الحوار المتمدن - موبايل



تجريدات لونيّة /إنعكاس الكامن بين الشعور واللاشعور./الفنانة فاطمة العبيدي ومنجزها التشكيلي

قاسم العزاوي

2017 / 2 / 17
الادب والفن


استرجاع تكويني.
---------------
البحث والتقصي،عن بدايات الفنانة فاطمة العبيدي ،هي الموهبة اولا والتي ستصقل مستقبلا وبتدرجيّة اشتغالية وصولا الى إسلوبيّة متحركة ومتفاعلة مع تطورات وإكتشفات المشغل التشكيلي ،وثانياً ، مدى تأثير وتحفيز المحيط البيئي والمجتمعي وما يحيط به من احتضان الموهبة وتفعيلها دايامنيكيا لاستمرار الخوض في عوالم التشكيل المتعدد الضفاف ،والاستقرار على ضفة كمحطة استراحة ومعاودة الانتقال الى محطة اخرى واخرى وهكذا يكون التنقل مشبعا باستمراية البحث عن الاساليب والاتجاهات التشكيلية الاخذة بالتطور والتشعب ...
ولأن فاطمة العبيدي ، تمتلك الموهبة ،ووجود العامل المحفز الذي ينشّط خلايا الموهبة الكامنة فيها ،واستدراجها صوب حقل الفن /الرسم وتأمل موجوداته ومحاكاتها بفرشاتها الملوّنة ، والعامل المحفز هنا لاستنهاض كوامنها الفنيّة ،هو عمها الرائد الكركولي ،الرسام والنحات الراحل(محمود العبيدي)...من هنا كانت البداية الصحيحة في التوجه والانحياز لعوالم الرسم ،وشأنها شأن الفنانين الذين حفروا بصمتهم الخاصة على رقعة منجرزهم ،كونها لم تقفز على المراحل الاسلوبية ،بل كان تطورها الفني طبيعيا وهي تمارس التخطيط والواقعي الطبيعي ورسم المنائر والقباب وحياة الناس والمرموزات الدينية وهكذا ..، وصولا الى التجريد لبث واسترجاع مكنوناتها الداخلية عبر حركيّة الالوان وما تشكله من تكتلات ووحدات منسجمة ومموسقة تسمع أنغامها تسترجع صدى دواخلها وما تخفيه من مشاعر وأحاسيس والبوح بما كان منطمراً في دواخلها المتصارعة والتي ترغب بالانفلات والبوح في اي لحظة..
نعم، تطعيم الموهبة بالدراسة والاطلاع الاكاديمي والتنظيري ،مهم جدا للفنان ،ولكن هذا لايقف عائقا أمام تطلعات من يمتلك الموهبة ،إن كان متابعا ذاتويا تطورات المشهد التشكيلي والاعتماد على ذاتويته بمتابعة هذا التطوّر والتجديد ،دراسة واستنتاج واشتغال ايضا ،وهذا ما نسمعه من الكثيرين ..(كيف استطاعت فاطمة العبيدي أن يلمع اسمها وتحصد الجوائز العالمية ،وهي لم تكمل دراستها الاكاديميّة..؟) أقول:وهل كان دافنشي وميكائيل انجلو قد درسوا اكاديميا..،وقبلهم ممن تركوا لنا كنوزهم الفنية من فناني سومر وبابل وأشور ..هل كان هؤلاء العمالقة قد تخرجوا من اكاديميات الفنون..!؟ناهيك أن الكثيرين ممن تخرجوا من الاكاديمية لم يتركوا لنا منجزا واحدا من اعمالهم ، هذا إن كانت لهم اعمال ليتركوها لنا ،وإن كانوا يعرفون كيف يستخدموا الفرشاة ..!!ومنهم من يطلق على فاطمة العبيدي لقب(فنانة فطرية) أقول:عليهم أن يعرفوا اولاً ماذا تعني مفردة فطري..!
أردت بهذه المقدمة أن أمرّ سريعاً على خلفية ومرجعية الفنانة العبيدي قبل الغوص عميقا في تجريدياتها اللونية والكتلوية المكونة والمشكّلة لمنجرها البصري..
تجريديات فاطمة العبيدي
----------------------------
هنا ،سأتجاوز مشهديتها البصرية والتي اتخذت فيها الشكلانية والمرموزات الدينية ،والتراثية والحروفية ايضا ، في فترات سبقت منطقة اشتغالها الاني،وجنوحها بشدة نحو التجريد المحض ،وهذا التطور اعتقد جازما بطبيعية تحولاتها داينميكا ،اذ ان الحروفية والمرموزات وتوزيع الالوان هرمونيا مهد لها ارضية الانتقال صوب تغليب اللون والخطوط ،إن كانت افقية او منحنية او نصف دائرية او عمودية ،والتي - بالتالي- ستشكل وحدات بنائية لانتاج لوحتها ..،واذا كان التجريد المحض كأسلوب تشكيلي يتجاوز الواقع ويبدد كل المعالم التي تضفي على الموجودات مظاهرها المألوفة وهذا يعني تجاوز الشخصانية والشيئية المجسدة والاستعاضة عنها بالالوان والخطوط ،وشتغالها ذهنيا يسير فيها الذهن من الجزئيات الى الكليات وهذا السير يكون متصلا مع الجزئيات لتكوين الكليات ،وعدم التشديد على اختيار الموضوع مسبقا بل اعتبار الالوان عنصرا اساسيا في اللوحة لامتزاجها (بالمنطق الداخلي للشيء)وعلى التوازن بين لحظة الادراك والوعي وبين لحظة اللاوعي والحدس،باعتبار ان الحدس ماهو إلا البصيرة الداخلية ، وهو ادراك مفاجيء ومباشر لايخضع الى العقل بل هو من افعال المخيلة التي تعيد الاشياء الغائبة وتبتكر الصور والمعاني المدركة بالحس...وهذا ما اكده الفنان الروسي(فاسيلي كاندنسكي)والذي وضع للتجريد خصائصه بعد ان نشر كتابه(الروحية في الفن)
وكما ارى ان الفنانة فاطمة العبيدي على اطلاع تام بمنجز الفنان كاندنسكي ،مما سهلّ لها الانتقال الى التجريدية بقوة.
ونرى في اعمال الفنانة فاطمة العبيدي ،-اللامرئيات التناغمية من خلال مرئياتها اللونية ،والتي تحيل المتلقي الى ماورائيات العمل التشكيلي ليطفح ما بداخله او مكنوناته على سطح اللوحة ..ولقد حققت اعمالها وتجريدياتها اللونية انعكاس الكامن بين الشعور واللاشعور لدى المتلقي ومخزوناته الداخلية من: أماكن واشخاص واحلام وامنيات وذاكرة حبلى بها...!
وارى عزوف الفنانة عن عنوّنة او تسمية اعمالها وجعلها كخطاب بصري منفتح ،كي تتيح للمتلقي التأمل والتخيّل ومشاركة الفنانة في مقترحاتها الجمالية ، وكي لاتحصر المتلقي في زاوية واحدة والايحاء له مسبقا بموضوعة او ثيمة المنجز ،بل اتاحت له إختيار الاسم او العنوان ،وارى هذا يحسب لصالح الفنانة وهي تشرك المتلقي في اقتراحاته ..
لوحة فاطمة العبيدي ،واعني التجريدية منها،جدليّة قابلة للتشكل ،جدلية تشعرنا بانغلاقها على ذاتها إلا انها منفتحة كحركة تحليلية ،تتنامى تركيبيتها حتى الاتصال بالحدس الفني عند المتلقي ،اضافة الى حركية المنجز البصري للفنانة هي حركية كامنة تتناغم مع التفاعلات العلائقية من اجل التجدد والامتداد في التناهي حتى الاتساع الطيفي المختزل بين الرؤيا الظاهرة والرؤيا الباطنة ،وهذا يعني ان منجزها التجريدي بوحداته اللونية والخطية يمتلك من الطاقات الكامنة والتي ستكون طاقات متجددة تتحرك فعليتها باستمرار بمجرد تحفيزها إن كان بعين المتلقي المتأمل والمتقترح باستمرارية حركية وحداتها ومضامينها الشعورية المتخفية او الكامنة بين الشعور واللاشعور،اضافة الى انها اي اللوحة تتمحور بمدلولاتها الساعية للجنوح الى الروح والمطلق .
تكمن خصوصية الفنانة فاطمة العبيدي ،في مشغلها التجريدي ،ومنجزها البصري على عدة مرتكزات لعلّ اهمها انها لاتحاكي أي من الفنانين ،بل حفرت بصمتها الخاصة بها وهذا مايسعى اليه كل فنان ،بأن يؤشر على منجزة من بين الاف اللوحات ويستطيع المتذوق الفني والناقد ان يقول هذا العمل ينتمي للفنان فلان .. وهذا ما استطاعت الفنانة فاطمة العبيدي ان تحفره عميقا كبصمة خاصة لها ...
تجريدات لونية بانغام صوفية
-----------------------
المشهدية البصرية /كخطاب تشكيلي لغتها اللون والخطوط والخامات الاخرى المضافة والمكونة لمنجز الفنانة فاطمة العبيدي ،يطغي عليها النغم الصوفي وهو ينبعث من ترددات الوانها ويتعاشق مع مسامات قماشة لوحتها وتوحي للمتلقي بالمدد والحلول مع الذات الكبرى ..وتردده فضاءات اللوحة ..

و تتمحور اللغة البصريةوخطابها عند الفنانة فاطمة العبيدي بادراكاتها الحسية في بقعة استقطاب تجريدية, لتشكل بالتالي منجزها البصري التجريدي الغنائي بانزياحات ذاتوية تلامس وتتفاعل مايدور في مخيلتها من موجودات ورؤى وافكار وتمرد داخلي تراكمت داخل ذاكرتها الحبلى بخزين حكائي متوارث واحلام استنقطتها وتفاعلت معها, ودهشات استوقفتها طويلا وتعاملت معها بعشق صوفي , وشكلت في مخيلتها انسياحات لونية مضئية تتصارع مع احاسيسها المنساحة كشلال يجرفها صوب عوالمها العاجة بالدهشة والاكتشاف..بيد ان الفنانة العبيدي تحاول جاهدة (اقصاء الحسي قصديا) والجنوح للبدائي النائي عن جذوره كمرجعية,...وبالغور عميقا داخل منجزها البصري ودلالاته المبثوثة والمتحركة في اتجاهاتها وعمقها ايضا توحي لنا بحكائية متقاربة مع نقاء وبراءة الطفل وهو يخط شكله المصوروكما يراه, وهذا مادأب عليه الكثير من الفنانين من محاكات عوالم الطفل والنزول الى براءته وصدق مايريد ان يخطه باعتبار ان ذاكرة الطفل مازالت نقية ,ويرى الاشياء بتصوراته الغير قصدية على أية حال.. وهذا ما اراد الفنان العالمي بيكاسو الوصول اليه,وغيره من عمالقة الفن التشكيلي المعاصر... وحواضن معرفيات الفنانة المتعددة وتجاربها البحثوية التي تمور داخلها وتشع كفعل منجز يؤسس مشهدها البصري , والفنانة لاتكتفي في موسيقية الوانها الصادحة بالمددوالمتحركة بمساراتها الذاتية , بل تتلاقى مع الخطوط والدوائر والانحناءات وهي تتحرك بقلق يتلاشى بها الزمان والمكان وتعكس بذات الوقت الخزين المعرفي المتدفق والمحفز لذاكرة الفنان الجانح للمشهد التشكيلي التجريبي بحساسيتة المحلقة نحو عوالم الذات والملامسة لحافة الروح بل عمق الروح والذوبان فيها حد التماهي والحلول,وهذا الامتزاج والتلبس بين رؤياها البصرية وروحها الخافقة بالتقصي والتجديد .
لغتها البصرية منفلتة وتعاني حالة انفصام وانفصال , عما هو ملموس وحسي ومرئي وعما هو مشخص وموجود بابعاده المتعارف عليها .. لذا, استطيع القول : ان عالمها البصري المتخيل هو من يساهم بشدة بجذب ادوات اشتغالها : الفرشة , القلم, الالوان , السطح التصويري ....لتاخذ فعلها على سطح القماش او الورقة او اي خامة اخرى , وما على الفنان الا ان يتأمل بدهشة نتيجة هذا الفعل التصويري المجرد من قصدياته والتأسيس له ...كما في اعمال ميرو وكاندنسكي وبقية التجريدين ....من هنا دأب الفنانة بتحريك مخيلتها المتقدة وتحفيز خلاياها السابتة لافراز متصوراتها الداخلية المتصارعة انياً بانقطاع عن المواضيع الجاهزة والمنفصلة عن الزمان والمكان وتتلاشى فيها الثيمة والمرجع وتبتعد عن الاشياء التي الفناها وتعاملنا معها ..
وتقود المتلقي عينه الى لا استقراريتها وتكسبه بحثا متواصلأً وبداينميكية متصاعدة صوب غاياتها الباحثة عن الجمال واشراكه ليضيف من عندياته تصورات اخرى يتناغم معها اذا لم يشارك بفعلها ويتغنى بها ايضا.
الفنانة فاطمة العبيدي بغنائيتهاو تجريداتها تهشم الفضاءآت المعمارية للوحة وتشكل شكلها البصري المغاير بمقاربات وتماهيات تجريدية نلاحظها عند( كاندينسكي ) وهذا لا يعني انها استنسخت كاندينسكي بل بمقاربات غير قصدية قد تتلاقى وشائجها وقد تتباعد ... خاماتها متعددة ومتنوعة بما يخدم السطح التصويري وحساسية العمل ... كما عمدت الى تحطيم الفضاء المعماري للوحة وعمدت ايضا الى اقصاء المنظور والابعاد والمجسد واقصت الزمان والمكان في جنوح جليّ ومقروء نحو الذاتية الصادقة التي تحرك الفنان في منطقة اشتغاله لتجسيدها على شكل تجريدي ينبض بالحساسية والجمال والصدق لتلامس روحها السرية تلامساً صوفيا وتتغنى مع ذاتها الباحثة دائما عن استكشافات تراها هي لا كما يراها الاخرون







اخر الافلام

.. فيلم دعائي دانماركي يكتسب شهرة عالمية | يوروماكس


.. كل يوم: بعد 19 عام من استقرارها بميناء الأدبية .. مصر تتخلص


.. الفنان المنتصر بالله لـ كل يوم: انا بشكر حلمي النمنم لسؤاله


.. كل يوم: فيديو كوميدي لـ عمرو أديب وهو يقلد دونالد ترامب


.. السينما الإماراتية.. إنتعاشة حقيقية وقفزة ملحوظة في إنتاج ال