الحوار المتمدن - موبايل



الزمن الذي كان فيه ابي طفلا

سارة يوسف

2017 / 2 / 6
الادب والفن


الزمن الذي كان فيه ابي طفلا
سارة يوسف
اشرقت شمس بغداد الدافئة وداعبت عيون سامي وجفونه ...فايقظته .. بقي برهة يفكر لعل الامر يسير بشكل جيد.. يبيع الدار ويرجع الى لندن حيث زوجته وطفله و كلبته ميرا في الانتظار ..
غادر سامي مع عائلته العراق للظروف القاسية التي اجتاحت ذلك البلد العريق منذ اكثر من خمسة وثلاثين سنة
كان عمره يومها خمسة اعوام فقط .. يمتلك ذاكرة تحتضر في هذا البيت الكبير .. حتى انها تختلط بأمور اخرى حصلت له في اماكن مختلفة من بغداد .. سار هائما وحالما في غرف البيت جميعا.. المكان واسع يتمتع برفاهية غير موجودة هناك حيث يعيش مع عائلته الصغيرة ... حتى اثاثه ينطق بلغة راقية رغم مرور تلك الفترة الطويلة . تمتم في داخله وطعم فراق البيت لساكنيه يسير معه ربما عشرة ايام كافية لاتمام الصفقة .. هذا البيت ورثه ابوه ايضا من جده
خطواته المتثاقلة قادته الى المكتبة .. غرفة كبيرة جدا . الرفوف مملؤة بالاف الكتب لشعراء وادباء ونقاد وعلماء من مختلف العصور والبلدان .. وجدت افكارهم مكانا لها على هذه الاوراق الصفراء .. جده و والده من ضمن كتاب تلك المؤلفات الحبيسة في هذه الغرفة ... العراق مملوء بالمبدعين امس واليوم . غير اني اخشى الغد .. !! لم يعد للافكار النيرة مكان .. تثاقلت خطواته كثيرا ذهب لذلك الجدار البعيد الخالي من الرفوف والكتب .. ((حائط يحمل في وسطه صورة بالابيض والاسود لعائلة مكونة من ولدان وبنت يحتضنهم الاب يسارا والام يمينا )) . تعمق بتلك الخطوط المرسومة وللحظة اكتشف ان احد الاولاد شديد الشبه بابنه الكساندر .ذهل لوهلة لكنه صاح بصوت اجش ابي هذا ابي انه ابي .. صرخ باعلى صوته كان هناك زمنا فيه ابي طفلا !! ...اشتاق له كثيرا اوجعه قلبه على فراقه .. ضاع.حيث صورة العائلة ... راح يدقق اكثر بتلك اللحظة الواقفة منذ سنين على ذلك الحائط .... تذكر عودة كلكامش الى اوروك .. القصة القديمة تعود .. تواصل معه نفس المنطق ((من اين تاتى لهولاء الرجال الراحلين هذه القوة لبناء ذلك السور العظيم ليحمي جيل اورك القادم )) الخلود يعني البناء . تذكر احلامهم وامنياتهم اعيادهم واحزانهم مرسومة على حيطان المنزل .. حملتها له تلك اللحظة المسروقة من ذلك الزمن الجميل .. الان هو داخل الصورة جزء منها معهم ..
غادر الى تفاصيل اخرى . تخيل الوان ملابسهم .. باقة الورد التي تحتضنها يد الام (جدته) فستانها الانيق .. يطوف من وجه لاخر غارقا بشعور مختلف غريب وجديد لم يألفه . الطمأنينة والامان في نظرتهم اسرته وداعبت روحه . بقي لساعات متسمرا فوق تلك المنطقة المقابلة للصورة .. نسي الامور والمواعيد الاخرى .. تعجب كيف للعراق ان يكون بهذا الجمال قبل اكثر من سبعين عاما.. الان اللوحة مختلفة تماما شاهدها في المطار والطريق الى البيت .. تعلق قلبه هو الاخر على الجدار مع تلك الصورة الغافية في تلك الثانية على هذه الورقة التي عمرها عشرات السنيين .. بكى كيف للزمن ان يتحول الى خطوط سوداء وبيضاء يتجمد فيه ابي كي اراه لاحقا .. امتدت يده الى جيبه حيث هاتفه الخلوي واخذ مئات الصور لتلك العائلة الطيبة التي حمل جميعهم ملامح منه .. هذا ابي طفلا وامس كنت انا واليوم ابني وغدا ابنه ندور وندور وندور في تلك الحلقات غير المنطقية التي لا تنتهي
في اليوم التالي الغى جميع المواعيد .. حجز تذكرة العودة الى لندن .. هناك في بلاد الغرب عند وصوله اخرج صور المنزل والعائلة من الحقيبة .. قال لزوجته وابنه لديكم الان منزل جميل في بغداد .
في احدى ليالي لندن الباردة طلب سامي من زوجته ياسمين وابنه الكساندر ان يرتدو ملابس جميلة وخاصة .. ارتدى هو بدلة كحلية اما زوجته فستان طويل اسود انيق .. لبس الكساندر بنطال بيجي وقميص غامق اخرج كامرته .. جلس الاب يسارا والام يمينا والكساندر وسطهم .. حملت ياسمين الزهور في يدها والاخرى تحتضن الطفل .. سرقت الكاميرا تلك اللحظة من ذلك الزمن ..

سارة يوسف







اخر الافلام

.. فيلم وثائقي استثنائي استغرق إنجازه خمس سنوات انطلاقا من دبي


.. منزل الفنان سيد درويش يتعرض إلى الانهيار التام


.. الفيلم والثائقي: اليمن - وباء الحرب




.. حاكم دبي يطلق أكبر تحد للترجمة في العالم العربي


.. هذا الصباح- المؤثرات البصرية في الأفلام السينمائية