الحوار المتمدن - موبايل



بعد برلين، إلى أين سيُهَجّرنا الإعلام التونسي؟

محمد الحمّار

2016 / 12 / 31
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


الآن عرفتُ الفَرق بين الإعلام المتطور وإعلامنا: الإعلام في البلدان المتقدمة كاذب لكنه يعلم أنه يكذب، وهو يكذب لأنه يعمل بمبدأ خدمة مصالح مجتمعاته وهي خدمة تجيز له الكذب، بينما الإعلام في تونس ومثيلاتها كاذب لكنه لا يدري أنه يكذب، والسبب أنه يتخذ الإعلام (الكاذب) في البلدان المتقدمة مصدرا مقدسا للحقيقة وبالتالي فهو إعلام مُصادِر للحقيقة ومشوّش عليها ولا يعمل من أجلها خدمةً لمصلحة الوطن.
علمتُ هذا في غضون متابعتي لردهات عملية الهجوم على سوق عيد الميلاد ببرلين. فبالرغم من أنه حدثٌ مثير لعديد التساؤلات من حيث المصداقية وهوية المنفذ الحقيقي للهجوم وهوية الجهة المخططة له والغاية من وراء العملية، إلا أنّ الإعلام في تونس لم يولِ أيّ اهتمام بالجوانب المشبوهة التي تحوم حول الحدث ولم يتناول المسألة بشيء من الشك. بل كان الإعلام المحلي متطابقا أيّما تطابق مع الإعلام الألماني والأوروبي الذي يعتبره إعلاما "راقيا".
فمن المرجّح أن يعود هذا التطابق إلى عوامل عدة من أهمها أذكر المبررات الثلاثة التالية: الوهَن الفكري الناجم عن التبعية السياسية للغرب من جهة و انعدام الحِرفية والتبعية للإعلام الغربي. فعقدة الأجنبي جعلت الإعلاميين المحليين يتناسون أنّ سمعة الوطن وكرامة مواطنيه في الميزان بما أنّ المتهم بتنفيذ العملية كان تونسيا وبما أنّ الصحافة الأوروبية (على الأخص الفرنسية منها) شنت حملة شعواء ضد تونس. ألم يكن من الأجدر أن يثير الإعلام في تونس مشكلة الهجرة إلى أوروبا التي تسببت ولا زالت تتسبب في حدوث كوارث في بلدان الإيواء، وأن يشرح للقاصي والداني أنّ الهجرة من بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط نحو بلدان الضفة الشمالية إنما هي نتيجة حتمية للسياسات الأنانية والاستغلالية والنيوكولونيالية لأوروبا في عصر ما بعد الاستعمار المباشر، وأن يبيّن كيف أنّ أوروبا قد تكون اليوم تدفع ثمن سياساتها الخاطئة وغير المتكافئة؟ فليست تونس هي المطالَبة بدفع الثمن بمجرد أنّ أحد مواطنيها قد يكون ضالعا في عمل إرهابي؛ ليست تونس لوحدها مسؤولة عن الإرهاب بل هي من ضحايا تلكُم السياسات، وهل الضحية مجبَرة بدفع الثمن؟
لم يفسّر الإعلام التونسي للعالم أجمع أنّ أوروبا، بمغالاتها في التشهير جزافا بتونس، إنما تقوم بعملية إسقاط سيكولوجي على هذا البلد العريق، أرض عليسة والكاهنة ويوغرطة وعقبة بن نافع وأمّ ملال والأميرة عطف وابن خلدون وعزيزة عثمانة والحبيب بورقيبة . فأوروبا تُفرغ وِعاء مشاكلها علينا وتطالب بلادنا باستقبال مهاجرين بينما هي التي استقبلت هؤلاء ولم تكن تونس هي التي أوفدَتهم إليها.
كما أنّ الإعلام التونسي يحتقر الإعلام البديل ولا يصدق أخباره بل يصف كل خبر مخالف لِما تنشره الصحافة العالمية "الراقية" بأنه خبر ناجم عن عقلية تآمرية وكأن الإنسان لم يتآمر والحكام لم يتآمروا أبدا على مرّ التاريخ.
من جهة أخرى، لم تتوقف التبعية السياسية والفكرية للجهاز الإعلامي في تونس عند هذا الحد. لقد أثرت سلبا على الأداء الحِرفي للإعلاميين وذلك بدليل أنّ الإذاعات والقنوات التلفزية والصحف لم توفد مراسلين إلى برلين. إنه إعلامٌ لا يقوم بواجباته المهنية فضلا عن عدم تحمّله مسؤوليات مُناطة بعُهدته ككل إعلامٍ يريد أن يكون وطنيا.
نخلص إلى أنّ الإعلام في تونس، فضلا عن التبعية الفكرية والسياسية التي تتسم بها مكوناته، يبقى مهنيا وعقديا رهينَ صحافة عالمية تابعة هي الأخرى لمراكز النفوذ السياسي والمالي، ما يجعل منه أداة لهجرِ الحقيقة و للتدمير الذاتي وللهجرة من البلاد، أكثر منه وسيلة لتنوير المجتمع.







اخر الافلام

.. من بينهم عائلات مقاتلي داعش.. ما مصير آخر من فرّ من الرقة؟


.. الحصاد-اليمن.. موسم الأوجاع والاحتجاجات


.. الحصاد-انفصال كتالونيا.. مدريد تستخدم الفيتو




.. احتجاجات بتعز ضد -تقاعس- التحالف عن فك الحصار


.. 22-10-2017 | موجز التاسعة صباحاً.. لأهم الأخبار من #تلفزيون_