الحوار المتمدن - موبايل



العلمانية و خرافة محاربتها للأديان

مولود مدي

2017 / 3 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


تستمر معاناة العالم العربي الاسلام من مشكلة كبيرة في خلط المفاهيم ببعضها البعض, و هذا الخلط هو الذي دفع بخصوم العلمانية و بالتحديد الحركات الاسلاموية الى اعتبار أن الدعوة الى الفصل بين الدين و الدولة هو دعوة الى هدم الدين و هذا غير صحيح, و هذا الخلط هو الذي أسس الى خلط الديني بالدنيوي و بين السياسي و العقائدي, فالسياسة هي لعبة مصالح اما الدين فمجاله الأيمان, و هذا الخلط ادى بالمسلمين الى مقارنة المفاهيم السياسية بالدينية مثل المقارنة بين الاسلام و العلمانية و بين الاسلام و الاشتراكية و غيرها من المقارنات الي تنم تدل على معاناة المسلمين من أمرين و هو الجهل بالمفاهيم و معانيها و الخلط بين الديني و الدنيوي و بين النسبي و المطلق.

و كما قلنا أن من الهرطقات الشائعة عن العلمانية أن هذه الأخيرة تهدف الى " محو الأديان " و ازالتها من وجه الأرض و محاربتها و القضاء عليها تماما و السبب وراء هذا الاعتقاد الخاطئ هو كلمة " فصل الدين " و بالتالي اعتقد المسلمون أن " فصل الدين عن الدولة " هو محاربة للدين الاسلامي و محاولة للقضاء عليه لكن في الحقيقة أن ما تريده العلمانية هي دولة الحياد الديني و ليس محاربة الدين, لأن في الحقيقة الأديان هي التي تحارب بعضها و تتصارع فيما بينها, فالعلمانية جاءت لازالة هذا الصراع , فالاحتقان الطائفي الحاصل في المجتمعات الاسلامية هو نتيجة غياب الفكر العلماني في هذه الدول و لغياب الدولة العلمانية كما أن فصل الدين عن الدولة هو نتيجة من نتائج العلمانية لأن العلمانية حسب تعريف الدكتور " مراد وهبة " هي طريقة التفكير بما هو نسبي بطريقة نسبية وليس بطريقة مطلقة فلا يجوز الخلط بين بين النسبي و المطلق فمن التعريف نجد أن مجال العلمانية هو المجال الدنيوي و لا شأن لها بالدين.

ان سوء سمعة العلمانية في العالم الاسلامي تعود الى عدة أسباب .. فالعالم العربي ينظر الى العلمانية كمؤامرة غربية للقضاء على الاسلام لأن العلمانية ظهرت في الغرب المتأمر على الاسلام حسب اعتقادهم وهذا يدل على جهل المسلمين بحقيقة ان الحضارة الغربية هي نتاج الحضارات الاخرى الغابرة اي ان كل حضارة جديدة هي حضارة مكملة للحضارة التي سبقتها فالحضارة التي ظهرت في العصر العباسي الاول و تطور حركة ترجمة علوم الاغريق واليونان و فلسفتهم هي التي أدت الى ظهور علماء مسلمين كبار مثل ابن رشد و الفاارابي فاحتكاك المسلمين بالاسبان في الأندلس على سبيل المثال ساهم في اكتسب المسلمين طباع الأسبان وبقايا حضارتهم الموروثة منذ عهد الإغريق والرومان حتى صارت الأندلس مشعل تنوير عربي وإسلامي لعدة قرون، وللعلم أن ما أنجزه العرب في الأندلس من حضارة يشهد لها العالم -ببناياتها وهندستها القائمة إلى الآن-لم يكن له أن يكون لولا التواصل الثقافي الذي حدث بين العرب والأسبان فهذا يدل على ان الاحتكاك و التواصل الثقافي بين البشر شرط ضروري للنهضة و الحضارة و هذا ما غاب عن أذهان المسلمين.

و السبب الأخر شيوع التقليد للسلف أثره في غياب منهج تفكير عند المسلمين يستطيعون به تصور الحياة والكون على أسس علمية, فعصر السلف حسب ما يظن المسلمين هو خير العصور فأصبح المسلمين لا يفصلون بين رؤية السابقين لدينهم و دنياهم و بين واقعهم المعاصر فيذهبون الى اسقاط افوال السلف و افعاله على الواقع الحالي و تذهب المبالغة من طرف كهنة الاسلام الى القول أن فكر السلف تعتبر من أصول الدين لأنهم سبقونا بالايمان فهذ مفاضلة غير عادلة بين الناس في الاسلام حسب فكرهم فلا يجوز انتقادهم على اعتبار أن الشخص منهم كان هو الدين وما يقوله هو الحق الإلهي..حتى انشق المسلمون إلى فرق ليست فقط سياسية ولكن أيضا دينية و بعد ذلك يقولون لك أن الاسلام يقبل الاختلاف و لا يفاضل بين الناس لمجرد اختلاف الزمان و المكان ! , ان المسلمين لا يستوعبون حقيقة أن السلف الذي يتغنون به كانوا يتعاملون مع واقعهم حسب فهمهم و الكثير من الأمور التي كانت في نظرهم أمورا اعتيادية مثل " القتل و امتلاك الجواري الخ .." أصبحت امورا لا تجوز في واقعنا المعاصر, و بالتالي غياب منهج علمي في التفكير عند المسلمين ادى الى تحولهم الى كائنات يجب عليها التقليد و الطاعة و كل همهم ان يقولوا و يعملوا مثل عمل فلان و علاّن, ان الاعتقاد بخيرية الزمان و المكان هو ضرب من الجنون و الوهم فأصبح هذا الكذب العلني مدعاة لتكفير الذين يدعون الى التجديد و مذعاة لتقسيم المجتمعات الى طوائف متناحرة و متقاتلة دون انكار حقيقة انقسام الجماعة الدينية الواحدة مثل السنة الى اربعة مذاهب و الشيعة الى اثني عشر مذهب.
وعندما شاعت ثقافة الوصاية بين المسلمين و عقلية الأبوية بسبب تدخل الشيوخ في كل صغيرة و كبيرة في حياة المسلمين, انطلت كذبة الشيوخ على المسلمين أن العلمانية تدعوا الى الانحلال الخلقي والالحاد واختزلوا العلمانية في المثلية و الجنس رغم أن العلمانية لا تتدخل في تفاصيل الانسان الصغيرة عكس الشيوخ الذين يقولون لك كيف يجب ان تأكل وكيف يجب أن تغتسل و كيف يجب أن تنام و المهم من هذا أن الشيوخ لم يجيبوا على حقيقة أن الموروث الديني الذي ظهر في عصور الانحطاط تسبب في قتل ملايين المسلمين في سوريا والعراق وإيران، أي أنهم ليسوا أفضل حالاً من هتلر وموسوليني وستالين، ولم يُجيبوا كذلك عن النماذج العلمانية التي نجحت في نشر السلام ونُصرة المستضعفين وشيوع العدل. لن يجيبوا على حقيقة أن العلمانية هي التي بفضلها يمتلكون الهواتف الذكية التي يستعملونها, وبفضلها ظهر التلفزيون الذي يستغلونه في نشر افكارهم المتطرفة, وبفضلها يركبون السيارات الباهضة الثمن, انهم يسفهون العلمانية رغم أنهم يغرقون فيها, لكن ماذا قدموا هم اصلا ؟ لقد كانوا منشغلين بتكفير المعتزلة و الاحناف و غيرهم, عندما كان الغرب العلماني يخترع في المحرك البخاري .. اشتغل الشيوخ ب " صحيح البخاري " و احاديث السلف مع العفاريت.

و السبب الذي زاد المشكلة تعقيدا هو خلط المسلمين بين السياسة و الدين فكان يجب على المسلمين الأوائل تجريد دولة الرسول من حالتها الدينية إلى حالتها السياسية واعتبارها مجرد تجربه حكم اسست لأغراض دفاعية و لحماية الدعوة الفتية لا دولة تنطق بالحق الإلهي، فظن المسلمين ان الاسلام عبارة عن دين و دولة رغم أن لا محمد و لا غيره قال هذا الكلام أو اخترع هذا الوهم لأنه منطقيا لا يمكن التوفيق بين الدين و الدولة أصلا كما أن المسلمين لم يعرفوا معنى الدولة و لا نظام الحكم بل حتى الامبراطوريات التي أنشئها المسلمون التي اكتسحت العالم أخذت نظم حكمها من الساسانيين و الفرس فسلف المسلمين لم يهتموا بالسياسة والدولة قدر اهتمامهم بالعلم والأخلاق.. فلو كان الاسلام دينا و دولة ما الذي دعا المسلمين ليأخذوا نظم الحكم من غيرهم ؟ و لماذا لم يكتب المسلمين في الدولة و السياسة بقدر ما كتبوا في الدين ؟ بل لماذا كان اختيار الحاكم في دولة الصحابة بالبيعة بينما في الامبراطورية الاموية انتقال السلطة يتم وراثيا ؟.
ان الدين عبارة عن علاقة بين الانسان و ربه لا وسيط فيها و يتفرع منها علاقة الانسان بنفسه و بالأخرين, أما السياسة هي ممارسات سلوكية و تنظيمية تتطلب من الانسان مهارات تنظيمية ولا تتطلب منه أن يكون حافظا للقرأن او يكون اماما حتى يحسن التنظيم و الادارة, فالفصل بين الدين و الدولة أمر ضروري حين يحدث الخلط بينهما انحياز الدولة الى اتباع دين معين سيؤدي الى ضياع حقوق اتباع الديانات الأخرى و ضياع الوطن لصالح الطائفة, ان فصل الدين عن الدولة يحقق صالح الدين و صالح الدولة , فلا الدين يصبح عامل تفريق بين ابناء الوطن الواحد, و لا الدولة وسيلة لقمع المخالفين في الدين.

إن مخرج المسلمين من مأزقهم الوجودي الذي ربطهم بالتخلف هو العمل على التفكير الاستراتيجي بعيدا عن الانطوائية و التعصب و الانعزالية، والتخلص من ثقل خلفياتهم التاريخية النكدة والنكوصية وترويض نرجسيتهم الثقافية والدينية والاجتماعية وذلك بنشر الفكر العلماني التنويري, ان تخلص المسلمين من الصراعات الدينية بينهم لا يكون الا بالعلمانية لانها تحمي العرب من كل صراع ديني و تحوله الى صراع سلمي فكري..أما المجتمعات وسُبل الحكم جميعها يجب أن تكون خالية من أي صراع ديني بما يضمن تماسكها وقوتها، وهي تضمن بقاء مبدأ..الرأي والرأي الآخر..بالديمقراطية وتُقر مبدأ..الحق الطبيعي.كونه القاعدة التي تقوم عليها حقوق الإنسان، أما شكل الدولة فهو ليس من اهتمامات العلمانية.".ملكية-دستورية-جمهورية-رئاسية-برلمانية-فيدرالية" فتلك مسؤولية المواطنين في اختيار شكل الدولة التي يريدونها لكن الأهم أن يكون المجتمع محمياً من سلطات الكهنة ورجال الدين الذين لم يذكر التاريخ أبداً تدخلهم في شئون الحكم إلا وأفسدوا و تسببوا في حدوث الكوارث.











اخر الافلام

.. المصارف الإسلامية في المغرب.. مصدر جديد لتمويل المشاريع الاق


.. أبو الغيط: هناك أطراف إقليمية توظف الطائفية لتقسيم وحدتنا ال


.. بالفيديو..مدير مركز بحوث الشرطة: الإرهاب آفة تستهدف بلادنا ا




.. ملاحقة قوات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى


.. نيران جيش الفتح والأبعاد الطائفية تخلي الشيعة من كفريا الفوع