتكز بشكل صارم على المادية الجدلية و التاريخية، وفي نفس الوقت القطع والوصل معها عبر تجادل بين ما توصل له لينين في عصره وظروفه، وبين عصر المؤلف وظروفه الذي شهد تبدلات كبيرة تختلف حتى كيفيًا عن عصر لينين - إذ لم نبالغ في التعبير-
[3]
تتمثل قيمة هذا الكتاب الأساسية فيما طرحه من قضايا شديدة الأهمية بالنسبة لعموم الحركة الشيوعية في المنطقة، وبل ولا نبالغ عندما نقول حتى على المستوى الأممي؛ لأنَّ الكتاب قد جَذَّرَ لضروة أنْ تحل الاشتراكية كنظام بديل عن الرأسمالية رغم كل الظروف والإخفاقات التي مرت بها، والتي تعود أساسًا للخيارات السياسية للأحزاب و القوى الاشتراكية التي وصلت للحكم في عددٍ من البلاد، وأنَّ أفق المستقبل مفتوحُ على الثورة الاشتراكية، وقد بدأت هذا الأفق بالتفتح غداة ثورة أكتوبر العظيمة 1917م في روسيا، والتي أخفقت فيما بعد مع غيرها من التجارب، ويحلل المؤلف أسباب الإخفاق بشكلٍ اختلف عن السائد، فهو يعود إلى أسباب هذا الإخفاق إلى جذور الانحراف الاقتصادي في فكر الحزب البلشفي، ويعني بالانحراف الاقتصادي: الإيمان الخرافي بهيمنة المجال الاقتصادي على المجالين السياسي والفكري في مرحلة الانتقال للاشتراكية و بنائها، وهوما كان يسميه لينين بـ " الاقتصادوية" ( بتصرف: صـ 76) و ينتقد لينين قائلا: " ... و نتبين من ذلك أنَّ الجدال اللينيني سواء ضد الدولية الثانية، أو ضد التيار الذي يُغَلَّب النضال الاقتصادي على النضال السياسي والفكري الذي عرضه لينين في كتابه الشهير<< ما العمل؟>> لم يمثل قطيعة تامة في صفوف الحزب بعد بضعة سنوات من انتصار الثورة، ولعل أبلغ تعبير عن "الاقتصادوية" (الانحراف الاقتصادي) طرح مقولة: << التراكم البدائي الاشتراكي>> قياسًا على << التراكم البدائي لرأس المال>> ..."(صـ 76)، إذن هو يعيد أسباب وجذور الأزمة لـ للجذور " الاقتصادوية" ويضيف عليها فيما بعد أنَّ التجربة الاشتراكية هي تجربة جديدة على المجتمع البشري، وبالتالي خبرات المجتمعات البشرية في هذا المضمار قليلة جدًا، مقارنًة بالرأسمالية التي حفرت لنفسها مجرى عميق عبر التاريخ استمر لقرون عديدة، و لم تنشأ الرأسمالية وتنجح وتثبت ذاتها ووجودها إلا بعد قيام وسقوط وقيام وسقوط عدة مرات استغرق ذلك قرون كما قلنا، فما بالنا مع نظام يقطع بشكل جدلي مع الأنظمة الطبقية السابقة ليؤسس لنظام << لاطبقي>> (المجتمع الشيوعي في طوره الأعلى، بإعتبار أنَّ الاشتراكية تمثل الطور الأدنى للمجتمع الجديد>>.
من القضايا المهمة الأخرى في الكتاب؛ لنختم حديثنا: قضية أفق مستقبل الثورة الاشتراكية، الكتاب كما قلنا ونؤكد طرح أنه لا مناص ولا مهرب من الدخول إلى الاشتراكية على مستوى الكوكب، وهو ما يسمى بالطابع العالمي للثورة( لا نعني أنْ تكون ثورة عالمية واحدة) بل نعني أنْ يكون هناك تزامن متقارب بين الثورات في تقدير الكتاب، وسبب الطابع العالمي للثورة الاشتراكية يعود أصلا إلى الطابع العالمي للرأسمالية، التي ضغطت الكوكب( ظاهرة العولمة) وبالتالي باتت شروط الثورة الاشتراكية العالمية التي تبدلت كثيرًا عما كان الحال سائدًا في روسيا غداة الحرب الإمبريالية الأولى، باتت الشروط الموضوعية أكثر نضجًا، ولكنَّ العائق هو الشروط الذاتية( التنظيمات السياسية، والنقابية) التي لم تنضج بعد لأسباب عديدة منها: جذور الانحرافات في الأممية الثانية(الدولية الثانية)، وتبرجز شرائح من الطبقة العاملة( تم رشوتها) وفترة الإزدهار التي سادت بعد الحرب الثانية( فيما يعرف بدولة الرفاه) وبالتالي يرى المؤلف أنَّ الثورات القادمة ستكون في أطراف النظام الرأسمالي( المستعمرات وأشباه المستعمرات السابقة) وذلك بسبب تكثف التناقضات بها( تناقض بين العمل ورأس المال، تناقض بين الطبقات الكادحة في عمومها والإمبريالية) مع مظاهر التخلف و التبعية وشدة النهب الإمبريالي، والقمع السياسي و البوليسي في هذه الدول، ..إلخ كل ذلك يرشحها لأنْ تكون بؤرًا ثورية، وهو ما يتطلب تعديل الشعار الذي خُتم به <<البيان الشيوعي>> " يا عمال العالم اتحدوا" إلى " يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدوا" من خلال هذا الشعار يمكن التأسيس لأممية من نوع جديد تضم الكادحين في مراكز الرأسمال العالمي، مع الشعوب المضطهدة في العالم الثالث؛ إذا ما توافرت ظروف أكثر نضجًا.
ومن هنا تكون الثورة في أطراف النظام الرأسمالي ثورة مزدوجة، أي ثورة تحرر وطني ضد الإمبريالية، وثورة تحرر اجتماعي من أجل الاشتراكية من جهة أخرى، وهي فكرة جديدة بالنسبة لأدبيات الماركسية المصرية، أو بتعبير دقيق لم تكن مصاغة بهذا الشكل الدقيق و الشامل، فالحديث إما عن ثورات كلاسيكية( تقودها البرجوازية) أو حديث عن ثورات اشتراكية واسقاط البعد الوطني( كما في أدبيات الاشتراكيين الثوريين) الجديد ما طرحه القصير: ثورة وطنية ديمقراطية شعبية، تمزج بين الوطني و الطبقي كما أسلفنا، تقودها الطبقات العاملة وحلفائها من باقي الكادحين والأجراء، مع الأخذ في الإعتبار أنَّ الطبقة العاملة لم تعد الطبقة العاملة التي تحدث عنها ماركس وانجلز و لينين، وهنا إعلان إفلاس الطبقات الرأسمالية على مستوى العالم ككل( مراكز وأطراف).
في النهاية: لا ندعي أننا قدمنا كل ما في الكتاب، كل ما قمنا به هو عرض عام، مع التطرق لبعض المسائل، لأنَّ كتاب بهذا المحتوى وبهذه القيمة والعمق، لا يمكن أنْ يُعرض لماماً، هو يحتاج لدراسة معمقة أكثر، إذا أتاحت لنا الظروف سنقوم بهذه المهمة الشاقة، واستميح القراء عذرًا على التقصير والتأخير.
ممدوح مكرم
أبنوب 29 كانون أول(ديسمبر) 2016م
.







اخر الافلام

.. سباق الأخبار- مرزوق الغانم، إلغاء حفل شيرين بالسعودية


.. بوغديمونت يطالب برلمان كتالونيا بجلسة لمناقشة -انقلاب- مدريد


.. الحصاد- الأمن المصري.. يوم دام في الواحات




.. نقاط للتوافق وأخرى للاختلاف بين طرفي الأزمة الليبية


.. مظاهرات حاشدة مؤيدة للانفصال في برشلونة