الحوار المتمدن - موبايل



الترحال عبر الثقافات

سعد محمد رحيم

2017 / 2 / 15
العولمة وتطورات العالم المعاصر


يستهين عصرنا المعولم بالحدود.. لم تعد فكرة الحدود راسخة.. الأسواق ينفتح بعضها على بعض، والسياسات تتخذ بعداً كونياً. والمعلومات تُبذل أوسع مما كان يحصل من أي زمن سابق. ويغدو الاتصال بين البشر في القارات المتمدنة أكثر سلاسة وسرعة يوماً بعد آخر. لكن في مقابل ذلك يخرج من يتحدّث عن صدام الحضارات، وانعزال كل ثقافة وتخندقها في مواجهة الثقافات الأخرى. وتعود الفاشيات بأقنعة شعبوية جديدة.. هذه المفارقة التي تطبع عصر العولمة تتسبب عرضياً باختناقات وشكوك وتهديدات، وتساهم إلى حد بعيد في تروية منابع الإرهاب. لتضع المثقف المهتم بالقضايا العامة، والذي يتخذ فكره بعداً عالمياً، أمام تحدّيات معقدة، وخيارات صعبة، تتخطى بتأثرها شؤون بلده وحاضنته القومية.
يرى جيرار ليكلرك في نهاية كتابه (العولمة الثقافية: الحضارات على المحك.. ترجمة جورج كتورة) أن "ما نشهده حالياً عبارة عن توحد اقتصادي وسياسي، قاعدته الحضارة الغربية. ومع ذلك فإن ثمة حواجز فعلية تقف أمام التوحد الأرضي الثقافي طبقاً لهذه الحضارة المسيطرة". حيث، وبحسب ليكلرك أيضاً، "تقوم العولمة في إحدى أهم رهاناتها على انتشار استهلاك الخيرات الثقافية ذات الأصل الغربي". مما يفضي إلى ردود فعل من قبل شرائح اجتماعية تنتمي إلى الشعوب الأخرى للحفاظ على ثقافاتها المحلية الأصلية، تصل حد التعصب والانكفاء ورفض أي تفاعل مع الثقافات الأخرى.
إزاء هذا الاختلال المتسبب نسبياً في انقسام العالم وصراعات القوى، طُرح مفهوم حوار الثقافات وحوار الحضارات. ولكي يتحقق مثل هذا الحوار لابد من استراتيجيات عملية، ومؤسسات تتبناها. بيد أن أفراداً عابرين للحدود الثقافية واللغوية أخذوا على عواتقهم، وبوعي مدعم بمكانة فكرية وإبداعية وأكاديمية، هذه المسألة الملحّة، لتأكيد قيم كونية تكون الأساس في العلاقة بين ساكني الكرة الأرضية، وأولها التسامح الذي، وبتعبير ليكلرك؛ "لا يعني الاعتراف فقط بوجود الآخر، بل الاعتراف بما له من قيمة، أو من قيم. إن التسامح قيمة أخلاقية وفلسفية أكثر مما هي قيمة سياسية. إن التسامح ليس سوى ثمرة العقل المتعالي والوعي الكوني".
أولئك الأفراد هم أبطال ما نسميه بـ "الترحال عبر الثقافات". ذلك المفهوم الذي ارتبط بسيَر وأفكار مثقفين عالميين أعلام، أمثال ثيودور أودرنو وتزفيتيان تودوروف وإدوارد سعيد. لكن المفهوم كمجال فاعلية وانعكاس على العقول، وعلى طرق وأساليب الحياة لا يقتصر على مجتمع النخب الفكرية العليا فحسب بل يتعداه إلى الحلقات الأدنى من المشتغلين في حقول التعليم والثقافة والإعلام. فيما ممكنات تجسيده يمكن أن تشمل جمهورا عريضاً من المهاجرين والمنفيين، ومن الرحّالة الشغوفين بالاطلاع على الثقافات الأخرى. وحتى وإن بدرجة أقل من السوّاح الفضوليين. من غير أن ننسى النخب الثقافية المتنورة في كل بلد، والتي لها معرفة واسعة بالمعطيات الثقافية العالمية.
يعد الترحال عبر الثقافات العلامة الفارقة للمجتمعات والحضارات القابلة للنماء والازدهار. وأبداً لم تستطع الثقافات المنغلقة على نفسها، لاسيما في عصرنا، أن تبني، لمدة طويلة، أمماً متماسكة ومجتمعات منتجة، وبقيت أبعد ما تكون عن الابتكار والإبداع، ومن ثم عن السلام والسعادة.
نعرف أن ثمة مسارب مترافدة للثقافات امتدت عبر الزمان والمكان من الصين القديمة إلى واديي الرافدين والنيل إلى بلاد الأغريق إلى العالم العربي الإسلامي إلى أوروبا عصر النهضة والأنوار. وهذا ما يدحض تلك المسلمة التي تدّعي أن كل ثقافة مغلقة على نفسها، مكتفية، وقائمة على عناصرها وقواعدها وطاقتها الداخلية وحدها. لأن حتى القراءة السريعة في تاريخ الأفكار والثقافات تثبت خطل تلك المسلِّمة وضيق أفقها.
تختزن الثقافات الحيّة طاقة تواصل خلاقة. ومصدر حيويتها هو قدرتها على الانفتاح والحوار والتطوّر. وحين تضعف أو تنعدم تلك الطاقة وتلك القدرة فإن الثقافة تبدأ بالشحوب والضمور والموات. أو أنها ببساطة ستنكفئ على مجموعة من مقولات ومعتقدات قبلية متحجرة تفضي بمعتنقيها إلى الخوف المرضي من الآخر، والغربة عن الزمان والواقع، والانغماس في التعصب والكراهية، والميل إلى العنف.
لا تعيش الثقافات باستقلال عن أذهان معتنقيها وطريقة تفكيرهم، ومنجزاتهم الفكرية والجمالية، وخطاباتهم الفلسفية والسياسية، وقيم حياتهم وسلوكهم، وأشكال علاقاتهم الاقتصادية ـ الاجتماعية. فالثقافة تتشكل أولاً في إطار تاريخي، أما تحوّلها إلى دوغما متجاوزة لقوانين الحياة والتاريخ فيحدث لاحقاً تحت ضغط ظروف وصراعات وتضارب مصالح شتى. وعند هذه اللحظة الفارقة تبدأ دورة الانغلاق والتخندق والمواجهة.
تصوغ كل ثقافة معرفة بالآخر؛ موضوعية، أو مشوّشة، أو مزيفة.. وهذه المعرفة تتلوث بأحابيل السياسة وخُدعها ومقتضياتها، حتى أكثر مما تتأثر بالإيديولوجيا السائدة على الرغم من التأثير العظيم للإيديولوجيا بهذا الشأن، والتي هي نتاج سياسي أيضاً إنْ تتبعنا جذورها وعوامل نشأتها. والتحيّز ضد ثقافة ما ينبع غالباً من رؤى مسبقة لا تقوم على أسانيد قاطعة، بل تكون منتَجة في ضوء عقابيل صراعات وقعت في الماضي البعيد، وحتى في الحاضر القريب.
ولا يعني الترحال بين الثقافات التنكر للثقافة الأم، ولا يتأتى من موقف انتهازي متلون.. إنه خيار واع يمد جسوراً بين ثقافات مختلفة، على أثرها تخوض كل ثقافة حواراً نشيطاً مع نفسها ومع الثقافات الأخرى في آن معاً لتغتني وتتطور. وحين يتحقق الترحال بين الثقافات فإن كل ثقافة تدخل في عملية إعادة نظر بأسسها وقيمها ومنجزها، وباستمرار. وإعادة النظر لا تعني التخلي بقدر ما تعني النقد والتقويم والاغتناء.
نعود إلى أفراد لامعين مترحلين عبر الثقافات. ونتخذ من إدوار سعيد مثالاً سريعا.. ذلك المنفي العابر للحدود، والواقف على تخوم ثقافات عديدة، والمتحرر من نير الهوية الواحدة الضيقة، والشاعر بعمق بمعاناة البشر جميعاً، فضلاً عن تمسكه بقضية شعبه الفلسطيني.
كان من الطبيعي أن يصوغ إدوارد سعيد وهو يؤسس تنظيراته اصطلاح (الدنيوية).. صحيح أن الدنيوية انبثقت من قلب انشغاله بالنقد الأدبي وردِّه على تخريجات البنيوية وما بعدها، إلا أن المفهوم يتسع ليناور داخل حقول معرفية أخرى طالما كان يتماس مع حدّ السياسة ويهتم بالتاريخ، ويسائل الواقع. وفي ضوء مفهوم الدنيوية رأى في النصوص تعبيراً عن حقائق قوّة ووجوداً في العالم.. "وذلك يعني، أن له حضوراً مادياً، وتاريخياً ثقافياً واجتماعياً، وجوداً سياسياً، بل واقتصادياً أيضاً، فضلاً عن مدى واسع من الارتباطات الضمنية بنصوص أخرى". وكما ينظِّر فإن من غير "الدنيوية لن يكون للمثقف دنيا أو عالم يتكلم منه وإليه"؛ المثقف الذي يريده معارضاً دوماً يقول الحق بوجه السلطة. ناقداُ هاويا غير منغلق في حدود تخصص ضيق، منفياً في حسّه الوجودي حتى لو لم يغادر وطنه الأم، ومنفتحاً على آفاق الثقافة العالمية.
المثال الذي يسترجعه إدوارد سعيد للمثقف المتخطي لحدود نشأته وثقافته كان ماركو بولو الرحّال، لا روبنسون كروزو المستعمر لجزيرته الصغيرة. فالأول "لا يخذله أبداً حسن تقديره للوقائع وهو مسافر دائم، وضيف مؤقت،، لا طفيلياً، أو فاتحاً، أو مغيراً" كما يقول في كتابه (صور المثقف؛ ترجمة غسان غصن). فالترحال بين الثقافات ليس غزواً بأي معنى، ولا انخذالاً أمام ثقافات أقوى.. إنه مناسبة للحوار. والترحال عبر الثقافات يُلهم في معرفة الذات. وبرؤيته للآخر يرى المرء نفسه وموقعه.. يصبح الآخر مرآة ومعياراً، ومادة للمقارنة والتقويم، ومصدراً لأفكار تعين في مقاربة الذات. كما أن كل ثقافة بحاجة إلى نظرة الآخر الناقدة لها كي تتخلص من أوهامها، وتتنبه لمواطن قصورها، وتختبر إمكاناتها، وهي تتفاعل مع الثقافات الأخرى.
من هنا لابد من أن ينعطف التفكير إلى المثقف المنفي، والمهاجر المتنقل من فضاء ثقافي إلى آخر، والذي يتيح له موقعه الجديد الإشراف على أفق لا يناله المثقف الساكن في أرضه الثقافية الأصلية.. إنه موقع فضاء ثالث مفتوح ومتنافذ وحر وترجمي.
إن المشكلات الكبرى التي تواجه البشرية اليوم تكاد تكون واحدة، فكوكبنا معرّض لمخاطر تهدد جميع قاطنيه؛ (تدهور البيئة الحيوية، شحّ الموارد، الاحتباس الحراري، نقص المياه، الفقر، الحروب الإقليمية والمحلية، الإرهاب، نذر الحرب النووية، انتشار المافيات وسطوتها، الانفجار السكاني، الهجرات والتهجيرات، الخ). والتفكير من موقع الفضاء الثالث فقط يعلمنا بأننا في السفينة ذاتها الموشكة على الغرق. وأن مصيرنا يتطلب التعاضد والتفاعل والحوار والتسامح من أجل وضع حلول كونية للإنقاذ وقبل فوات الأوان.
في دراستة المستفيضة للاستشراق رأى إدوارد سعيد أن النزعة الامبراطورية بقيت عامل إعاقة أمام أي تواصل إيجابي بين الشرق والغرب طوال قرون. وما أنتجه الغرب من تمثيلات عبر مؤسسة الاستشراق لحالة الشرق كان معجوناً بمفاعيل السلطة وبموجِّهات المصالح الامبراطورية. وما زالت عقابيل تلك المعرفة الاستشراقية حاضرة في بنية الخطاب الغربي المعاصر. والمعرفة المكوّنة بموجِّهات السلطة ومصالحها تغدو مفتقدة غالباً، بهذه الدرجة أو تلك، للموضوعية العلمية على الرغم مما يمكن أن تلبس من أقنعة منهجية، وادّعاء الحياد، والدقة التجريبية، الخ.
ليس من الإنصاف إرجاع فكر الاستشراق برمته لعلاقات القوى الاستعمارية وأنشطتها، وإنكار فضله في إبراز جزء مهم من تراث وحياة وثقافة مجتمعات الشرق وحفظه وشرحه. وإدوارد سعيد درس فقط ذلك الجانب من فكر الاستشراق الذي وجد في السياق الامبراطوري انطلاقاً من مسلِّمات مغرضة أو زائفة أو خاطئة، وفي ضوء موجبات مؤسساتية فحواها الهيمنة والاستغلال. غير أن سعيداً لم يقل بصدام الحضارات ولا بالهويات الصافية المغلقة على نفسها، ولا بالثقافات التي حدودها الدم. بل على العكس فقد مثّل "طبيعة الهوية القائمة على المفارقة في دنيا متعولمة مهاجرة... لقد كان الترابط الحميم بين هوية سعيد ونظريته الثقافية، وكذلك المفارقات التي يكشفها، يبين لنا شيئاً عن تركيبة وتعقّد الهوية الثقافية نفسها" كما يقول بيل اشكروفت وبال أهلواليا في كتابهما (إدوارد سعيد: سيرة فكرية.. ترجمة: سهيل نجم).
يستدعي الترحال بين الثقافات شَرْطَيّ الحرية وحسّ العدالة.. فالحرية هي التي تضمن توسّع الفضاء الخاص بعملية الترحال، فيما حسّ العدالة يجعل الهدف منها واضحاً وذا بعد إنساني شامل. وقد تكلّم إدوارد سعيد عن المثقف المنفي الذي يعينه وضعه، في المكان الآخر، من احتياز زاوية نظر متّسعة، وطباقية. حيث يكون مؤهلاً لطرح سردية مختلفة.
كان المنفى حالة استثنائية ومحدودة قبل القرن العشرين.. لم يعد الأمر كذلك مع اغترابات القرنين العشرين والواحد والعشرين وارتحالاتهما وهجراتهما وتهجيراتهما. وبذا صار للمنفى وجهه الثقافي.. صار فضاءً ثقافياً ووجودياً.. وموقفاً ثقافياً ووجودياً. وبات هناك المثقف المنفي بمعنيين؛ الأول وهو المقتلع من بيئته الأصلية، وحاضنته الجغرافية ـ السياسية والمرتحل عبر الحدود، والثاني هو المقتلع المقصي على الرغم من بقائه في مكانه.. وهذا وضع معقد وملتبس، يتكافأ مع مفهوم الاغتراب ويتخطاه.. أن تشعر بأن جذورك قٌطعتْ عنك، وفقدتَ الرسوخ والثقة بصلابة موقعك في العالم.. يقول سعيد: "المنفي يرى الأشياء من زاوية ما بقي في الخلف. وما هو في الحقيقة هنا والآن، ثمة رؤية مزدوجة لا ترى الأشياء منفردة أبداً".
إن صورة المثقف منفياً تكملها، من منظور سعيد، صورته ناقداً، هاوياً، غير مدّجن، شكّاكاً وساخراً، وحتى دعّاباً أحياناً، يجد نفسه إلى جانب الضحايا في كل مكان، مدافعاً عن المهمَّشين والمعوزين والمضطهَدين، والذين لا تمثيل لهم، وفاتحاً نوافذ، من موقع ثقة بالنفس، للحوار مع الآخر.







اخر الافلام

.. مكافحة الإرهاب... الفكر والفكر المضاد


.. هل تدفع بريطانيا ثمن إيواء الجماعات الإرهابية


.. أطماع إيرانية... ذراعها حرس ثوري




.. الحصاد-مدنيو الموصل.. خارج حسابات العبادي


.. الحصاد-سيناء.. هجمات تتطور وتتوسع