الحوار المتمدن - موبايل



“جيب الطابة” – قصرة قصيرة

شاهين خليل نصّار

2017 / 2 / 8
القضية الفلسطينية


تأليف: شاهين خليل نصّار

إلتقى ربيع وأحمد وأولاد الحارة أجمع كالعادة للعب الكرة في إحدى أزقة المخيم…

كانا في كل يوم بعد الحلول من المدرسة وبعد أن أنهيا الدراسة باستعجال كعادتهما، يخرجان الى الحي، الى هذه الازقة والشوارع الضيقة، وكان ملقاهم بأبناء الحي دوما في أوسع زنقة وجدوها عند مدخل الحي، شارع “الشهداء” كما كان يسمى بحسب السكان المحليين.

خرج أحمد من بيته وحمل معه الكرة، جاء ربيع مرتديا قميص “برشلونة” الذي كان يعشقه وكان يتابع مباريات هذا النادي الكتالوني بشغف عبر قنوات التلفزة، يجلس مع جده وعمه دوما، ينتظر ظهور ميسي، الذي كان يحلم بأن يصبح مثله، نجما عالميا. وكلما سجّل ميسي هدفا كان يركض في أرجاء الغرفة الضيقة محتفلا بتسجيل الهدف يصيح بجده “غووووولللل، جبت غول“!

ربيع كان من عشاق نادي ريال مدريد الإسباني، حلمه كان أن يصبح لاعب خط وسط، واللاعب الذي كان يعشقه هو ميسوت (مسعود) أوزيل التركي، الذي لعب قبل مواسم قليلة مع النادي الملكي. لم يكن يملك قميصا للريال، لكنه كان يستمتع بمحاولة رسم شعار ريال مدريد على “الفانيلا” التي كان يرتديها، فيمسك قلمي التلوين الأزرق والذهبي إضافة الى الأسود فيحدد الخطوط ويبدأ بالتلوين، كان في النهاية وبعد أن أنتج شعارا ملتويا يقول لنفسه “أنا مش رسام، أنا لعيّب فوتبول“، فيرتدي القميص ويتجه نحو “الملعب” المرتجل في وسط الأزقة. لم يكن ليكترث بما يحاول أترابه من انتاج سخرية على هذا القميص المرتجل أيضا، بل كان فخورا بصناعة يديه “فخر الصناعة المحلية” كان يردد ساخرا بنفسه من شعارات رنانة يطلقها المسؤولون… تغيّر هذا “الفخر” على مرّ السنين، فكل ما يذكره من والده هو أنه كلما شاهد الأخبار ردد هذه الجملة عن كل فدائي واستشهادي من حركة “فتح” وكل منفذ عملية خلال الانتفاضة الثانية، وكان يقولها بنبرة شخص يمتدح هذه المقاومة، بينما الآن جده بات يسخر من هذه “الصناعة المحلية“، التي لم تعد تُطلق على المقاومين الأبطال، بل فقط على المنتجات المحلية، من المصانع الفلسطينية في محاولة لمنافسة المنتجات الاسرائيلية التي تسيطر على السوق الفلسطيني، وإحدى أسبابها ربما تكون اتفاقيات باريس الاقتصادية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية الموّقعة عام 1993، كما أنها باتت تستخدم مؤخرا كثيرا كترويج لحملة المقاطعة للبضائع الاسرائيلية وبضائع المستوطنات في نواحي الضفة الغربية.

لم يكن أحمد وربيع يعشقا لعبة كرة القدم فحسب، فالساحرة المستديرة كانت بالنسبة لهما طريقة حياة. ما إن ينتهي الدوام الدراسي، حتى كانا يضعا عليهما “بزات اللعب” ويخرجا الى الأزقة والشوارع يرتجلان منها ملاعب لإبداعاتهما ومراقصتهما للكرة، مرة كانا يحلان ضيوفا على الكامب نو ومرة على السانتياغو برنابيو، ومرة في الديلي ألبي، ومرة في الاليانس ارينا، وحتى استاد الملك فهد كان مربض حلمهما. جميع هذه الأسماء كانت تحمل لهما معنى واحدا فقط، وهو أنها كانت أرضية خصبة للخيال، والاسفلت كان أرضية لتنمية الأحلام.

لم يكن يتجمع أبناء المخيم في مكان واحد، فكانوا يملكون دوريا كاملا، أطلقوا عليه “دوري اللاجئين“، نعم هكذا كان اسمه، فحتى في صغرهم كان اللجوء في ادمغتهم الصغيرة بات صخرة مدمغة لا تُزاح. أينما ذهبوا وجدوا كلمة “لاجئ” تراودهم، إن كان في المقررات الدراسية او على جدران وأبوبة المدرسة التابعة لمنظمة الأونروا – وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التي من اسمها تعرف هدفها. وحتى في الأسواق، فكل مخيم كان يضم لاجئين من مجموعة قرى أو بلدات مهجرة، فباتوا يعرّفون بأسماء البلدات التي هُجّروا منها، الحيفاوي – نسبة الى حيفا، السحماتي – نسبة الى سحماتا، الطيراوي – نسبة لإحدى القرى التي أسميت الطيرة، الدجني – نسبة الى بيت دجن، وغير ذلك… فلم يكن ينادى باسم عائلته الحقيقي بل باسم قريته أو مدينته التي هُجرّ منها…

لا شيء كان بوسعه أن يمنع عن أحمد وربيع متعة اللعب بالكرة، لا الأهل ولا الواجبات المدرسية المتراكمة عليهما، المنافسة بينهما كانت كل شيء. وكانا يحفظان النتيجة، بقية أطفال الحارة كانوا يوما في فريق أحمد وآخر في فريق ربيع، ولم يحدث يوما ان كان اللاعبان الماهران في فرقق واحد. يوما كانت الغلبة لفريق أحمد وآخر لفريق ربيع. وليس فقط هوية الفريق الفائز هي المهمة، بل أيضا النتيجة.

كان يوم جمعة في صيف العام 2010، بعد نهاية الدراسة، وصل كل الى منزله، تناول الطعام الذي اعدته والدته، أحمد تناول الأرز باللبن، وربيع تناول “ورق دوالي” (ورق العنب)، وضع كل قميصه المعتاد المعتّق برائحة العرق من مباريات سابقة والحامل في طياته أنغام الانتصار والخسارة من مباريات سابقة. الساعة كانت الخامسة عصرا، وقد تجمّع الأتراب على طريق ترابيّ محاذٍ لجدار الفصل العنصري. أخذوا الحجارة من هامش الطريق، وضعوا حجرا هنا وعلى بعد خمسة فحجات وضعوا الآخر، هكذا تحوّلت فسحة الشارع الفارة الى مرمى. فعلوا المثل في الجانب الآخر من الملعب، وها لكم مرمى آخر. ولكن عند اختيار الحجارة تنبه أحمد الى أن إحداها يحمل بقعة حمراء اللون بحجم سبابته. رماه على جنب واختار آخر ليشّكل إحدى عارضات المرمى الوهميّ.

كانوا تسعة أطفال بانتظار أن تأتي الكرة، بانتظار أن يأتي عاشرهم ليوازن القوى أو بالأحرى العدد، فالقوى بلغة كرة القدم لم تكن يوما متوازنة، كان دوما لاعبا واحدا أمهر من نظيره في الفريق الآخر. وهؤلاء الخمسة المعروفين دوما شكّلوا التشكيل الأساسي لمنتخب المخيّم. أحمد وربيع في الهجوم، محمد ومصطفى في الدفاع، ومنتصر في المرمى، رغم أنه كان يكره هذا التقسيم، الا أنه كان يعي جيّدا أنه لا يوجد من يذود أفضل منه عن الشباك الوهمية بين الحجرين المرتجلين، فعندما كانت المباراة بين منتخب المخيم ومنتخب مخيم آخر في دوري الأطفال الذي نظمته احدى الجمعيات الخيرية في الأراضي المحتلة، كان يقبل بدور الحارس.لكنه في الأيام الأخرى، وخلال المباريات التي نظموها بأنفسهم في الشارع، كان دوما يقف مهاجما الفريق الخصم، في مواجهة الدفاع والحارس الخصم. كلاعبه المفضل تريزيغيه وهو خيار غير اعتيادي، لا يهم. كان يقول لهم دوما، ستروني مهاجما أفضل من حارس، لكنهم يعرفون أنه أفضل حارس مرمى في صفوف المخيم ولعدم توافر حارس أفضل منه كان يقبل بهذا الدور رغم كونها مغامرا في أحيان، فيخلّف الشباك خالية ممن يذود عنها، ويخرج بالكرة الى الوسط، يعد الهجمة ويعود الى مرماه، تاركا مهمة التسجيل للرفاق.

لم يصل مصطقى والكرة في ذاك اليوم الصيفي الحارّ، بعد ساعة من الانتظار، قررا الذهاب لزيارة صديقهما ورؤية ما حلّ بالكرة، وجدا المنزل خاليا. لم يكن هناك احد في المنزل، مرّ موكب من السيارات والجموع في الجانب الآخر من الشارع، وجاء صوت من الجامع يعلن “اليوم الساعة السابعة وبعد صلاة العشاء تُقبل التعازي لدى آل عبد الحي“. لم يفهم أي منهما هذا النداء لوهلة، وحينها تذكر ربيع أن مصطفى يدعى باسمه الكامل مصطفى عبد الحي! توّجها الى احد الجيران الذي كان يقف على بعد بضعة أمتار عنهما، وسأل أحمد “عوافي عميّ“، فرد عليه “عوافي“. “شو اللي صار؟ وين مصطفى؟“، نظر اليه الرجل والألم يعتصره، وملامح الغضب ظاهر على عينيه، وبعد أن تنبه للقمصان التي تحمل شعاري ريال مدريد وبرشلونة نظر اليه بعطف وأجابه “عميّ الله يطوّل بعماركو شباب“. نظر أحمد الى ربيع وعلامات الاستفهام جليّة، “شو يعني؟“، ولم يكن من ربيع الا أن سأل العم الخمسيني “شو صار عميّ؟“، مرة أخرى حاول الرجل تمّلك نفسه من أن يطلق شتيمة غاضبة في الهواء الطلق، وأخذ شهيقا عميقا قبل أن يرد بزفيرٍ حانقٍ مكتظٍ بخيبة أمل “الله يرحموا ويصبّر أهله“!

علامات الدهشة على وجه ربيع وأحمد لا وصف لها. “عمّو، كيف مات مصطفى؟” سأل ربيع. نظر أحمد الى الرجل متمنيا أن يقول له “لا أعرف” وينتهي هذا الموقف المحرج، فلوقع رد على سؤال كهذا قد تكون عواقب وخيمة. تذكر اللحظة التي أخبره والده عن كيفية رحيل عمّه عن هذا العالم، “اقعد يا ابني واسمع شو راح أحكي منيح منيح. عمّك ما مات بشكل طبيعي، ما كان ماله شي، ما مات مريض، وما مات بحادث، عمّك مات شهيد“!

لكن الرجل، الذي شعر بزنقة حادة، وشعر بالدماء تغلغل داخل أوردته وتدفعه الحسرة على هذا الطفل البريء الذي توفيّ مُصابا بأبشع الإصابات. إن كان بوسعه أن يتفادى الاجابة على هذا السؤال لربما فعل، لكن الاجابة كانت تنتظر أن تخرج الى العلن، أن تحطّم لهذين الولدين ابتسامتهما التي أول ما قدما كانت تتدلى من اذن يُمنى الى يُسرى، ومُحت رويدا رويدا مع تطوّر المحادثة. “راح شهيد ببداية عمره. الاحتلال يلعن ابو الاحتلال“!

وقف الطفلان مذهولان على وقع ما سمعاه. انتظرا أن يعللّ، أن يفسّر، أن يدلي بمزيد من المعلومات. كيف مات؟ ليش مات؟ شو دخل الاحتلال؟ ايمتا صار الاشي؟ لكن الرجل نظر الى مأذنة الجامع في أسفل الشارع، وتنهد تنهيدة عميقة وقال “الله يطوّل بعماركم حبايبي، روحوا من هون“.

رحل الطفلان، مشيا كتفا الى كتف، والأفكار تتهافت على ذهنيهما، “كيف الاحتلال قتله؟ بعرفش“، “شو صار لتنهم قتلوه؟ بعرفش“، “عمل شي؟ بعرفش“…. عادا الى الموقع الذي كان فيه ينتظرهما سبع من أترابهما، فانهال أحدههم عليهم بكيل من الأسئلة “وين الطابة؟ ليش ولا جبتوا الطابة؟ وين مصطفى؟ شو صار؟ مش نافعين انتوا“، دون أن يمنحهم امكانية الرد ولو للحظة عابرة.

نطق أحمد “الطابة… الطا… بعرفش. مش مهم“، وأضاف بحزم “الطابة مش راح ترجع“!

* * * * * *

هذا الجدار كان تذكارا يوميا لوجود الاحتلال الطاغي على حياة السكان. كان يقف حاجزا يخرّب عليهم المنظر المطل على الجبل القريب، والوادي الذي يمر بجانبه، ذاك الوادي الذي لطالما تساءل الاطفال ماذا يخبؤه يعجّ بالحياة الطبيعية، وليليا يصدح صوت عويل الذئاب مسمرا ومؤنسا الساهرين، وإن اعتبره بعض الكبار موسيقى عذبة، بالنسبة لربيع لم يكن الا تذكارا مهيبا لمخاوفه الخاصة.

بعد نصب الجدار، وبعد أشهر من العمل المتواصل في حفر الخنادق على شفا تلة الجبل، ونصب العوازل الاسمنتية هذه بطول خمسة أمتار، لم يعد يُسمع لها صوت. وكأن هذه الحواجز الانسانية ابتلعت الطبيعة، قضت على العواء والعويل، وعلى الزقزقة والحفيف.

لوالد ربيع جملة كررها كلما مر بجانب هذا الجدار الفاصل، وقد تُحسن الوصف بهذه الحال، “حتى الطبيعة تعرف أنه هذا غلط“. أبو ربيع عزا انقطاع الأصوات الطبيعية، ألحان الحب، القضاء على الحياة، الى تشييد هذا الجدار العملاق. لكن لم يكن الجدار عازلا بين المخيم والطبيعة فحسب، بل أيضا عازلا بين البشر. فلم يعد ربيع يستطيع رؤية زميله منذر. أبا منذر بنى منزله على حفة التل، وعندما جاءت البلدوزرات لتحفر المنطقة ووضع الأسس لمرور الجدار في هذا المسار بالذات، وقف منزل أبو منذر عائقا بوجه المخططات الاستعمارية. فقررت السلطات الإسرائيلية إنه إن لم يسمع البشر، فسينصتوا للحجر. فمرروا الجدار بمحاذاة بيته، عازلين هذا المنزل عن بقية المنازل في المخيم. وحفروا له خندقا عليه أن يمر منه يوميا كل من يرغب بدخول المنزل أو الخروج منه.

* * * * * *

جاءت سيارة ستيشن بيضاء اللون، لا توجد عليها أي لافتات أو أي كتابات، نظيفة كانت، دخلت شارع “الشهداء“، الشارع الرئيسي المؤدي من مدخل المخيم الى مركزه، وكم هي هذه التسمية مناسبة لهذا الشارع الذي شهد عددا كبيرا من المواجهات مع الاحتلال. مع اندلاع الانتفاضة الأولى يذكر كبار السن أنهم في صباهم كانوا يرشقون الحجارة على قوات الاحتلال، على الجنود المتواجدين عند الحواجز المؤقتة التي ينصبونها، وحينما تأتي الدبابات كانوا يرشقون الحجارة من على أسطح المنازل. وهناك كانت تسير المظاهرات الكبرى، وتقع المواجهات، وسقط عدد من شباب المخيم شهداء بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي.

كل أطفال المخيم الذين كانوا يلعبون أو يلهون في شارع الشهداء، اختفوا، تلاشوا، وكأن الأرض ابتلعتهم…

هكذا كانت الحال دوما عند دخول الحافلات البيضاء، المألوفة والمعروفة أصلها وفصلها، وهدفها.

يوم الجمعة، خرجت مظاهرة جبارة بعد صلاة الجمعة من المسجد الكبير، جابت عدة شوارع وأزقة، تشييع الشهداء كان احتفالا ديمقراطيا، يروي قصة المخيم نفسه. على رأس موكب التشييع، حمل الشباب النعش، وفيه ملفوف بكفن أبيض وبعض الزهور كان ملقى جثمان مصطفى. أم مصطفى وأفراد عائلته في الصف الاول وراء النعش، هي تبكي،وصوت عويل النساء يعلو، يفوق أصوات الشباب، كل امرأة تبكي على شهيدها، ابنها، أخيها، والدها، عمها، جدها… والأعلام الفلسطينية تعلو كل شيء، والأعلام الحزبية أيضا. لا يهم ما هو الانتماء الحزبي لعائلة الشهيد، الكل رفع علمه، وكأنه يقول، نحن هنا، هذا المصاب، مصابنا جميعا! الحزن، حزن جماعي، البكاء بكاء جماعي، الشهيد، شهيد شعب، ليس شهيد عائلة، ولا مخيم ولا حزب! والشعار الوحيد “يا شهيد ارتاح ارتاح واحنا منكمل كفاح“…

الأطفال، لم يكن لهم محلّ محدد في الطابور الذي يسير مشكلا موكب التشييع، كانوا على الهوامش، وهم الاساس، هم الهاتفين والمرددين، وهم حاملو النعش وحاملو الآمال والأحزان، البكاء والضحك، الإصرار والعزيمة! هم المستقبل!

عند وصول النعش الى المقبرة، وبلوغ الموكب هدفه، مرورا بشارع الشهداء، ترك أحمد وربيع الجمع، وتوجها الى تلك الحفرة في الأرض المعدة لمواراة هذا الجثمان، المخصصة لصديقهم ورفيقهم مصطفى. وقفا عند الحفرة، نظر أحدهما الى الآخر، ورددا في آن واحد “لم يمت“!

اقترب الجمع الحاشد من الحفرة، واقترب موعد الدفن. يبدو أن التراب في ذاك اليوم كان كثا بعض الشيء، فزّلت قدم أحمد ووقع في الحفرة. جاء ممددا في داخلها، على حجمه، ومقاسه، بضعة سنتيمترات عن رأسه وقدميه تفرق بينه وبين التراب، متر واحد بينه وبين الفوهة التي تفرقه عن ما يعرف باسم سطح الأرض!

بقي ممددا، وكأنه يختبر لوهلة ما سيعيشه صديقه المرحوم بعد مماته، هذه الفوهة، هي الباب الى الحياة الأبدية! تمدد، بينما ربيع وقف مشدوها من فوق، متفرج، غير متحرك!

ناداه ربيع “اطلع ياحمد، شو بتعمل“؟ لم يكن الولد يفهم ماذا جرى، ماهية اختبار القبر. لا شيء مهم في القبر، لا يبقَ أي شيء مهم داخل هذه الحفرة التي تقربك من النهاية، إنها بداية النهاية. لم يردّ أحمد، بدا كأنه قد أغمي عليه. أغلق عينيه وحاول أن يستريح أن يكتنز هذا الشعور المباغت الذي جاءه على غفلة، الراحة. لا تفكر بالمستقبل، لا تفكر بالماضي، صفاء الروح يملؤ ذاته، لا يخرّبه الا ضجيج الموكب القادم مشيّعا مصطفى.

لما كان أحمد ليراوح مكانه، هذا الصفاء الذي لم يختبره في حياته التي بالكاد مرت عشر سنوات على بدايتها… وصل الموكب وربيع يقول “أحمد قوم، لتبهدلنا“. حتى هذا الطفل الصغير كان يعلم أن هذا التصرف غير طبيعي، غير اعتيادي لأبناء جيله، لكن الاختبار واستكشاف العالم واكتساب التجارب والخبرات هو من شيم المغامرين. وكان أحمد كذلك بالفعل.

نشوة الاستلقاء على التراب في حفرة تحت السطح، في قبر محفور ليستقبل جثمانا بشريا لأحد أترابه، لا يجابها نشوة لأي مباراة كرة قدم مهما كانت أهميتها.

وصل الموكب. تفاجئ الجميع بهذا الجسد الممد محلّ الجثمان. وقف الكل مشدوها، الرجال، لم يفهموا ما الذي جرى، بعضهم ظن لوهلة أن الحديث عن شهيد آخر، وربيع وحده الذي شاهد ما حصل، وقفز مباشرة الى الحفرة، ممسكا بيد صاحبه محاولا أن يخرجه بالقوة من الحفرة. ومباشرة علت صيحات “الله أكبر“. استفاق أحمد من غيبوبته الوهمية اللحظية ليجد ربيع وعدد من الشبان يحاولون انتزاعه من صفوته، من سكينة الروح، وهو يأبى مغادرة القبر. وفجأة نبس ببنت شفة “اتركوني“! ننهض وقف، نفض الغبار والتراب، وقال لهم بهدوء “مصطفى سيرتاح الآن“!

خرج الكل من الحفرة الصغيرة، وألقى الرجال جثمان مصطفى، لم يتحدث أحد عما شاهده هناك، لكن في اليوم التالي جاء الشيخ عمر الى بيت أحمد ليحدث أهله عما حدث، فيقول لهم إنه عيب، ولا يجوز على طفل أن يستلقي في حفرة قبر معد لآخر ويكيل بالنقد على الوالدين لهذه التربية “غير اللائقة“. بينما كان رد أبو أحمد بمقولة صغيرة “شو متوقع من طفل مات صاحبه بدون سبب؟ بتحسّ إنه كلنا مشروع شهيد منستنى يجي دورنا عالقبر“!

عند مسمع كلمة شهيد لم يتمالك أحمد نفسه بعد للتسمّع على محادثات الكبار وفتح باب الغرفة وتوجه الى الشيخ يقول له “انت ايمتا دورك؟” تفاجئ أبو أحمد بحنكة ابنه، وسؤاله للشيخ بهذه الوقاحة، ورغم أنه كان يرغب في تلك اللحظة بصفعه لوقاحته بتوجهه لمن يكبره سنا، شعر بفخر ما في هذا الوعي المدفون في طفل. صاح بوجه ابنه “انخرس، فوت عالأوضة“! وأخذ يعتذر من الشيخ لعدم إظهار الاحترام المطلوب لرجل الدين، وطلب منه أن يسامح ابنه، ووعده بأن يحضر وابنه لحضور عظة الجمعة، أمر لم يفعله منذ فقد والده قبل خمسة سنوات للمرض الخبيث.

حضر أبو أحمد وابنه الى عظة الجمعة، واستمرا بحضورها أسبوعيا طوال 10 أشهر، حتى توجه الولد الى والده وسأله عن معنى الشهادة. “بابا، شو يعني شهيد؟“

تلعثم الوالد بالرد، فبالنسبة له الشهادة هي لأجل الوطن! لكن بعظة الجمعة تحدث الشيخ عن شهادة من نوع آخر، تلك في معناها العتيق، باسم الدين، والدولة الإسلامية!

مرّت السنين، وأنشأت الدولة الإسلامية في العراق والشام، وزاد وعي أحمد! وفهم أن الشهادة في فلسطين تختلف عن الشهادة في أي وطن آخر.

الشهادة في فلسطين، هي شهادة في سبيل التحرير، وفي البلاد الأخرى في سبيل أهواء الحكّام، أو دفاعا عن الوطن من مخاطر تجّار الدين، من يدعون خلافة الله على الأرض!

* * * * * *

قبل أسابيع قليلة، كان أحمد وربيع ينتظرون وصول حافلة ما تقلهم خارج المخيم لأجل العمل في محطة لغسيل السيارات داخل الخط الأخضر، حيث باتا يعملان. وجاء مجموعة من الصبية من الحي، يحملون الكرة، في شارع الشهداء، وبدأوا بتقاذفها، يلعبون كرة القدم، يمارسون لعبتهم المفضلة. من شدة الملل، دخل أحمد وربيع الى اللعبة وانضم كل منهما الى فريق، لأجل موازنة القوى قليلا. وكأن السنين لم تمر، استمرت المباريات بين فرق الحي. وكرة القدم تجمع الجميع!

اعتاد اليوم سكان المخيم على مشهد دورية الجيش الاسرائيلي الواقفة عند مدخل شارع الشهداء، والحاجز المؤقت الذي فتحوه في كل يوم ليراقبوا القادم والخارج من المخيم. وبالأخص لمراقبة من يقترب من الشارع المؤدي الى المستوطنة المجاورة، ليس لأنها جار طيب، بل لتثبيت الاحتلال!

ولكن في هذا اليوم المشمس في شباط، كانت الأحداث ستختلف!

وهم يتقاذفون الكرة، ركلها أحد الصبيان الى البعد، ووقعت على رأس أحد الجنود المحتلين. ضربت خوذته وأصدرت صوت قعقعة. خاف الأطفال وهربوا من المكان، تاركين الكرة وراءهم، خشية مما سيحدث. لكن أحمد لم يبارح محله. وسار بكل هدوء وبطئ الى الحاجز، كل ما أراده هو استرجاع الكرة. ربيع حاول أن يقنع صاحبه بأن ينسى الموضوع، “انسى يا رجل، مش راح يرجعوا الطابة” قال له، لكن أحمد بدا مصرّا على حقه باسترجاع ما هو ملك لأطفال المخيم، نيابة عنهم. ورغم استغاثة ربيع، خصوصا في هذه الأوضاع المتوترة، مع كثرة عمليات الاعدام الميدانية وخشية جنود الاحتلال من كل فلسطيني يدنوهم، واصل احمد السير بثبات وهدوء، في عينيه العزيمة على استرجاع الكرة، ويكيل شتيمة بأخرى تجاه الاحتلال الذي يخرّب أحلام الطفولة. يسرق الكرات ويرفض إرجاعها.

عشرة أمتار تفرق بينه وبين الجندي الذي يمسك الكرة، صاح به “هووو، يا كلب، جيب الطابة! رجّع الطابة“، لكن الجندي بدأ يصيح تجاهه “אל תתקרב, עצור“! (لا تقترب، قف!). الكرة كانت بمرأى من أحمد، الى جانبه على العازل الاسمنتي المرتجل الذي نصبه الاحتلال. أشار باصبعه الى الكرة، وكرر طلبه “جيب الطابة“! لكن الجندي لم يذعن لطلباته. خطى أحمد خطوة أخرى، وانعطف يمنة الى العازل، خطوة أخرى، وعلت الصيحات، وحديث الجنود في جهاز الاتصال اللاسلكي فيما بينهم، “יש לו סכין ביד“! (يحمل سكينا بيده) رغم أنه كان يمسك هاتفه الخليوي، دوي اطلاق نار، وانهار أحمد وسقط الى الأرض، وانهار الجندي بعده بثوانٍ معدودة! فسقط ربيع بجانب جاره وصديق عمره أحمد!

بصوت مشرأج لا يخلو من ذبذبة نظر ربيع الى أحمد وهو يهوي أرضا “أخذنا الطابة“! ووقعت الكرة من يده…

* * * * * *

افتتحت نشرات الأخبار الاسرائيلية بالنبأ الأهم في هذا اليوم، “محاولة تنفيذ عملية ارهابية” على حد قولهم. “قبل قليل حاول مخربان فلسطينيان ارتكاب اعتداء على قوة جيش الدفاع الاسرائيلي في نقطة تفتيش قرب المخيم. المخربان اللذان حاولا طعن جندي اسرائيلي، وتعرضا لاطلاق النار من قبل قوة عسكرية وقتلا“!

المذيعة:

سقط اليوم شابان من المخيم شهداء بنيران الاحتلال. أحمد وربيع، سقطا شهداء فدى الوطن وكرة القدم!







التعليقات


1 - رواية من رحم المعاناة
ارام محاميد ( 2017 / 2 / 8 - 12:50 )
أبدعت رفيقي العزيز بأسلوبك الممتع في السرد


2 - أشكرك على التعليق عزيزي
شاهين خليل نصّار ( 2017 / 2 / 13 - 11:25 )
شكرا رفيقي وصديقي العزيز آرام، دعمك لهو محفز للاستتمرار بالكتابة .. حضرلك كاسة نقعد نناقش ماركس فيها وكيفية الكتابة عنه بأسلوب سردي أدبي...

اخر الافلام

.. أخبار عربية | تلعفر.. القوات العراقية على مشارف آخر معاقل دا


.. أخبار حصرية | كيف يساوم #داعش عائلات تلعفر مقابل نزوحهم من ا


.. أخبار عالمية | الخلايا النائمة في #أوروبا تضع القارة العجوز




.. أخبار عربية | 200 مقاتلة يشاركن قوات سوريا الديمقراطية قتال


.. أخبار عربية | تأجيل اجتماع #المعارضة_السورية بالرياض