الحوار المتمدن - موبايل



التبادل: النشأة والتطور والقانون الموضوعي

محمد عادل زكي

2017 / 2 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


(1)
مما لا شك فيه أن الفرد، تحديداً على الصعيد الاجتماعي، لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن باقي أفراد المجتمع. ولكن أمراً كهذا لا يميز البشر على نحو حاسم. ويمكن، بل يجب، أن تصبح عبارة "الإنسان كائن اجتماعي" محلاً لكثير من الشك إذ لم يقترن استخدامها بوعي ناقد بكونها عبارة نسبية؛ فكثيرٌ من الحيوانات تعيش مثلنا في جماعات منظمة، وذات تراتبية دقيقة؛ ونراها تتعاون، بإحكام ودقة، في مطاردة الفرائس وتدافع عن مناطق نفوذها بشكل جماعي، ويمكننا أن نشاهد أحد أفرادها، مسيطراً، في مركز القيادة باعتراف الجماعة طوعاً أو كرهاً. ولكن، من المستحيل أن نرى حيواناً يعطي لآخر قطعة من اللحم في مقابل دجاجة مثلاً. أو أن يكلف حيوانٌ حيواناً كي يقتنص له فريسة في مقابل إعطائه شربة ماء أو كسرة خبز. فالميل إلى التبادل يعد من أهم الصفات اللصيقة بنا نحن البشر فقط، وبالتالي يعد فعل المبادلة من أهم الأفعال الَّتي تميزنا اجتماعياً، عبر التطور، عن أي كائن حي آخر.(1) ولذلك، فإن التعرف إلى محددات التبادل (النشأة، والتطور، والقانون الموضوعي) لا يمكن أن يأتي صحيحاً إلا من خلال التعرف إليه في سياق التعرف إلى عملية تطور الإنسانية ذاتها(2) من الإنتاج، بالمفهوم الواسع للإنتاج، بقصد الإشباع المباشر إلى الأشكال المتطورة من التبادل. ولكن يتعين، ونحن نتغلغل في أعماق التاريخ، وما قبل التاريخ، حتى بلوغ محددات التبادل، أن نتزود بالوعي بأمرين: أولاً: أن الصراع الجدلي، في مواجهة قوى الطبيعة من ناحية، وبين بني الإنسان أنفسهم من ناحية أخرى، يؤدي إلى تطور قوى الإنتاج. ثانياً: وبالتالي، تقوم قوى الإنتاج الجديدة بتطوير المجتمع.
(2)
فلنذهب إلى ماضي أسلافنا، مستخدمين أعلى درجات التجريد. ففي أعماق الزمن السحيق كان أسلافنا، مثل جميع الكائنات الحية الأخرى، تحت سيطرة الطبيعة القاسية. ولم يكن سلوك أسلافنا هؤلاء ليختلف كثيراً عن سلوك الوحوش الهائمة في البرية. والإنجاز التاريخي ربما الوحيد آنذاك هو نشوء النطق، وهو الأمر الَّذي اقتضته عمليتي التعاون في مواجهة الطبيعة والصدام بين بني الإنساني. كما أملته اعتبارات نقل المعرفة عبر الأجيال بشأن تقنيات الصيد، وصنع الأدوات، واستخدام النار، والأهم تقنية الحفاظ عليها مشتعلة؛ إذ لم يتعلم الإنسان بعد توليد النار.
على كل حال، كان أسلافنا في البدايات الأولى، عبارة عن جماعات غير مستقرة تجوب أدغال الغابات ووديان الأنهار وأعالي الجبال بحثاً عن الطعام والمأوى. فمن جهة المأكل: كان أسلافنا يجمعون كل ما يمكن تناوله كطعام من الجذور والثمار والحيوانات بطيئة الحركة، وربما الجيف. ومن جهة المسكن: فلم يكن لدى أسلافنا في مثل تلك الأزمنة السحيقة أدنى فكرة عن تقنية صنع البيوت أو الأكواخ، وكانوا على هذا النحو مثل باقي الكائنات الَّتي تعيش معهم في أدغال الغابات والأحراش يبحثون عن الملجأ الَّذي يحميهم بين الآجام وفي شقوق الصخور وفجوات الكهوف.
وعلى الرغم من كل ذلك، كان الإنسان الأول يملك موهبة خاصة جداً جعلته مميزاً عن جميع الكائنات الحية الأخرى؛ ذلك أنه أخذ في صنع الأدوات الَّتي يمكن استخدامها في العديد من الأغراض، مثل: تحطيم درقة سلحفاة أو كسر عظمة. وكان أكثر هذه الأدوات بدائية أزاميل حجرية أو فؤوس غير متقنة، أو رماح مصنوعة من فروع الأشجار وقد ثُبتت بها الأنصال المنحوتة من حجر الصوان. كما تمكن الإنسان، من خلال كسر الأحجار الصلْداء والصخور وصقلهما، من إنتاج هراوات الحفر المسنونة، والحراب، والأدوات الثقيلة ذات الحروف الحادة القاطعة؛ ومن ثم تمكن من أن يقتل الحيوانات الأصغر حجماً والأسرع عدواً، ويستخرج الجذور الَّتي تؤكل، كما أمسى بإمكانه استخدام هذه الأدوات في مواجهة الكائنات الأشد فتكاً، الَّتي تهدد حياته، أو استعمالها في مهاجمة الحيوانات الضخمة؛ ليتزود بطعام أفضل من ناحية القيمة الغذائية.
والواقع أن جدنا الأول لم يكن لينتج تلك الأدوات جميعها، والَّتي تمثل قوى إنتاجه للأشياء آنذاك، إلا بسبب التهديد اليومي لحياته ابتداءً من صراعه الدائم مع قوى الطبيعة من ناحية، ومع غيره من بني جنسه من ناحية أخرى. ومن ثم صار مضطراً إلى ابتكار الأدوات الَّتي تعينه في صراعه المزدوج هذا. وكان عليه أيضاً مواصلة ابتكاراته وتحسينها. بل وأصبحت هذه الابتكارات والصراع من أجل تطويرها، وإن اتسم هذا التطوير بالبطء ربما الشديد، أصبحت من الأمور المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوجود الجنس الإنساني نفسه.
وابتداءً من تطور قوى الإنتاج، البدائية بطبيعة الحال في الفصول الأولى من قصة حياتنا الإنسانية، يشرع المجتمع في التطور على الصعيد الاجتماعي. فإذا كان الصراع، من زاوية ما، هو المحرك الأساسي لتطوير قوى الإنتاج. أي المحرك للابتكار، بقصد الحفاظ على البقاء أو فرض الهيمنة؛ فإن قوى الإنتاج الجديدة هي الَّتي تأخذ على عاتقها مهمة تطوير المجتمع.
هنا يتعين علينا أن نقارب بين أمرين: الابتكار نتيجة الصراع، والابتكار بسبب الصدفة. إذ أن الصراع من أجل الوصول لأداة ما تساعد في قتل حيوان، وربما إنسان، أو كسر حجرة، أو تحريك ثمرة، إنما يسبق الصدفة في اكتشاف تقنية ومواد وأدوات إنتاج هذه الأداة. بل وحتى عندما يكتشف الإنسان، صدفةً، شيئاً ما نافعاً، أداة مثلاً، ثم يكتشف أنها صالحة للاستخدام في أمر ما، فإن الأداة، حتى في هذه الحالة، لم تكتسب صفة النفع إلا لسبق تبلور الحاجة إلى وظيفتها في الصراع ضد قوى الطبيعة أو بين بني الإنسان أنفسهم.
حتى هذه المرحلة التاريخية، البدائية، لم يكن من المتصور حدوث التبادل بأي شكل من الأشكال؛ فالإنتاج، والَّذي بطبيعة الحال يشمل نشاط الصيد أو حتى كسر بندقة، لم يكن، ليتم إلا بقصد الإشباع المباشر، مع انتفاء هدف الادخار لمواجهة الأزمات أو الكوارث الطبيعية، بل وانعدام إمكانية فعل الادخار بالأساس. كما أن الإنتاج نفسه على هذا النحو لم يكن لينتج الفائض الَّذي يمكن مبادلته.
(3)
وحينما وقع الحدث الأكثر أهمية في حياة أسلافِنا، إذ تعلم أسلافُنا الآن توليد النار(3) وليس استخدامها فحسب، تم الانتقال خطوة بارزة تاريخياً في طريق التقدم الطويل صوب فجر الحضارة. فبالإضافة إلى استخدام أسلافنا للنار في صنع الأدوات، فقد تمكنوا كذلك من استعمالها في الطريقة الجديدة لإعداد الطعام؛ إذ بدأ الإنسان، الَّذي هو أهم مكون من مكونات قوى الإنتاج؛ فهو خالقها، بدأ بشواء طعامه وتحميصه وأخيراً سلقه، وهذا بالتالي زوده بغذاء أفضل خاصة من اللحم المطهي، إلى جانب الغذاء السمكي الَّذي ظهر متأخراً على مائدة جدنا الأول؛ مما ساهم في تطور مخه، ومن ثم بات التطور في طريقة التفكير ذاتها أمراً ممكناً.
كما أن طهي الأطعمة النباتية بواسطة النار ساهم في توسيع القدرات العقلية من خلال جعل الكربوهيدرات المركبة في الأطعمة النشوية أسهل هضماً؛ وبالتالي سمح لأجسام أسلافنا بالقيام بعمليات التمثيل الغذائي بشكل أفضل من خلال امتصاص المزيد من السعرات الحرارية الَّتي مكنتهم من آداء أعمالهم اليومية على نحو أجود.
والآن أصبح أسلافنا يستخدمون النار، وكذلك لديهم الفأس الحجرية وباقي الأدوات الَّتي ابتكروها وطوروها، الأمر الَّذي مكنهم من صنع الزوارق من الأشجار، ربما بتفريغها في البداية، وإعداد الألواح من الجذوع المشذبة لأجل بناء المساكن.
ومع تطور قوى الإنتاج؛ حينما يصل الإنسان، عبر تطوره، إلى أخطر اختراعاته؛ يحدث الانقلاب في حياة أسلافنا؛ فمع اختراع سلاح القوس والسهم (الَّلذين بفضلهما صارت الطرائد محلاً للقنص وقتما يشاء المرء دون ترك الأمر للحظوظ وبالتالي كان الفائض العرضي، وبالتالي التبادل العرضي، هو النتيجة الطبيعة للقنص الَّذي أصبح أسهل نسبياً) أخذ السلاح الجديد يشكل أداة معقدة، ويفترض اختراعها خبرة متراكمة زمناً طويلاً جداً وكفاءات ذهنية أكثر تطوراً. وقبل كل ذلك يفترض صراعاً مريراً مع موارد الطبيعة وتطويعها، بغية ابتكار هذا السلاح الجديد، أو على أقل تقدير بلوغ تقنيته المعقدة. أدى هذا الاختراع الجديد إلى صيرورة عملية الصيد ذاتها من قبيل أوجه النشاط الاقتصادي العادية، إذ لم يزود الاختراع الجديد أسلافنا بغذاءٍ حيواني دائم، وفائض، فحسب، بل زودهم بالجلود والأوبار الَّتي صنعوا منها ملابسهم، وبالقرون والعظام الَّتي صنعوا منها أدواتهم، وفي المقام الأهم أمدهم بسلاح جبار في جميع معاركهم فيما بينهم. يتبدا هنا التناقض الجدلي بين تعاون بني الإنسان، وفي نفس اللحظة، واقتتالهم. فالإنسان يحتاج إلى الإنسان وفي الوقت ذاته يعمل على إبادته!
(4)
وحينما نظهر على الساحة نحن البشر، تنشأ اللغة المعقدة.(4) وابتداءً مما انتقل إلينا من تقنيات عديدة عن أسلافنا(5) عقب اتصالنا بهم جغرافياً وثقافياً وبيولوجياً، نشرع في صناعة الأدوات الفخارية؛ فأغلب الظن أن طلي الآنية الخشبية بالصلصال لجعلها مقاومة للحرارة كان له الأثر المباشر في ظهور صناعة الفخار.(6) في تلك اللحظة تأخذ البشرية في السير خطوة مهمة إلى الأمام في طريق التطور؛ فقد أمكن الآن استخدام الفخار في العديد من الأغراض الَّتي لم يكن يصلح لها الخشب.
وحينما نتمكن، بفضل تطور قوى الإنتاج كما سنرى بعد قليل، من القيام بتطوير النشاط الزراعي، نأخذ في الاقتراب أكثر وأكثر من أعتاب الحضارة. إذ يمكن القول بأن التحول إلى الزراعة المستقرة جعلنا نحن البشر أكثر استقلالاً في مواجهة قوى الطبيعة؛ فقد أتاح الارتفاع النسبي في إنتاجية العمل، وبالتالي تحقيق الفائض، الَّذي أمكن بلوغه في العمل الزراعي بوجه خاص، أتاح لنا أن نتعلم، في إطار الصراع المستعر المستمر، ليس فحسب تحسين قوى الإنتاج ذاتها، وإنما أتاح لنا أيضاً تعلم ادخار المخذون الغذائي لاستخدامه في حالات الكوارث الَّتي قد تصيب الزراعة، أو الإخفاق في عمليات الصيد.
في نفس وقت اكتشاف المزيد من أسرار الزراعة تقريباً تمت تربية الماشية. كما تم المضي قدماً في عملية التدجين؛ فقد اكتشف البشر أن تربية الحيوانات النافعة أقل جهداً وأكثر إثماراً من مطاردتها، ورويداً رويداً تبيَّن البشر أن الأنعام على اختلاف أنواعها كالإبل والبقر والخنازير... إلخ، لا يمكن أن تُستأنس فحسب بل وتتوالد أيضاً في الأسر، ويمكن تدجينها. وكان الاهتمام بها أولاً كمصدر للغذاء، ولم تستخدم كحيوانات للجر أو حمل الأمتعة إلا في مرحلة تاريخية تالية.
وعلى هذا النحو من ظهور الفائض وتبلور النشاط الزراعي والنشاط الرعوي، ومع تشكل النظام القبلي، أثر اندماج العشائر(7)، يظهر أول تقسيم اجتماعي كبير للعمل الاجتماعي(8)؛ إذ تتخصص بعض القبائل في الزراعة، وتتخصص بعض القبائل الأخرى في الرعي. والواقع أن ظهور تقسيم العمل لم يكن إلا كنتيجة مباشرة لسلسة متصلة من القوانين الموضوعية؛ فالصراع، ضد قوى الطبيعة من جهة، وبين بني البشر من جهة أخرى، يؤدي إلى تطوير قوى الإنتاج، ومن ثم يؤدي إلى تطوير الإنسان نفسه كأهم مكون، كما ذكرنا، من مكونات هذه القوى. وتطور قوى الإنتاج، الَّذي يقود عملية تطور المجتمع، يؤدي إلى ظهور الفائض، وحينئذ، أي حين الفائض، تدرك الجماعة أن التخصص في إنتاج منتج معيَّن يوفر لها الجهد الَّذي يتعين عليها إنفاقه في سبيل إنتاج المنتجات الأخرى الَّتي يحتاجون إليها، إذ يكتشف الزراع أن الفائض الَّذي تحقق في النشاط الزراعي حقق لهم إمكانية الحصول على المنتجات الأخرى الَّتي يحتاجون إليها، من المنتجات الحيوانية، كاللحوم،... إلخ، بدلاً من بذل الجهد في إنتاجها. والأمر ذاته بالنسبة لنشاط الرعي؛ إذ يؤدي الصراع ضد قوى الطبيعة إلى تطوير قوى الإنتاج، وقوى الإنتاج تؤدي إلى ظهور الفائض، والفائض، بمبادلته، يمكّن الرعاة من الحصول على المنتجات الزراعية، كالحبوب،... إلخ، الَّتي يحتاجون إليها بدلاً من بذل الجهد في سبيل إنتاجها.(9)

وبما أن جُل المنتجات كانت حصيلة عمل جماعي(10)، فقد كان التبادل يتم بين المجتمعات ككل. كوحدة واحدة. وبالتالي كانت مبادلة الفائض الاجتماعي تقترن دوماً بالحصول على معادل عام يقبل اجتماعياً، هذا المعادل قد يكون البقر أو صدف البحر أو قطعاً من المعدن... إلخ، ومن ثم كان من الضروري ارتضاء الجماعات المتبادلة لمنظم محدد يتم القبول الاجتماعي للمعادل نفسه بالاستناد إليه.
يتعين هنا أن نفرق بين هذا المنظم، المقبول اجتماعياً، وبين الشكل الَّذي يتخذه المعادل. فابتداءً من كون الإنتاج يتم من خلال العمل الجماعي، والعمل الجماعي بدوره يخلق الفائض الاجتماعي، الَّذي هو شرط التبادل؛ فإن المنظم يتعين أن يأتي على نحو وثيق الصلة بـ (العمل الاجتماعي)، الأمر الَّذي جعل للعمل. والعمل وحده. الدور الحاسم في تقييم المنتجات محل التبادل. وهو ما ينشيء ضرورة لتسوية المبادلات المختلفة وفقاً لقانون موضوعي في القيمة، أي قيمة المنتجات الَّتي تتحدد بكمية العمل الاجتماعي المبذول في إنتاجها.(11) فإذ ما تحدد المنظم على هذا النحو (على الرغم من محدودية التبادل وربما فوضويته حتى هذه اللحظة، على الرغم من تقدمها التاريخي نسبياً) تم استخدام المعادل الَّذي يعبر عن، لاحتوائه على، كمية من العمل الضروري اجتماعياً، كالأبقار والأصداف وبعض أنواع المعادن... إلخ، يبادله مالكه بكمية من ناتج آخر يحتوي على نفس الكمية من العمل الضروري اجتماعياً. ولسوف يؤمن علم الاقتصاد السياسي، دون نقد، بهذا المنظم، وسيشتق منه المقياس غير الصحيح للقيمة. كما سوف يعتبره بوجه عام من أهم مكونات الجسم النظري للعلم.
(5)
وحينما يصل البشر، عبر صراع لا نهاية له، إلى صهر المعادن، بالأخص البرونز والحديد، ومن ثم تأخذ قوى الإنتاج في التطور، تقرع أجراس الحضارة معلنة عن اقتراب نوعنا البشري من أعتابها، إذ قاد استخدام المعادن إلى حدوث التغيرُّات الجذرية على الصعيد الاجتماعي بوجه عام، وفي النشاط الاقتصادي بوجه خاص.
فلقد تطلبت الحرف الجديدة، مثل صهر المعادن وسبكها، وبالتالي استخدامها على نطاق واسع في الحياة اليومية، تطلبت تقسيماً تاريخياً جديداً للعمل الاجتماعي؛ فلقد كون الحرفيون، كقسم خاص من المجتمع يمتلك المعرفة والمهارة والأدوات، مجموعة محددة اجتماعياً ومتميزة من ناحية النشاط الاقتصادي في المجتمع. وكان الجزء الأكبر من عمل هؤلاء الحرفيين، بفضل وجود الفائض الاجتماعي، يُنفَق في إنتاج الأدوات والأشياء الَّتي يحتاج إليها المجتمع وليس في إنتاج ما يحتاجونه هم من أدوات وأشياء. وعلى هذا النحو أصبح التقسيم الاجتماعي الثاني للعمل ممكناً؛ حينما مكَّن تطور قوى الإنتاج المجتمع من أن يشبع إلى درجة ما، مطالب جميع أفراده بما فيهم أولئك الَّذين لا يشتغلون في إنتاج المواد الغذائية بأنفسهم ولكنهم يشتغلون في أعمال ضرورية على الصعيد الاجتماعي.
انعكس التقسيم الجديد للعمل الاجتماعي على تطور الزراعة والرعي، فلقد صنع الحرفيون المحراث الحديدي، والأدوات الزراعية الأكثر فعالية. وبالتالي أصبح من الممكن حراثة الحقول على نطاق أوسع، وأمسى من الممكن أيضاً وفي الوقت نفسه زيادة الاحتياطيات من المؤن الغذائية زيادة ملحوظة. كما تم تقطيع خشب الغابات لاستخدامه في شتى الأغراض، حتى صنعت منه الأساطيل البحرية العملاقة الَّتي راحت تشق عباب البحار للتجارة أو الغزو، وهو ما لم يكن ممكناً بدون الأدوات الَّتي صنعها الحرفيون. في نفس الوقت أيضاً تم تحويل أراضي الغابات إلى أراض مزروعة، وهو الأمر الَّذي كان يستحيل القيام به أيضاً بدون الفأس الحديدية والمحراث والمنجل والمجرفة، وباقي الأدوات الَّتي وفرها عمل الحرفيين الَّذين لم يقتصر عملهم على إمداد الزراعة فحسب بالأدوات اللازمة، بل تعدى ذلك إلى صنع مختلف الأدوات والأشياء الَّتي يحتاج إليها نشاط الرعي وتربية الأنعام والتدجين، كالأواني الفخارية والأدوات المعدنية والأسيجة.
(6)
ومع ظهور المدن وشروعنا في تدوين تاريخنا وحاضرنا بالكتابة إيذاناً ببزوغ فجر الحضارة، يأخذ تقسيم العمل، ومن ثم التبادل، في التوسع على نحو أسرع وأعم، فيصبح تقسيم العمل بداخل طائفة الحرفيين. فمثلاً، تخصص البعض في النجارة أو الحدادة والبعض الآخر في الخياطة أو الدباغة، وبالتالي تتقابل منتجات كل من النجار والحداد والخياط والدباغ على مستوى المبادلة. وهو ما يتطلب، وكما ذكرنا، وجود الأساس المشترك الَّذي ترتضيه الجماعات المتبادلة لإتمام عملية التبادل. بعبارة أدق: وجود الأساس المشترك الَّذي ترتضيه الذهنية الجماعية آنذاك. هنا تتحدد اجتماعياً كمية العمل المبذول في سبيل إنتاج كل من المطرقة والفأس والثوب والجلد المدبوغ، ويتم التبادل، بصورة أوضح وأكثر استمراراً وأشد تنظيماً عن ذي قبل، بين وحدات معينة من هذه المنتجات كتبادل بين قيم متساوية وفقاً لكمية العمل المحددة سلفاً على الصعيد الاجتماعي لصنع كل منتج من هذه المنتجات.
(7)
ورويداً رويداً، وفي ظل ظروف تاريخية معينة، يجري تقسيم العمل الاجتماعي بداخل الوحدة الإنتاجية ذاتها؛ فيتخصص بعض النجارين في صنع القوارب والبعض الآخر في صنع الأرائك. كما يتخصص بعض الحدادين في صنع المحاريث، ويتخصص البعض الآخر في صنع الفئوس. وبالتالي تتقابل، على صعيد المبادلة، منتجات هؤلاء جميعاً، ويتم التبادل أيضاً وفقاً للقواعد العامة، أي طبقاً للأساس المشترك الكامن في العمل الاجتماعي المبذول في صنع كل ناتج من هذه المنتجات.
وعلى الجانب الآخر، جانب النشاط الزراعي، يمكننا أن نفترض أيضاً تخصص البعض في زراعة بعض الأنواع من المحاصيل، وتخصص البعض الآخر في زراعة أنواع أخرى. وهؤلاء وأولئك يحتاجون إلى منتجات الحرفيين كما يحتاجون إلى منتجات الزراع والرعاة. والأمر نفسه في إطار نشاط الرعي؛ فيمكن أيضاً أن نفترض وجود مَن يتخصص في رعي الإبل (الإبَّالة)، كما نرى مَن يتخصص في رعي البقر (البقَّارة). وبالمثل سوف تتقابل منتجات أولئك وهؤلاء في السوق. وسوف يجري التبادل وفقاً لنفس المبدأ. مبدأ العمل في القيمة.
وكما احتاج الزراع إلى منتجات الحرفيين والرعاة، فسوف يحتاج هؤلاء الرعاة إلى منتجات الحرفيين والزراع. وهو ما يتطلب، كما ذكرنا، سبق اتفاق المجتمع، ولو ضمناً، على منظم مشترك يُقبَل اجتماعياً لاتمام التبادل.
ومع صيروة التبادل فعلاً حياتياً يجري يومياً على نحو جوهري، تتبدا مشكلاته، وفي مقدمتها صعوبة تجزئة العديد من المنتجات (بصفة خاصة حينما تصبح سلعاً، أي تنتج من أجل السوق)، كما لم يعد ممكناً للمرء إنتاج كل ما يحتاج إليه. وفي الوقت نفسه لم يصر بإمكانه سوى التخصص في صنع منتج محدد يبادله مقابل ما يحتاج إليه من منتجات أخرى يحتاج إليها، بيد أن منتجه هذا قد لا يمكنه من الحصول على (جميع) ما يريد، الأمر الَّذي يدفعه إلى مبادلة منتجه هذا بمنتج آخر آكثر قبولاً اجتماعياً، ثم يقوم بمبادلته مرة أخرى من أجل الحصول على ما يحتاج إليه من منتجات. وإذ يظهر منتجٌ ما، كالذهب والفضة، لديه مثل هذا القبول، ومثل تلك القدرة على أن يحل محل جميع المنتجات لما يتمتع به من قبول عام؛ لإمكانية تجزئتة إلى أصغر وحدة ممكنة وثبات قيمته نسبياً، تظهر النقود، في مرحلة أولى، في شكل متجسد في هذين المعدنيّن، ولا يصبح التبادل بين المنتجات مباشراً كما كان من قبل، بل يتم من خلال وسيط. هذا الوسيط، المختَزِن للقيمة، ينبغي الحصول عليه أولاً من خلال عملية تبادل أولية، لا تعرف التوقف؛ إذ يجب على المرء أن يبيع شيئاً ما، حتى ولو كان هذا الشيء، وسيكون فعلاً، هو قوة عمله؛ وذلك كي يحصل على هذا الوسيط الَّذي يستطيع أن يشتري به ما يريد من منتجات.
ومع التطور تفقد النقود شكلها المتجسد في المعدنين المذكورين وبالتالي تفقد ميزة احتوائها على القيمة الَّتي تعبر عنها، كي تصبح مجرد رمزاً معبراً عن قيمة مفترضة(12). فلم يصبح جرام الذهب مثلاً معبراً عن كمية العمل المنفقة اجتماعياً في سبيل إنتاجه، بل صار بموجب مرسوم ملكي أو قرار إمبراطوري أو حتى فتوى شرعية معبراً عن كمية من العمل أكثر أو أقل مما يحتويه فعلاً من العمل الضروري. وحينئذ تتبلور تاريخياً ظاهرة الثمن بالتساوق مع بروز ظاهرة النقود.
ولكن الثمن، بصفته المظهر النقدي للقيمة، ليس دائماً تعبيراً صادقاً عن القيمة، بل هو في الأغلب يأتي على نحو مختلف عنها ارتفاعاً أو انخفاضاً (وعلى الرغم من ذلك فهو دوماً ما ينجذب إليها حين انخفاضه أو ارتفاعه). فإذا تطابق الثمن في السوق مع القيمة الاجتماعية أصبحنا بصدد الثمن الطبيعي، وإلا صرنا أمام تأرجحات ثمن السوق.
ومع تطور قوى الإنتاج وتحسينها المستمر تأخذ النقود، باختلاف أشكالها وأنواعها، في تجاوز دورها كوسيلة، كوسيط في التبادل، حتى تمسي غاية في ذاتها، ويبيت نشاط المضاربة المالية من أهم الأنشطة الاقتصادية. التبادل على هذا النحو يكون بقصد التبادل. مبادلة النقود بالنقود من أجل المزيد من النقود!. وهو
ما ينشيء إمكانية لكي تصبح كمية النقود، كقاعدة عامة، غير مساوية لكمية المنتجات.
وإذ ما تحدد أساس التبادل على هذا النحو المرتبط بالعمل الاجتماعي الضروري، فقد لزم تبلور المبادلة مكانياً. أي ظهور السوق كمكان تجري فيه المبادلة وتصريف الفوائض. ومع تلك النشأة الَّتي اقتضتها ظروف التبادل، يستمر التطور حتى نصل إلى الأسواق الشاملة والدائمة متعددة الطوابق والَّتي تعرض فيها مختلف المنتجات المصنوعة في شتى الأجزاء الَّتي تكون اقتصاد العالم بأسره. كما يصبح لكل مادة من مواد العمل، ولكل أداة، وآلة، من أدوات وآلات العمل سوقها الخاص بها، وهو ما ينطبق أيضاً على قوة العمل، والأرض، والرأسمال، فلكل من هذه وتلك سوقها الخاص بها. في هذه الأسواق تطرح المنتجات للتبادل، وتتقابل ككميات من العمل الاجتماعي المتجسد في كل ناتج من هذه المنتجات.
(8)
يمكننا الآن، إذ ما أخذنا في الاعتبار الصورة الكليَّة الَّتي حاولنا رسمها أعلاه لمحددات التبادل، إبراز الأشكال الثلاثة للتبادل الَّتي عرفتها البشرية عبر تطورها، على النحو التالي:
أولاً: الإنتاج بقصد الإشباع المباشر، وما يتعلق به من تبادل بقصد الإشباع المباشر. فقد كان الهدف المركزي للنشاط الاقتصادي، على الأقل في عصور ما قبل التاريخ، هو الإشباع المباشر للحاجات الإنسانية الأساسية. وحينما يحدث، عرضاً، بعض الفائض تجد الجماعة الَّتي حققت هذا الفائض الاجتماعي، وليكن في الصيد مثلاً، أن من مصلحتها مبادلة هذا الفائض بدلاً من إهدره. وهو ما يتطلب سبق وجود جماعة أخرى حققت أيضاً بعض الفائض، العرضي، الَّذي تريد مبادلته بدلاً من إهدره أيضاً. في تلك الحالة لا يمكن تصور استخدام هذه الفوائض المتبادلة إلا في الإشباع المباشر.
ثانياً: الإنتاج بقصد التبادل، وما يتعلق به من تبادل بقصد الإنتاج. إذ حينما يصبح الفائض قاعدة عامة، وبالتالي يسمح تاريخياً للتخصص بالظهور، بين الزراع والرعاة في مرحلة أولى، وبين الزراع والرعاة وبين الصناع في مرحلة ثانية، وبداخل الوحدات الإنتاجية ذاتها في مرحلة ثالثة، ثم التخصص الدقيق في مرحلة رابعة وأخيرة. لا يمسي هدف الإنتاج الإشباع المباشر؛ إنما يصبح الطرح في السوق للتبادل. للبيع. للربح. هو الهدف الأسمى للإنتاج. هذا الإنتاج إذ لم يكن من شروط ظهوره التاريخي سبق التبادل، أي لم يكن على الصانع الحصول على المواد الَّتي ينتجها من خلال التبادل، إذ كان بإمكانه الحصول عليها بعمله المباشر كالحصول بنفسه من الغابات على الخشب الَّذي يصنع منه الفأس، فقد أصبح من الضروري، مع التطور، حدوث عملية التبادل من أجل الإنتاج، إذ يتعين على المنتج المباشر، أي صانع الفأس، القيام بعملية مبادلة أوليّة، وستكون دائمة ومستمرة، من أجل الحصول على مواد عمله، الَّتي يمده بها قسم آخر من المجتمع يتخصص في صنع هذه المواد. وما قلناه بصدد مواد العمل ينسحب كذلك على أدوات، ثم آلات، العمل؛ فقد يصنعها في البداية، إلا أنه لن يستمر كثيراً في ذلك؛ إذ سوف يحصل عليها، فيما بعد، بالتبادل مع قسم آخر من الصناع الَّذين سيتخصصون في صنع هذه الأدوات. ومع تبلور ظاهرة النقود سوف تتم جميع هذه المبادلات، كأصل عام، من خلال وحدات النقد. فلم يعد الصانع مضطراً الآن إلى الحصول على الماشية أو الأصداف... إلخ، ثم التخلي عنها لصانع آخر كي يحصل على منتجه. وإن كان مضطراً إلى أمر آخر؛ هو الحصول على وحدات النقود الَّتي سوف تقوم مقام رأس الماشية أو مجموعة الأصداف. والهدف النهائي هو تحقيق الربح النقدي.
ثالثاً: التبادل بقصد التداول. إذ لم يعد التبادل قاصراً على المنتجات، الَّتي اكتسبت صفة السلعة، إنما صار شاملاً أيضاً وحدات النقود، على اختلاف أشكالها وأنواعها، والَّتي باتت محلاً للمضاربة. والهدف النهائي هو أيضاً تحقيق الربح النقدي.
وإذ أن التبادل كظاهرة اجتماعية، سواء أكان بقصد الإنتاج أم بقصد التبادل أو حتى بغرض الإشباع المباشر، إنما يتم، إذ ما تعمقنا في فهم وتحليل الظاهرة، وفقاً لقانون موضوعي يحكم قيمة المنتجات محل التبادل؛ فالأمر يستوجب بالضرورة المنهجية الانتقال إلى دراسة القيمة. وهو ما سوف نقوم به في محاضراتنا القادمة.







التعليقات


1 - الشكر
فاخر فاخر ( 2017 / 2 / 25 - 06:09 )
كل الشكر للكاتب على هذا المقال الماركسي الدقيق النافذ

اخر الافلام

.. الوطن اليوم | إحباط 4 محاولات لتهريب 3 كيلوجرامات من الهيروي


.. 22/8/2017 | الخائن سيبقى خائناً.. بحسب العلم.. وعناوين أخرى


.. ترمب يقرر زيادة عدد القوات الأميركية بأفغانستان




.. كل يوم كتاب: المؤثر


.. أقطع 1400 كلم من أجل التعليم