الحوار المتمدن - موبايل



تشييء الانسان

جلال مجاهدي

2017 / 1 / 28
العولمة وتطورات العالم المعاصر


الحداثة و الثورة الصناعية أفرزتا النظام الرأسمالي الذي حشر الانسان بين قوسي الانتاج و الاستهلاك حين جعل من محوره تحقيق الربح عوض إعلاء إنسانية و ذاتية الانسان , المسار الحداثي و الرأسمالي المادي كان لابد أن ينتج آثاره على هذا الانسان باختزاله من كينونته الانسانية إلى شيء , و من كونه غاية إلى أداة و وسيلة , الارتباط النقدي و المالي للإنسان , هو ما أدخله في ماكينة الاستهلاك و الانتاج , فعمله و إنتاجه لا ينظر إليه إلا بمقياس المقابل المادي الذي يحوله إلى سلع و بضائع و خدمات و هكذا يستمر في الدوران في دائرة الانتاج و الاستهلاك , هذه الازدواجية التشييئية للإنسان تغلغلت في كل جوانب الحياة , فكل شيء أصبح له وظيفة تشييئية و يقاس بمقاس العرض و الطلب , الجامعات و المعاهد لا تخرج إلا تقنيين و خبراء بمقاس السوق و الاعلام لا يخدم إلا ثقافة الاستهلاك و العلاقات الانسانية أصبحت كالعلاقات التعاقدية التبادلية , لا وجود لها إلا بوجود مصالح مادية نفعية متبادلة و ما إلى ذلك .

مفكري عصر التنوير و عصر الحداثة مثل ماكس فيبر و زفيك راتيونيل و في خضم انبهارهم بالعقل البشري و الثورة الصناعية و الفكرية التي أحدثها , لم يدركوا بشكل كاف خطورة طروحاتهم على إنسانية الإنسان , العقل الأداتي حينها كان يهدف إلى إيجاد الوسائل الكفيلة لإحكام سيطرة الإنسان على الطبيعة و على كل مناحي الحياة , و هكذا كان أعضاء مدرسة فرانكفورت و على رأسهم ماكس فيبر يتحدثون عن أمر أسموه بالترشيد المادي , بحيث يتحكم الانسان في الواقع و يتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة كحالة المصنع حسب تعبيره , هذه النظرة التي هي نظرة مادية حاطة من قدر الانسان, استمرت و ترسخت واقعيا عبر مرور الزمن و لازمت النظام الرأسمالي الليبيرالي إلى عصر العولمة , فأصبح بذلك الانسان مجرد كائن متناسى و مهمش , فالأولوية تعطى للمنظومة الاقتصادية عوض الانسان من حيث هو إنسان , هذه الرؤية كانت محل انتقاد من طرف العديد من المفكرين الغربيين مثل هابرماس و ليوتار و هوكايمر و ادورنو , و انضاف إليهم بعض المفكرين المشرقيين و على رأسهم المفكر عبد الوهاب المسيري , فبالنسبة إليه فإن العلم الذي اعتبره فرانسيس بيكون قوة بالأمس , أصبح اليوم خطرا يهدد الطبيعة و الانسان و يسلبه حريته و يحاصره ماديا و معنويا و يحييه في عالم مادي تقل فيه مناعته للمقاومة ليصبح بذلك كائنا متشيئا بامتياز .

مترابطة الرأسمالية و الحداثة و العقلنة المنفصلة عن غايتها التي هي الانسان و الغارقة في قيم اقتصاديات السوق الحر , قادت إلى فك ارتباط الانسان بانسانيته و بكينونة ذاتيته , فأصبح كائنا نمطيا دون قيمة , يعاني من بؤس الفراغ , مجرد كائن منتج مستهلك , تدور حياته حول الحصول على مزيد من المال لتنمية رصيده الرقمي البنكي , الذي يشعره بشيء من الامان و يسعفه في تلبية رغباته الاستهلاكية, هذا الانسان ,هو ما سماه فيما قبل هربرت ماركيوز بالإنسان ذي البعد الواحد و الذي عرفه المفكر جلال أمين , بكونه الانسان المحدود الثقافة و التعليم والذي تستهويه أخبار الفضائح و الكوارث, ما دامت تحدث لغيره ,لا صبر له على التعمق فيما هو ثقافي , يفرح بالسيارة الكبيرة كما يفرح الاطفال , أكثر معلوماته ما يتلقاه من التلفزة و الجرائد , يصدق دون أن يشك أو يستخدم عقله و يهتم بكل ما هو سطحي و يعيش في عالم ضيق و محدود , أناني و فرداني و مريض بحب التملك .

الانسان بهذه الصفات , هو سليل النظام الرأسمالي الليبيرالي , الذي حول كل أمر ذي قيمة إلى شيء تافه , ابتداء من أقل الأمور شأنا إلى الإنسان نفسه , هذه التفاهة و المستوى التافه الذي وصل إليه الانسان حاليا , كانت هي موضوع الكتاب الاخير للفيلسوف الكندي آلان دونو الذي حمل عنوان " هكذا حكم التافهون العالم " و الذي لا يخلوا من روح مرحة تهكمية ,حين يقرر بأن التافهين استطاعوا أن يحكموا العالم دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة , و حين يقدم نصيحة للإنسان ,عبارة عن نكتة سوداء عند قوله بأنه "لا لزوم لهذه الكتب المعقدة , لا تكن فخوراً ولا روحانياً, فهذا يظهرك متكبراً, لا تقدم أي فكرة جيدة, فستكون عرضة للنقد, لا تحمل نظرة ثاقبة, وسع مقلتيك, أرخ شفتيك, فكر بميوعة وكن كذلك , عليك أن تكون قابلاً للتعليب, لقد تغير الزمن, فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة" و في معرض تفكيكه لبنية الظاهرة عرج الفيلسوف المذكور على مفاهيم تشييء العمل و الوظيفة و على إفرازات نظام السوق الحرة , كالاستهلاك و النمطية و الاحتكار و الفردانية و المصلحة الخاصة ليخلص إلى أن الانسان المشيء هو إنسان تافه .

المفكرون الذين تحدثوا عن ما بعد الحداثة و عن نهاية التاريخ و عن ثقافة العولمة , لم ينطلقوا من فراغ أو من مجرد تخمينات , بل من واقع ما أفرزته الواحدية المادية التي أصبحت توجه كل ما يتعلق بالإنسان , بحيث حسب هذه المقاربات, سيصبح إنسان ما بعد العولمة و ما بعد الحداثة و ما بعد التاريخ , على نمط و نموذج واحد و تختفي بذلك الخصوصيات و الصراعات و الثنائيات و التضاد . هذه المقاربات ترتكز كلها على الانسان الاقتصادي في الغاء تام لكل احتمال يرتكز على محورية ذاتية الانسان كجوهر و كروح و كقيمة .

و السؤال الذي يتحدى توقعات هؤلاء المنظرين يبقى مطروحا , فهل من سبيل للحيلولة دون انتصارا المادة على الانسان و هل سيستطيع الانسان الخروج من بوثقة المنعكسات الشرطية المادية إلى تحقيق ذاته و توازنه الروحي و إلى استعادة منظومته القيمية و الأخلاقية , و بصيغة الاجمال هل يستطيع الانسان إعلان ثورة جديدة مضادة لتشييئه ؟

هذا التساؤل الشمولي إن كان مطروحا ليجيب عنه التاريخ , فإن الفرد بصفته فردا يستطيع الحفاظ على إيقاعه الانساني و على ارتباطاته التاريخية و الهوياتية و الروحية و الثقافية و على اهتماماته الانسانية المجتمعية اللامادية و الدفع في هذا الاتجاه , لكن مسألة الوعي بتشييئه هو أمر في غاية الاهمية و هو المنطلق لتحقيق ذلك .







اخر الافلام

.. تناقضات الوساطة في الخطاب الأول لأمير قطر


.. أمير قطر يخفف تداعيات المقاطعة متجاهلا تصنيفات الوكالات الما


.. ميليشيا حزب الله تتكبد خسائر جسيمة في معركة عرسال




.. حزب الله يقحم الدولة اللبنانية في مستنقع الحرب السورية


.. ترمب يفشل في تحقيق العديد من وعوده الانتخابيه