الحوار المتمدن - موبايل



إذا لم تعشّ يوماً في سورية قبل الثورة المزعومة ... فقد فات عليك أن ترى قطعة من الجنة ...؟؟

بلال فوراني

2017 / 1 / 3
مواضيع وابحاث سياسية



أتذكر أن أبي رحمه الله كان يعطيني خمسين ليرة سورية في آواخر الثمانيات كي أشتري حمصاً وفلافل وبعض المخللات ولم يكن يتجاوز عشاء أي عائلة في سورية أكثر من مئة ليرة سورية .. وكانت أكبر عيدية نحصل عليها في الأعياد هي خمس ليرات أو عشر ليرات وفي أحسن الأحوال كان جدي رحمه الله كريما معنا فيعطينا خمس وعشرون ليرة كاملة .. في ذلك الوقت لم أفهم ما يعني التضخم الاقتصادي او معنى البطالة أو حتى معنى التقشف .. لقد كانت حياتنا بسيطة رغم أننا نُعدّ من طبقة الفقراء ولكن كان أيضاً ينطبق علينا لقبّ المستور حالهم ايضا .. فلم نحتاج يوماً أن نمدّ أيدينا الى أحد ولم ننمّ ليلة ونحن جائعون أو عطشى ..لقد كانت المحبة تغمرنا بطريقة غريبة .. رغم أنه في تلك الأيام أتذكر أنه كان ممنوع الكلام في السياسة .. وأننا كنا نعيش في جو مخابراتي رهيب .. لدرجة أننا حين بدأنا بتركيب (( الأنطين )) وهو هوائي لاستقبال القنوات اللبنانية حينها لمن لا يعرف معنى الكلمة .. كانت جريمة بحد ذاتها .. وكان عليك أن تاخذ موافقة أمنية قبل تركيبه .. فلم يكن لدينا في قنواتنا المحلية سوى قناتين .. قناة فيها برامج المزارع معنا وحزب البعث وبرنامج التلفزيون والناس والطلائع وما يطلبه الجمهور للمذيعة الخالدة أم عمار والقناة الثانية تعرض عليها بعض الافلام الاجنبية .. ولن تجد سوري واحد ينسى أشهر برنامج يخبرك بأنه حان موعد نومك حسب التوقيت السوري .. برنامج غداً نلتقي .. ولن تجد سوري عاش في هذا الوقت ينسى الدعايات التي كلما أسمعها اليوم أضحك من كل قلبي .. هل تنسون مراوح باقية .. أو علكة المنطاد .. أو كوالا بتلمع لحالها ... أو بسكويت سيبال .. أو معجون هامول ..أو برادات الحافظ ..؟؟
لأجل كل من يحب أن يسترجع هذه الذكريات سأضع لكم رابط بكل الدعايات السورية القديمة .. حتى تتذكروها ...؟؟
https://www.youtube.com/watch?v=nNyABMtQkdw

أتذكر أنه كان الجيران يحبون بعضهم بطريقة غريبة ... كانت الزيارات الليلة بين الجيران لا تنتهي أبداً .. وصحون الطعام تنتقل من بيت الى بيت .. فهذه تطبخ طبخة وتوزع نصفها على جيرانها المقربون .. وهذه تلد طفلاً فتجد نصف نساء الحارة مسجلون غياب في بيوتهم .. كلهم عندها يخدمونها برمش عيونهن .. وإذا مرض أحد ستجد طوابير بشر تقف على عتبة باب بيتك كي تدق الباب وتطمئن عليك .. حتى أني اتذكر أن أخي الصغير حينها كان عليه أن يقوم بعملية قلب مفتوح .. والعملية كانت في مشفى تشرين العسكري الذي يعرفه الجميع .. ولن أنسى أننا احتجنا حينها الى دم كثير لأجل العملية .. حينها أتذكر على باب المشفى كل شباب الحارة واقفين بالطابور كي يتبرعوا بالدم لأجل أخي .. كان أخي الكبيرحينها قد جمعهم وأتى بهم الى المشفى .. أتذكر الكثير من الأسماء .. علي وسامر وطوني وجورج وضياء وحسين وسعيد وعاصم ورامي .. وهذه كانت المرة الأولى التي أنتبه فيها أننا من طوائف مختلفة .. ومن أديان متغايرة .. ولكن عمرنا لم نسأل أحد ما ما دينك أو ما طائفتك أو ماذا تعبد .. لقد كان السؤال بحد ذاته قلة أدب.. رغم أني بعد عشرين عاما إكتشفت أن جارنا هو شامي الأصل من القاعة وجارنا الثاني مسيحي من بيت لحم وجارنا الثالث علوي من أهل الساحل وجارنا الرابع من درعا والخامس من حمص والسادس من الحكسة والمضحك أننا كلنا كنا نعيش في مخيم اليرموك .. مخيم اللاجئين الفلسطينيين .. ؟؟

اليوم بعد ثلاثون عاما تغير الحال .. تغيرت طباع البشر .. تغيرت نفوسهم ومشاعرهم وتلونت بألف لون .. ما بعد الكذبة الكبرى التي اسمها الثورة السورية ليس كما قبلها بكل تأكيد .. بعد عام 2011 ليس كما قبلها .. وسورية اليوم ليست كما كانت .. أهلها ليسوا كما كانوا .. شوارعها وبيوتها وحيطانها وأزقتها وحواريها ليست كما كانت في السابق .. الحياة فيها لم تعد كما كانت .. حتى الياسمين صار يغصّ بعطره .. حتى العصافير صارت ترفض الخبز المعجون بالدم .. حتى الشمس ما عادت تشرق علينا بفرح .. حتى القهوة الحلوة صار طعمها مراً في حلوقنا .. وغلاء الأسعار التي تنهش لحم المواطن لم ترحمه فصارت تنهش عظمه أيضاً .. وحيتان الأسواق وتجار الأزمة ما زالوا حتى اليوم يمصّون دم المواطن مثل الخفافيش .. وحكومة مشلولة مريضة لا تعرف ماذا تفعل .. صار وزراؤها كل مبدأهم .. أنا ومن بعدي الطوفان ... ومجلس شعب أغلبهم نائم وبعضهم مرتشي .. وبعضهم من أشرف الناس .. ولكن ما ينفع الشرف في مجلس تفوح منه رائحة الوساخة .. ثم زاد الطين بلة أبواق عريضة في الإعلام المأجور ينادون بالحرية باسم الثورة السورية .. ولكنهم لم يخبرونا عن أي حرية يتكلمون .. حرية القتل والاجرام والنكاح وبيع الاعضاء وتدمير المساجد وتهجير المواطنين وخطف الناس وتفخيخ السيارات وبيع النساء وتكفير الاخر والذبح على الهوية والتفجير لأجل حورية ؟؟

الفساد في سورية أمر مرفوض ولكنه للأسف طبيعي .. دلّني على دولة أجنبية عربية واحدة ليس فيها فساد .. دلّني على دولة واحدة لا يرتشي فيها موظف الحكومة .. هل تظنون أني أدافع عن الفاسدين .. أنا أكثر شخص لو كان بيده السلطة لنصبّت الخوازيق لكل فاسد .. أنا أكثر شخص لو بيدي الحكم لفعلت ما يفعله رئيس كوريا الشمالية برميّ كل فاسد في حكومته من طائرة هلوكبتر على الارض .. ولكن الفساد طبع في البشرية .. ولكن الفساد ليس مبرر لتدمير وطن باسم الحرية .. الفساد سرطان عليك أن تعالجه وليس أن تدمره لأن تدميره يعني دمارك أنت .. فما بالك أن تأتي كل شعوب العالم كي تكافح هذا الفساد والظلم في دولتك .. رغم أن دولهم حتى اليوم ليس عندهم قانون انتخاب .. وليس عندهم مجلس شعب .. وما زالوا يقتلون المجرم بقطع رأسه بالسيف كأننا في عصور الجاهلية .. الحقارة بعينها حين اختصرتها يوما وقلت : أن أوسخ ما في الحياة ,, حين تأتي العاهرة وتعلمك الشرفّ .. ؟؟ إذن ما بالك حين تأتيك جنسيات لم نسمع عنها يوما إلا في نشرات الأخبار حتى يصيروا أمراء حرب في بلدك .. يحتلوا بيتك ويغتصبوا إمرأتك ويأكلوا رزقك ثم يقولون لك .. هذا من أجل الاسلام ومن أجل فلسطين .. على الرغم أن الاسلام لا يتشرفّ بخنازير يعيشون على فتوى حمار في السعودية وفلسطين ما هي الا على بعد حجرة من سورية .. فكل دعاويهم وكذبهم ومسلسلات الفبركة التي يمارسونها لم تجعل من سورية سوى ضحية أمام إعلام رخيص يعرف كيف يجعل القاتل بطلاً والبطل مجرماً ...؟؟

سورية بلد عربية مثل غيرها من البلاد العربية .. الفساد يعشعش تحت جلدها .. المحسوبية تسكن في زواياها .. الطائفية جمرة لم يشعلها سوى خنازير الإعلام العربي على قناة الجزيرة والعربية وأورينت .. ولكن سورية قبل هذه الثورة المزعومة كانت تعيش بألف خير .. كان فيها الغاز والماء والكهرباء والمازوت والبنزين والخبز.. كان فيها كل شيء يتمناه المواطن ولو حصل عليه برشوة .. ولكن اليوم حتى الرشوة لم تعد تنفعك .. أصلا لم يعد المواطن السوري المسكين يملك حتى الرشوة كي يرشيها أصلا .. سورية لم تعطش في عمرها واليوم تعطش .. سورية لم تجوع يوما وصارت اليوم تجوع .. سورية لم تبكي يوما واليوم صارت تبكي .. سورية قبل الثورة كان فيها رجل أسمه محمد الماغوط ربما الكثير منكم لا يعرفه .. فهو الرجل الوحيد الذي كتب مسرحيات تهاجم الحكومات العربية .. مسرحية غربة ومسرحية كاسك يا وطن وشقائق النعمان وضيعة تشرين ... على الرغم من أنه لمن لا يعرف شيء عنه .. كان مسجون في سجن المزة من قِبل ما يقولون عنه النظام السوري .. هذا الرجل عانى ما عاناه وذاق المرّ على أيدي المخابرات السورية .. وكتب رواية من أروع الروايات التي قرأتها في عمري اسمها ( الأرجوحة ) والتي تختصر حياة محمد الماغوط كلها .. وأنصح بقرائتها لمن يحتاج الى رشفة شرف في هذا الوطن ... ورغم كل ما حدث معه ولكنه لم يبع وطنه ولم يستجدِ بكلاب الخارج كي ينقذونه .. ظل في بلده يكتب ولا يهمه شيء .. لم يقل للسعودية أنقذيني يا دولة الجهل والتخلفّ .. ولم يقل لقطر أنقذيني يا دولة العهر .. لم يقل لأمريكا أنقذيني يا دولة العنصرية .. لم يقل لتركيا أنقذيني يا دولة النفاق .. بل قال أنقذيني يا سورية .. أنقذيني يا سنية الصالح وهي لمعلوماتكم زوجته الكاتبة والشاعرة التي ماتت من دون أن يذكرها التاريخ بكلمة تنصفها .. فلولاها لما كان محمد الماغوط ولا كانت في قلبه سورية .. لأن سورية كانت مختصرة عند محمد الماغوط في هذه المرأة السورية الأصيلة ..؟؟

سورية تتوجع بكل تأكيد ولا يهمني حفلات الرقص والفرح بانتصار سورية على الإرهاب التي يتشدق البعض فيها بكلامه أو مقالاته أو مقابلاته.. سورية تتوجع من خيانة وصلت الى سريرها الذي تنام فيه .. وصل الى نهر بردى الذي تشرب منه .. وصل الى المسؤولين الذين يتاجرون على منابرهم بالوطنية .. وصلت الى مواطن صار يكفر بربّ الثورة السورية وبربّ كل من دعمها وبرب كل من مولّها وبربّ كل من آمن فيها .. الخيانة في سورية ليست مسألة طعنة في الظهر .. فكلامي اليوم ليس موجهاً الى قطيع الحمير الذي ما زال ينهق باسم الثورة السورية .. بل هو للغرباء الذين لا يعرفون ما هي سورية وكيف كانت سورية وحينها سيتسائلون لما حدث ما يحدث في سورية .. ماذ يعني أن تقف 82 دولة ضد سورية وهم يمولون كل الارهاب بالسلاح والدعم الاعلامي والنفط الخليجي والافتراء الوهمي والتخلف الاسلامي كي يقولوا هذه ثورة شعب ,, لا أفهم كيف تكون ثورة شعب اذا كان ثلثي الشعب من دون مبالغة يقف مع ما يسمونه النظام السوري رغم ان كلمة النظام بحد ذاتها أجمل من كلمة حرية فوضوية .. هل يموت الشعب لأجل حفنة مأجورة أو مغبونة أو مخدوعة بشعارات تدعمها أمريكا التي قتلت أكثر من نصف مليون في العراق وهجرت ثلاثة ملايين بدعم من دولة تقول عن نفسها أنها دولة اسلامية وهي السعودية .. هل تصدقون أن دولة آل سعود تريد الديمقراطية في سورية وهي التي لا تعترف بالمرأة في مجتمعها سوى سرير للنكاح والانجاب .. هل تصدقون دولة تقتل أهل اليمن ممن يقولون لا اله الا الله .. ثم تقول لكم نحن نحارب التشيع الايراني .. السؤال المطروح لهكذا دولة .. لما لا تحاربين باسم الاسلام دولة حقيرة اسمها اسرائيل ثم تحاربين ممن يتفق أنك معهم في التوحيد .. المضحك في الأمر حين تعرف أن الطائرات السعودية يقودها خنازير اسرائيليون يقصفون شعبنا العربي اليمني مهما اختلف توجهه الديني .. المضحك في الأمر حين ترى حثالة كبيرة من العرب يباركون إجرام آل سعود في اليمن .. ويباركون دعم آل سعود في إجرامهم الحقير في سورية .. ويباركون ما فعلته من فتح مطاراتها أمام الطائرات الامريكية في قتل الشعب العراقي .. ثم يسجدون على سجادة حقيرة كي يضحكوا على الرب ويقولوا له اللهم لا تحاسبنا بما فعله السفهاء منا ...؟؟

سورية اليوم صارت قبلة كل الإعلام العربي والغربي .. صارت بوصلة كل حمار مجاهد يظن أن الربّ ينتظره في ماخور كي يقدم له قرابين الحوريات التي في جنته الموعودة .. صارت منارة كل حقير يريد أن يصير مشهوراً أو اعلامياً أو محلل سياسي .. وعذرا من المحللين السياسين فبعضهم شرفاء وبعضهم الآخر مجرد تجار أزمة يعيشون على ظهر ما يحدث في سورية .. صارت سورية كعبة من لا دين له سوى دين مختصر بلحية طويلة وثوب طويل ولغة عربية فصحى ...صارت مهرجان أوسكار توزع فيه العباءات العربية المهترئة على كل من كذب عليها وكذب فيها وكذب بها وتاجر باسمها حتى صار كل نبي فيها اسمه مسيلمة الكذاب ... ولكن من لا يعرف سورية قبل هذه الثورة المزعومة .. لن يعرف أن سورية كانت قطعة من الجنة .. لا جوع فيها ولا عطش فيها ولا دواء مختفي فيها ولا سوري واحد يفكر بالسفر عنها ... سورية كانت الدولة العربية الوحيدة التي ليس عليها ديون للخارج .. سورية كانت مقصد كل الاخوة اللبنانيون والاردنيون والعراقيون كي يشتروا منها الثياب والادوية وحتى الطعام .. سورية كانت أرض الطهارة التي يأتي العالم اليها كي يصلوا على ترابها .. والأرض الطاهرة مهما ارتكبوا فيها من نجاسات عربية أو اسلامية أو أجنبية .. ستظل طاهرة .. وستظلّ عصية عن خنازير الاسلام وكلاب من يركبون موجة الاعلام المفبرك والمأجور .. سورية لم يعرفها ستظلّ واقفة على قدميها .. حتى لو توجعت حتى لو دمعت عيونها حتى لو طال خنجر الطعن قلبها .. لكن سورية لا تموت .. سورية بعد ست سنوات من ثورة حقيرة ليس كما قبلها بكل تأكيد .. ولكن هذه السنوات أكبر دليل على أن سورية تعيش .. وقافلة الكلاب التني تنبح عليها ستموت .. ستموت لا محالة ...؟؟

-
-
-

على حافة سورية

من أنتم ؟؟؟
نحن العرب
ماذا تشتغلون ؟؟؟
نحن لا نشتغل شيئاً....
فالعالم يشتغل بنا !!

من كلمات محمد الماغوط
بلال فوراني







اخر الافلام

.. تحول جذري في الصراع السوري!!


.. الدقات الأخيرة لساعة بيغ بن في بريطانيا


.. الشرطة الإسبانية تقتل يونس أبو يعقوب




.. كيف استقبل الشارع الأفغاني خطاب ترامب؟


.. ...ما هي استراتيجية الجيش العراقي لاستعادة مدينة تلعفر