الحوار المتمدن - موبايل



ازمة العالم الاسلامي الحضارية

مولود مدي

2017 / 2 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في ظل الزلازل الأمنية التي يعيشها العالم العربي من تصاعد للإرهاب و تزايد للعنف و خطابات الكراهية يظهر لنا أن العقل تم تغييبه تماما بل لا نجد له اي اثر فعاد العالم العربي الى درجة ما قبل الصفر فالتراجع في جميع المجالات و النواحي اصبح عنوان العالم العربي التراجع أمنيا اقتصاديا سياسيا عسكريا و ثقافيا و حتى أخلاقيا بلدان ممزقة ، طوائف وجماعات متناحرة، اطلال مدن مهدمة ، فقر وملايين من المشردين سواء في اوطانهم او اوطان الاخرين ليطل علينا التحالف الاسلاموي مع القوى الصهيوأمريكية بوجهه القبيح فكان هذا التحالف مفرخة للفتنة و الارهاب في العالم الاسلامي و يجدر التذكير أن المارد الصهيوأمريكي عملاق يعرف العالم العربي و الاسلامي أكثر من معرفة العرب و المسلمين له لأنه يمتلك ناصية العلم و التكنولوجيا و الأنثروبولوجيا و علم الاجتماع السياسي و التاريخ و علم النفس و تاريخ تشكل المذاهب الاسلامية, و المشكلة الكبرى هي أن العرب حاليا لا يستطيعون استيعاب حقيقة أن الغرب يبعد عنا بمسافة تقدر بالسنوات الضوئية نتيجة عمله الكبير و لاتخاذه العلم وسيلة لبناء المستقبل و السيطرة على العالم اما العرب فلا زالوا يتحدثون عن التمكين و الانتصار الذي لا يكون الا بنزول المهدي المنتظر ليحل لهم مشاكلهم, لا زالوا منشغلين بالأساطير و كيف نصرهم الله و هم أذلة و لا زالوا يحلمون أن الله سينزل لهم الملائكة ليجابهوا عدوهم تغذيهم فتاوي ائمة الجن و العالم الأخر.
ورغم هذه الأوضاع الكارثية التي تتطلب توحد العرب عامة لتشكيل جبهة موحدة ضد الصهيونية و حليفتها الكبرى أمريكا الا أن العرب اتفقوا الا يتفقوا, فاختروا التشتت عوض التلاحم, و اختاروا اتباع فتاوى الفتنة عوض اتباع عقولهم, و لا يمكن ان ننكر بان كل محاولة لإعادة بلورة الافكار و جعلها متماشية مع واقعنا و عصرنا قد أجهضت من طرف القائمين على الاسلام بمساندة الانظمة العربية الاستبدادية, فكل محاولة تجديد و تحديث قد قوبلت بالتكفير و الاتهام بهدم الدين فأصر كهنة الاسلام أن لا مستقبل لنا الا بالعودة الى افكار القرن الثالث و الرابع هجري وإلى زمن وناس قتلوا بعضهم بعضاً على الدنيا.

ان الحضارة تقوم على الافكار و الاشخاص و الاشياء, فالأفكار بحاجة الى غربلة و تجديد فلا نبني المستقبل بالعودة الى الماضي ونحن بحاجة الى بلورة الاشخاص لأن النهضة و التنمية تبدا من الانسان و ايضا تحديث الاشياء فلا مكان للتكرار و الاجترار لأن هذا العامل الاخير هو من جعل ثقافتنا ببغاوية بلا منازع فشاعت الرجعية بالميل والحنين لعصور السلف الأموي والعباسي الأول، وبدلاً من أن يبحث المسلمون عن المعرفة وأصل الأفكار بحثوا عن ماذا قال فلان وعلّان وحكايات السلف مع العفاريت, في الوقت الذي كان فيه الخوارزمي يدرس و يبحث في الرياضيات كان المسلمون يبحثون هل أكثر أهل النار النساء ام الرجال, في الوقت الذي كان ابن إسحاق الكندي يشرح علوم .."جالينوس".. ويبحث للتفريق بين الكواكب والنجوم، وطريقة إدخال الأرقام الهندية للمسلمين, كان المسلمون منشغلين بتكفير المعتزلة و الأحناف و الأشاعرة.
ان أمتنا هي امة التيه و الضياع و تتصور اننا لازلنا خير امة اخرجت للناس , فأمتنا التي تكاسلت عن المشاركة في الحضارة لأنها لازالت تعتقد أن فكر عصور الانحطاط يصلح لكل زمان و مكان , وتبرر فشلها دائما بالتخلي عن الله , فحبسنا انفسنا في غياهب الماضي ولم نعطي الحرية لعقلنا لكي يذهب بعيدا في العلم و الفكر ورفضنا اخضاع من يتصورهم البعض بشر معصومين للنقد و التمحيص, فقيدنا عقولنا و كفّرنا الحرية التي هي اساس كل حضارة فالأمام الجزائري عبد الحميد ابن باديس قال ’’ ان حظ الانسان من الحياة بقدر حظه من الحرية ’’ فاصبح العربي المسلم يشكل استثناءات في موضوع الحرية و أصبح يرضى بالعبودية و الاستعباد و التبعية للمشايخ و يعتقد أن ذلك من الدين.
كما أن دور الشيوخ للأسف هو دور سلبي للغاية، ويصوّرون للشباب أن الانفتاح على الحياة يعني حب الشهوات والملذات، وبالتالي فلو انفتحوا على الحياة سيعصون الله، وهذا غير صحيح، لأن الانفتاح على الحياة يعني الصدق والتصالح مع الذات، وعدم كتمان أي أفكار تجول بخاطره وإخراجها من حيز الدماغ إلى حيز الواقع، وبالتالي تتعرض أفكاره للاحتكاك والتواصل وهذا ما ينقص الشباب المتطرف، فهم شباب معزول عن الحوار بالدرجة الأولى.

لا زلنا نتوهم أن العودة الى الحضارة سيكون بإعادة احتلال العالم و اتباع عقلية ’’ الاسلام او الجزية أو القتال ’’ في الوقت الذي تخلص من العنف و الحروب و حول الصراع من صراع حربي و اقتتال عسكري الى صراع سياسي و صراع الأحزاب السياسية و محاولة الوصول الى نقط الالتقاء بالحوار بين الأطراف و القرآن نفسه يقول " و الارض وضعها للأنام ’’ فالأرض تتسع للبشر و لغير البشر للعربي و غير العربي و للمسلم و غير المسلم فبدل المسلمين حب الأخرين بالكراهية و اضمار الشر لهم و تناسوا قرأنهم الذي قال ’’ و تعاونوا على البر و التقوى ’’ دون أن يحدد النص القرآني مع من يجب المسلمين أن يتعاونوا و هذه دلالة على ترغيب النص الاسلامي التعاون و التقارب مع الأخرين فالأولى أن يستعيد المسلمون رشدهم و يتخلوا عن هلوستهم و انغلاقهم و يتفتحوا على الأخر ليستفيدوا منه – الغرب خصوصا – و دائما ما تتكرر تخاريف المؤامرات الغربية منذ اكثر من ستين سنة ونحن نسمع هذا الحديث مرارا وتكرارا من حكامنا على اختلاف مشاربهم ولازال رجال الدين يضحكون على ذقوننا بنظرية المؤامرة المستمرة الى الابد و لا نزال لا نفهم ما سبب تأمر الغرب المتفوق في كل شيء على أمة متخلفة لا حول و لا قوة لها, فالعرب يعانون من عقدة فكرية وهي الخلط بين (الخلاف والعداء) فكل مخالف في التراث العربي هو شرير، كونه ممثلا إما للكافر الديني أو المعارض السياسي، وهو خلط متوارث منذ العهد الأموي الذي أحياه المماليك والعثمانيين بعد ذلك.

ان اقتناع المسلمين بخرافة ان ’’ من تمنطق تزندق ’’ – المخالفة لأمر القرآن بإعمال العقل - ساهم بتراجع دور العقل في حياة المسلم فمهد ذلك الى انتشار العقلية الأبوية و التقديس المبالغ فيه للأشخاص و اصبح ما يقوله الفقهاء تشريعا مقدسا و لا يجوز انتقادهم و انتقاد اعمالهم الفكرية فتم تقديس الحديث وتم وصف كتاب البخاري للأحاديث ’’ صحيح البخاري ’’ بأنه أصح كتاب بعد القرآن و كأن البخاري ليس ببشر و بما أن لا قيمة للعلم في حياة المسلم حاليا صدق الخرافة لأنه لم يتعلم أن العلم و البحث العلمي لا حقيقة مطلقة فيه, فاكتسب الحديث النبوي مكانة غير عادية بين المسلمين رغم أن النبي أمر أمرا صريحا وواضحا بعدم تدوين الحديث تفاديا لتقديسه من طرف المسلمين ’’ لا تكتبوا عني غير القرأن و من كتب عني غير القرآن فليمحه ’’ لكن لا نفهم لماذا خالف المسلمون و الفقهاء خصوصا امر الرسول ؟ الجواب واضح لأن الحديث عندما يعلوا في مكان ما فانه يتسبب في اعلاء قيم الأبوية و النرجسية و يصبح مبررا لجور الحكام و تسلطهم يصبح مشروعا لأن حراس الدين يقولون قال الرسول اطع الحاكم كما أصبحت احاديث الرسول وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية بالادعاء كل فرقة اسلامية هي الفرقة الناجية و هي التي تحتكر الحقيقة المطلقة وهي التي تستحق وحدها الحياة أما الأخرين فلا بأس بذبحهم ... فتواجد مثل هذه القيم في مجتمع معين تخلفهم سيكون أمرا طبيعيا, فكان تقديس كلام البشر وبالا على العقلانية و العقل والمحاولة العبثية في الاعتماد على اقوال بشر عاشوا في القرن السابع و اسقاطها على واقعنا.
وعندما ورثنا هذا الظلام وحدثت لدينا صدمة الحداثة في القرن العشرين طالبنا بالاقتداء بالغرب قي كيفية بناء حضارته فاتهمنا من طرف الكهنة بفرية البُعد عن دين الله وسنة رسوله، رغم أن الحضارة الغربية لم تقم على دين الله، بل قامت على العقل المكلف بكشف هذا الدين وفهم طبائع الأشياء و تفسير القوانين التي تسيّر الطبيعة، وبدلاً من الصدق وقول الحقيقة المُرّة أننا حاربنا مفكرينا وكفّرناهم وقتلناهم باسم الدين والسنة و فرحنا بقتلهم، كذبوا وقالوا أن النهضة حدثت بأولئك العلماء/الفقهاء الذين كتبوا في الحيض والنفاس والبراز أكثر مما كتبوا في علوم الإنسان والطبيعة، فقهاء قتلوا بعضهم والناس على ألفاظ وكلمات وأحقاد شخصية ولم يقتلوا أحد حين تعرضت أوطانهم للسلب والنهب..

و بسبب غياب فكرة واضحة لمفهوم الحضارة عند المسلمين و حتى عند أنصار الاسلاموية, اعتقدوا أن الحضارة الاسلامية ستعود فور بناء دولة دينية – اسلامية – فربطوا بين الدولة و الحضارة و ظنوا أن بفتح الأراضي و نشر الاسلام ستعود أمجاد المسلمين و هذا خطأ لأننا لو نقرا التاريخ الاسلامي نجد أن الخلفاء المسلمين الذي دعموا العلم و العلماء يعدون على الاصابع أما البقية فطاردوا العلماء و الفلاسفة و استعانوا برجال الدين لتكفير المفكرين و الفلاسفة و اتهامهم بالزندقة, و ان أخذنا بفكرة المسلمين الذين يرون أن الحضارة تعود ببناء الدولة الاسلامية فيجب أن نذكر أن إن صعود دولة ما أو إمبراطورية ما، لا ينبئ عن قيام حضارة و لدينا في امبراطورية المغول خير مثال فهي اكتسحت العالم و دمرت بغداد ولم تبني اي حضارة على عكس الأغريق الذين بنوا حضارة ولم يكتسحوا العالم لكن تراثهم لا يزال يؤثر لحد الأن.
عندما نحاول أن نفهم الحضارة سنجد ان الحضارة عبارة عن انتاج و عطاء و تقدم في جميع المجالات وبالتالي الحضارة تستلزم التجديد لكن اين المنهج ؟ اين المنظومة الفكرية التي تقيم اسس هذا التجديد ؟ ان من يحاول التجديد او يقول قولا جديدا تتم محاربته من السلطة الاستبدادية و ذراعها الأيمن المنظومة الدينية فمن أهدر دم المفكرين المصريين ؟ اليس الأزاهرة ؟ من يطارد المفكرين و الأدباء في الخليج الوهّابي ؟ اليس هم شيوخ الوهّابية و فقهاء البلاط السعودي و عملاء أل سعود ؟ وهذا سبب استسلام النخبة العربية و خوفها من التكفير و التخوين ومن التصفية الجسدية فغياب النخبة العربية هو سبب غياب منظومة فكرية تقيم اسس التجديد المنشود, لقد ضيعنا في المئوية السابقة الاف من المفكرين و الاصلاحيين فسبح العالم العربي و الاسلامي في بحر العشوائية و أصبح يخلط في المفاهيم و لا يقيم فرقا بين الدين و الدنيا و ما بين هو سياسي و عقائدي فقي العالم العربي يتم عقد المقارنات على شاكلة ’’ الاسلام و الديمقراطية ’’ و ’’ هل أنت مسلم أم علماني ’’ ففي الوقت الذي يتكلم العالم بلغة فصل السلطات و أدرك خطورة الجمع بين السلطات لا زال العالم الاسلامي يعتقد أن السياسة و الدين شيء واحد متوهما أن عظمة الاسلام تكمن هنا.
لا يجب أن ننكر ان التقليد الحرفي للغرب لن يحل المشكلة لأن الغرب عندما حقق نهضته اعتمد على ثقافته المحلية , اليابان بلد بلغ اعلى قمم العلم و الحضارة ولم يفرط في ثقافته و بالتالي نسخ ولصق المناهج لن ينفع, و المشكلة في العالم العربي هي محاولة تديين الثقافة و حتى التخلص منها ان لم توافق الفكر الديني اعتقادا ان كل فكر او قانون او عادة هو نابع من دين آخر فأصبحت بعض المجتمعات العربية لا تعرف هويتها الأصلية بسبب امتداد السلطة المجتمعية لسدنة الدين ، فكل خروج عما تم ترسيخه بالدين فهو خروج على الدين ذاته اي الكفر، كاللباس الذي يجب ان يبقى كما هو والتعليم والأفكار والحياة الاجتماعية و اللغة و التصدي لمن يحاول تسويق المقولة التي تشرعن الغاء اللغة الاصلية للبلدان الاسلامية بالمقولة الزائفة ’’ لقدر عرّبَنا الاسلام ’’.

ان أي تقدم للعالم العربي مرهون بعاملين فصل الدين عن الدولة ويوازيه في وقت واحد نقد الموروث الديني و تصفيته من الخرافات التي اصبحت تسكن عقول الناس التي لا هم لها الا مناقشة أمور الحلال و الحرام و هل عذاب القبر موجود أم لا, ففي الحقيقة توجد فتاوى قبيحة وفي قمة الإهانة والسخرية للدين الحنيف، لم يتحرك أحد من كهنة الاسلام خطوة واحدة لفض هذا الاعتداء، ولكن إذا قام أحد بانتقاد البخاري وكتب التراث ثارت ثائرتهم وهددوا بالقمع والنائب العام والحسبة, يجب على المسلم ان يتعلم من غيره و يأخذ بأسباب نجاحه و أن يتخلى عن أوهام العظمة التي ما هي الا هلوسات لا اساس لها, يجب الانطلاق من الصفر و الانطلاق من الواقع وليس من القرن الرابع, يجب على المسلم الذي يتمنى رؤية نهاية للاستبداد في بلدانه أن يدعم مفكريه لا أن يظهر لهم العداء فذلك لا يخدم الا المنتفعين من هذه الأوضاع الكارثية للعالم العربي و الاسلامي.







اخر الافلام

.. بالفيديو المسجد الكبير بغرب الموهوب بلا مرافق وتسرب مياه الص


.. الثوار يفتحون 6 معارك تربك النظام وتشتت المليشيات الإيرانية


.. الحصاد - شيعة الخليج.. جدلية المذهب والوطن




.. روسيا: تنظيم الدولة الإسلامية يتبنى الهجوم على قاعدة عسكرية


.. تنظيم الدولة الإسلامية يتبنى هجوما على قاعدة عسكرية روسية في