الحوار المتمدن - موبايل



في ذكرى ماركس

قاسم علي فنجان

2017 / 3 / 20
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


((أن إصلاح الوعي هو فقط ما يلي: أن نقود العالم إلى حيث يصبح سيد وعيه, أن نوقظه من حلم هو نفسه يغذّيه, أن نشرح له أعماله ذاتها)) كارل ماركس.
أن اكتشاف ماركس ومنظومته الفكرية, والوظيفة الاجتماعية التي تجلت بها هذه المنظومة, هو اكتشاف مصير الانسان الذي يعيش في هذا العصر الرأسمالي, فهذه المنظومة الفكرية قد اصطدمت رؤيتها مع حركة نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي, وكان نتيجة هذا التصادم بين المنظومة والنظام, انه لفت انتباه العالم والقوى المسيطرة فيه, إلى خطورة هذه الرؤية, فبدأت هذه القوى تعي أن هذه المنظومة التي انجزها ماركس هي منظومة مناضلة, داخلة في صراع, تبتغي التغيير, وتستند على قوى التغيير الكبرى -البروليتاريا- وأيضا فهي تمتلك الشمولية والدقة والوضوح في فهم النظام الرأسمالي, وتعتمد على أفق أنساني رحب وواسع, يجعلها في مقدمة الافكار التصادمية مع واقع طبقي مقيت, وهي تدعو الممارسة إلى الانسجام والالتحام معها, حتى تفي شروط هذا التصادم.
لقد ظل الخط العام لتاريخ الفكر يتصارع داخل ذاته, منغلقا على نفسه, يسير بشكل بطيء, لم يكن يمتلك الجرأة للخروج على الواقع, ربما لأنه كان متسقا مع الواقع الذي يعيش فيه, أو كان خائفا منه, أو لم تكتمل بعد الشروط الاجتماعية والاقتصادية لخروجه. قد تكون كل هذه الاحتمالات موجودة, وهي التي دعت إلى انحسار الفكر, وجعلته عادما لجديته في أدامة زخمه في الصراع, كان يحارب لكي يخرج من سجنه من بوتقته التي حبسه بها الواقع, ومع كل هذا التقييد والاغلال التي صفد بها, فقد كان يثور بين فترة وأخرى, ويلقي بحممه خارجا, بشكل خجول مرة, ومتردد في ثانية, وخائف في أخرى, لم يعلن الاستسلام, هزئ وسخر, شرح وفسر, نقض ونقد, ذم ورفض, حطم وبنى, كان يمارس ضغوطه على القديم والرث من الافكار, وقد أحدث هزات على الصعيد الاجتماعي, هذه الحمم كانت تحارب وتدفن في كل مرة, فالقوى القائمة, المسيطرة والمهيمنة على المجتمع والواقع, هي دائما في يقظة وحذر وانتباه على مصالحها, وتجيش كل قواها لصد وطمس هذه الافكار, لكن إلى متى ستبقى صامدة قلاعهم, فستنضج الشروط الاجتماعية والاقتصادية والفكرية, وسيتوج هذا النضج بانفجار بركان الثورة الفرنسية 1789, ذلك الحدث التاريخي المهم, البركان الذي ارسل حممه إلى كل اوروبا, والتي لم تستطع كل القوى ان توقف تغيراتها, فلقد صاغت اهدافها اوضاعاً جديدة, وكان صداها مدّويا وعنيفا, ونجحت في ايجاد معادلة اخرى, ما كان في السابق صراع افكار مع نفسها أو مع غيرها, يصير اليوم صراع واقع قوى تحمل افكار عصرها, يحدوها الطموح العارم لبسط سيطرتها على المجتمع, انها تضغط بقوة لأنها فتية جدا, حاملو الفكر والفلسفة رحبوا بهذا التبدل, فقد كانت الاكثر مهابة وجلالة, وكانت الصورة الفعلية للعصر, ولأنها عبرت عن ما ارادوا "الحرية, المساواة, الاخاء", فقد بدأوا بمناقشتها وتفسيرها, ودراستها وتأويلها, لكنهم بمرور الوقت ادركوا, ان هذا النظام الجديد والذي كانوا هم اكثر المدافعين عنه والدافعين باتجاهه, لم يلبِ الطموح البشري في تكوين عدالة ومساواة اجتماعية, وقفوا حائرين ومتسائلين, عن الكيفية التي يستطيع بها البشر, ايجاد نظام اكثر مساواتية واكثر عدالة, حسبوا انهم قد وصلوا مع هذا التغيير الى قمة الانظمة الاجتماعية العادلة. هل هو مأزق أخر؟.
بدأ حاملو الفكر هذه المرة بتحليل ما جرى, راسمين صورة للوقائع التي حدثت, فقد كان جيل المفكرين الذي عاش تغيير الثورة الفرنسية قد تعقب تطور الاحداث ومساراتها, وقد عرفوا ان المجتمع انجز انتقاله من نمط اجتماعي واقتصادي إلى آخر, من صورة قبيحة وقاتمة للحياة "الاقطاعية" إلى - والتي يجب أن تكون- صورة اكثر اشراقا "البورجوازية", لكن خيبات الامل المرُة موجودة على مر التاريخ, وهنا بدأوا يعون أنه يجب أن يكون هناك تغيير آخر, لكنهم لم يتوصلوا إلى شيء جدي, وساد غياب شبه تام, لان فلسفاتهم عجزت عن ادراك أن هناك قوى جديدة تنمو في احشاء هذا التغيير, وان هناك قادماً آت لا محالة, يصارع ويتصارع للخروج لأثبات وجوده, فقادهم قصورهم هذا إلى اغتراب ذاتي, جعلهم في عزلة, مع أن الفلاسفة كما يقول جورج لوكاش ((دوما مرتبطون ارتباطا وثيقا عن وعي أو بدونه, اراديا أو لا, بالمجتمع الذي يعيشون فيه)), هذا الارتباط هو الذي يجعلهم على تماس مباشر بالأحداث, لكن ضيق الفكر في بعض الاحيان يجعلهم لا يستطيعون أن يقيسوا مجمل النمو الاجتماعي والاقتصادي لمجتمعاتهم, ما يقودهم إلى سلبية في التفكير, وابتذال وافقار وتسطيح لصورة الواقع الاجتماعي.
لكن إذا كانت الثورة الفرنسية, البركان الساحق الذي جرفت حممه كل مواقع الثبات والسكون, الذي كان النظام الاقطاعي يريد الحفاظ عليها, فأن كارل ماركس كان الزلزال الذي شق الواقع الاجتماعي إلى نصفين, واعطى للعالم رؤية جديدة وجدية, تنبئ بتغيير اكبر واعظم من أي تغيير جرى على طول التاريخ البشري, لقد ظهر على مسرح الحياة, في وقت وصلت فيه القوى الجديدة والناشطة إلى النضج الثوري, فكانت بحاجة إلى من يعبّر عن تطلعاتها, لذا فقد كان وجوده وحضوره ضرورة اجتماعية وتاريخية, أي أنه إذا لم يظهر ماركس, فأن آخر يجب أن يوجد, ويقول ما قاله ماركس.
وهنا يحظر قول الشاعر الالماني "هولدرلن" ((أن اللغة أخطر النعم)), وهي حقا كذلك فعندما نقترب في بعض الاحيان من مواضيع معينة أو نكون بحاجة إلى الكتابة عن أشخاص محددين, فحتما ستواجهنا مشكلة كبيرة, في الكيفية التي سنتحدث بها, ونتساءل مع انفسنا, ترى أية لغة سنستخدم في التعبير عن هذه الشخصية, لأنها تركت اثرا عظيماً في المجتمع والتاريخ, هل سنستخدم لغة شارحة أم وصفية أو تفسيرية أو تأويلية أو خطابية حماسية, أم سنلجأ إلى لغة فلسفية أو اجتماعية أو نفسية الخ.. فالمهمة ليست سهلة, و"الكلمة تموت في القلم" كما يقول "غوته", لان الكتابة لا تظهر في بعض الاحيان مدى حماستك وحبك تجاه الاشخاص الذين تنتمي أليهم, او انها تعجز في التعبير بالشكل الذي تبتغيه, والرجل كث اللحية هذا قد كتبت فيه مجلدات, وغاصوا في ادق تفاصيل حياته, وكما يقول عنه احد كتبة سيرة حياته "ايزيك برلين" بأنه "ليس هناك من بين مفكري القرن التاسع عشر من ترك أثرا مباشرا قويا متعمدا في الجنس البشري مثل كارل ماركس", وأخركتب أنه "ما من مؤلف حظي بقراء اكثر منه, وما من ثوري بعث من الآمال اكثر, ولم يثر أي صاحب مذهب من الشروح والتعليقات أكثر منه" جاك أتالي. فلا أعتقد اننا سنضيف شيئا جديدا, لكن فقط مساهمة في ذكراه, "فمن نحن بغير صاحب اللحية الكثة"؟ كما يقول التوسير, ولأن شبحه يطوف كلما حلت أزمة اقتصادية "وهن كثر", وهذا الشبح المخيف لكل القوى القائمة في العالم الرأسمالي, يحتاج منا تذكر افكاره واراءه وما آلت أليه بخصوص الدين والمجتمع والاقتصاد والفلسفة, مع اننا متأكدون بأن افكاره لازالت تثير الجدل على كل المستويات, وهي قوة حية, وحياة افكاره باقية ببقاء النظام الذي شرحه هو وشرّحه في جميع مؤلفاته وكتاباته, وتذكره في هذا الزمن الذي آلت فيه الحكومات والدول الى قوى يمينية متطرفة, مرعبة ومتوحشة, تشحذ اسلحتها في مواجهة المجتمع, اسلحة فتاكة من دين وقومية وعشائرية وعنصرية وطائفية, نتذكره في زمن يشهد اكبر عمليات النزوح والتهجير والموت جوعا, زمن عذابات وضياع للإنسانية, زمن من يملك ثروات الارض يعدون على الاصابع, والذين يموتون جوعا في افريقيا يعدون بالألاف, زمن يشتري الاثرياء جُزراً بأكملها لمتعتهم الشخصية, مقابل من ضاقت عليهم حتى "أوطانهم", زمن البؤس والشقاء التام للبشرية, تذكره في هذا الزمن لهو شيء جميل, فهو متنفس لحالة الاختناق التي نمر بها, فلنتذكر معا ماركس, ونبدأ ببطاقة شخصية مقتضبه.

من هو ماركس؟
((البعض جعلوا منه مغامرا سياسيا, وانتهازيا ماليا, وطاغية منزليا, وطفيليا اجتماعيا, ورأى فيه آخرون نبيا وكائنا من عالم آخر, وأول كبار الاقتصاديين, وأبا العلوم الاجتماعية والتاريخ الجديد, والأنثروبولوجيا وحتى التحليل النفسي)) جاك أتالي.
ولد كارل ماركس في الخامس من ايار- مايو 1818, الابن البكر لهنريك وهنرييتا ماركس, في مدينة ترير الرينانية, هنريك الاب كان أسمه هيرشل, المحامي ورئيس أسرة يهودية متوسطة الحال ومحترمة, اعتنق المسيحية "البروتستانتية" وتعمد بإسم هنريك, قبل مجيء ابنه كارل. الاب هذا كان شخصية مثقفة, فقد كان من اتباع "ليبنتز" و"فولتير" و"لسنج" و"كانط", وكان يحفظ الكثير من الكلمات لفولتير وروسو. وكان يتمتع بمزاج رقيق حي, كما تظهر ذلك الرسائل المتبادلة مع ابنه. أسس هنريك ماركس مع مجموعة من الأصدقاء حلقة يجتمع فيها بعض البورجوازيين المتنورين في المدينة, ويرتبط بهذه الحلقة البارون لودفيغ فون ويستفالن- جار اسرة ماركس وأبو جيني زوجة ماركس المستقبلية-, في هذه الحلقة يتحدثون في الفلسفة والادب, ويتناقشون في اعمال سان سيمون, والذي كان معجبا به هنريك وخاصة بنظريته عن "الطبقات الاجتماعية".لم يكن الاب هنريك متدينا, وكانت عقيدته عن الله ملتبسة وغير واضحة, وقد ترك هذا أثرا شديدا وقويا في حياة الابن كارل.
أما هنرييتا برسبورغ الام فكانت من عائلة ذات أصول مجرية استقرت في هولندا, لم تكن متعلمة رغم أنها كانت امرأة قوية, تصرف جل وقتها في البيت لرعاية اسرتها, وكانت تخاف من راديكالية ابنها.
سكنت عائلة ماركس مدينة ترير منذ القرن السابع عشر, ولم تنتقل منها ابدا, وترير مدينة صغيرة تقع على ضفاف الراين, وهي الاقدم في المانيا, أسسها الامبراطور الروماني اوغست سنة 16 ق.م, كانت ملتقى الثقافتين الالمانية والفرنسية, وبقيت موضع تنازع بين الدولتين. في بدايات القرن التاسع عشر, اكدت فرنسا سلطتها على المدينة, رحب اليهود القاطنون بها في تلك الفترة بذلك والذي كان يقدر عددهم بنحو ثلاث مئة, فقد كانوا يرون في نابليون "المسيح المنتظر", والمخلّص من القوانين البروسية التي تمنع اليهود من شغل بعض المناصب والمهن. وترير هي مدينه كاثوليكية تماما, الى الحد الذي يتكلم عنها الشاعر الالماني الكبير "غوته", والذي كان يقيم فيها آنذاك على هذا النحو: "داخل اسوارها تزدحم- ولا تختنق- بالكنائس والخلوات ودور الرهبانيات أو جماعات الاديرة, وخارجها تحبس- ولا تحاصر- من قبل مصليات ووقفيات دينية واديرة". في هذه المدينة يولد كارل ماركس, المدينة التي تغذت من المذاهب الثورية الفرنسية, اثناء سيطرة الفرنسيين عليها, درس ماركس في ثانوية ترير, وقدم بحث تخرجه من الثانوية بعنوان [تأملات شاب لدى اختياره مهنة] وهو في السابعة عشرة من العمر, وحصل على امتياز من الثانوية. وفي العام1836 وهو في الثامنة عشرة من عمره تقدم ماركس إلى جيني فون ويستفالن, الجميلة والرقيقة, والتي كانت تلقب "بملكة الرقص" وأبنة البارون, التي كانت تكبره بأربع سنوات ليخطبها سراً, كانت عائلة ويستفالن تسكن في نفس الشارع الذي تسكن فيه عائلة ماركس, وقد اقاما علاقات طيبة فيما بينهم, رغم الفوارق الطبقية بين العائلتين, وكان البارون ويستفالن هذا موظفا حكوميا بروسيا مرموقا, وكان من ذلك الجيل الذي سيطرت عليه شخصيات غوته وشيللر وهولدرلن, وكان شديد الاعجاب بقدرة الشاب كارل الخارقة, وقد اعاره الكتب وحدثه عن سرفانتس وشكسبير, لقد كان ويستفالن شديد التحررية كما كان يصفه ماركس الاب, وكان عقلانيا كانطيا بشكل صريح, وترك تأثيرا رائعاً في نفسية الشاب كارل.
التحق ماركس بكلية الحقوق بجامعة بون, وكان طالبا مرحا, وقد أدى دورا نشيطا في جمعيات ومنتديات الجامعة, التي تركها بعد أن انهى سنة دراسية واحدة فيها, لينتقل بعدها إلى جامعة برلين, فقد كان أبوه يأمل أن يكون أبنه مثله محاميا أو استاذا للقانون. حظر ماركس المحاضرات التي كان يلقيها "سافيني" في فقه القانون, الذي كان مؤسس المدرسة التاريخية في الفقه, وعدواً لدود للتحررية, فقد كان ابرز المدافعين عن الحكم البروسي.
كانت برلين مدينة كبيرة وحديثة وجاده, وكانت جامعتها تخضع كباقي جامعات المانيا للفلسفة الهيجيلية, أو لنقل أنها المركز الرئيسي لهذه الفلسفة, وفيها يتوقف ماركس, فقد بدأ يستكشف بيئته الجديدة, ويجتهد ماركس كثيرا, فإلى جانب دروس القانون والادب اللاتيني, يكتشف ماركس الفلسفة, وأي كشف, لأنها ستكون ميدانه, ومعها يشعر بأنه في افضل احواله, ولن يتركها ابدا. انكب ماركس على دراسة اعمال هيجل دراسة مستفيضة, وأنظم إلى عضوية "نادي الخريجين", وهم جماعة من المفكرين الاحرار, كان هذا النادي يضم الاخوين برونو باور وادجار باور, بالإضافة إلى ماكس شتيرنر, والذي ينتقدهم ماركس فيما بعد واصفا اياهم بأنهم (كباعة متجولين, يتاجرون في ادوات ميتافيزيقية من صنف واطئ, ويعتقدون أن مجرد وجود "نخبة" متأنقة ناقدة, يكفي لتحرير الانسانية).
قرأ ماركس شيللر وغوته وليسنغ كما توضح مراسلاته مع أبيه, ويبدا بترجمة الـ"جيرماني" لتاقيطس, والـ"تريستا" لاوفيد, ويتعلم الانكليزية والايطالية لوحده خلال دراسته في برلين, في الجامعة يطلق عليه لقب "المغربي" وقد احب هذا اللقب, وهو راجع كما يقول كتّاب سيرته, إلى بشرته السمراء. وبعد سنتين من دراسة الحقوق يتخلى ماركس عنها لصالح الفلسفة, ويكتب لأبيه رسالة مطولة ومهمة يقول فيها ((هناك لحظات في حياة الانسان كمراكز حدودية, تشير إلى نهاية مرحلة وتبين بوضوح شديد اتجاها جديداً)).
في أيار1838 يموت هنريك ماركس, بعد تعرضه لمرض السل, لقد كان الاب موضع تقدير واحترام كبيرين من الابن, لأنه كان احد المساهمين الرئيسين في تنمية عقله, وبوفاته ينطلق ماركس في دراسة الفلسفة, ويشرع في كتابة اطروحته للدكتوراه معنونها "اختلاف فلسفة الطبيعة لدى ديموقريطس وابيقور", والتي يستهلها بكلمة للفيلسوف ابيقور "ليس الكافر من احتقر الهة الجمهور, انما الكافر من تبنى تصور الجمهور عن الالهة", ويقدمها إلى جامعة يينا, وينال عنها الامتياز, وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
في عام 1841 ينشر لودفيغ فويرباخ كتابه "جوهر المسيحية" ويقرأه ماركس, ويترك اثرا بالغا على سير تفكيره, حتى أنه قال عنه "وليس ثمة طريق آخر لك إلى الحقيقة والحرية غير أن تمشي عبر قناة النار, فويرباخ هو مُطّهر هذا الزمان", ويشير انجلز -رفيق دربه الحميم- إلى انهما "ماركس - انجلز" قد تحررا بسبب فويرباخ من المنظومة الهيجيلية وقال "لقد كسرت التعويذة, فجرت المنظومة والقي بها جانبا... على المرء أن يختبر بذاته الأثر التحرري لهذا الكتاب من أجل أن يحصل على فكرة عنه. كان الحماس عاما لهذا الكتاب, فأصبحنا جميعا في وقت واحد فويرباخيين". مع ان ماركس يصفي الحساب مع المنظور الفويرباخي في "الاطروحات", التي تعتبر بحق "الوثيقة الاولى التي تطرح فيها البذرة الرائعة للمنظور للعالم الجديد".
عمل ماركس في الصحف, فترأس "الصحيفة الرينانية", وهي المنبر الذي استخدمه للتشهير بالرجعية في المانيا, وسرعان ما ضاقت الحكومة البروسية ذرعا بمقالات الصحيفة, فأصدرت قرارا بإغلاقها, ما أضطر ماركس إلى مغادرة المانيا متوجها إلى باريس, التي اقام فيها علاقات مع قيادات غالبية الجمعيات الفرنسية, دون أن ينتسب إلى أي منها, تعرف على الاشتراكيين الطوباويين, ايتيان كابه, وبيير لوروا, ولويس بلان, وكذلك تعرف على بيير جوزيف برودون. واقام علاقة صداقة مع الشاعر الالماني هانريش هاينه, واجتمع في باريس مع رجال سياسة من روسيا, امثال ميخائيل باكونين و فاسيلي بوتكين وغيرهم.
عاش ماركس مطاردا من قبل أجهزة البوليس, لأنه تبنى وجهة نظر ثورية للتغيير, لم يكن يريد أن يبقى صحفيا في جريدة أو أستاذا في جامعة, يملى عليه ما يقول وما يكتب, كان التغيير سمة رئيسية في فكره وسلوكه, فلا الفقر أو العوز أو المرض منعوه من السير قدما نحو ما رسم لنفسه من مصير, لقد عاش ليبقى مخلدا, ومتذكرا ما بقي النظام الرأسمالي, كتب إلى ابيه رسالة يقول فيها "لدى كل انسان شعور بأن من واجبه تشييد تذكار لما عاشه".
ومع كل هذه الحياة الصاخبة, وهذا الهيجان الثوري, فقد ظلت علاقته بعائلته ودودة وسهلة, وعلم هذه العائلة قراءة مسرحيات شكسبير بصوت مرتفع, لقد كان معجبا جدا بشكسبير حتى أن جاك دريدا يكتب كتابا عن شبح شكسبير في مسرحية هاملت, وشبح ماركس في ديباجة "البيان الشيوعي", ومدى تأثره بشكسبير. "اطياف ماركس".
في عام 1881 وبعد رحلة شاقة مع مرض السرطان, تموت شريكة حياته جيني ويستفالن, تلك الانسانة التي كانت الحبيبة المقربة إلى قلبه جداً, والمضحية الأولى في سيرة حياة هذا الرجل, الذي عاش بعدها سنتين اخريين فقط, ففي العام 1882 يمرض ماركس على أثر شتاء شديد القسوة, ولم يجدِ شيئا سفره إلى الجزائر لمعالجة الالتهاب الرئوي, بناءً على نصيحة من طبيبه, وفي 14- اذار-مارس من العام1883 يغادر ماركس السرير ويدخل مكتبه ويجلس على الاريكة, ويغفو بهدوء إلى الابد, رقد ماركس في كرسيه رقادا اخيرا هادئا, بعد حياة عاصفة لم تعرف الهدوء, وبعد ثلاثة ايام يدفن مع زوجته في مقبرة "الهايغات" في لندن, ويلقي صديقه المخلص والحميم فردريك انجلز كلمات بحقه قال فيها "كانت رسالته في الحياة ان يسهم بطريقة أو بأخرى في قلب المجتمع الرأسمالي.... وأن يسهم في تحرير بروليتاريا العصر الحاضر, الذي كان أول من جعلها تعي مركزها وحاجاتها, وتدرك انها يمكن أن تحصل على حريتها....لقد مات محبوبا ومحترما, مبكيا عليه من ملايين العمال الثوريين من زملائه.... أن اسمه وعمله سيخلدان على مر العصور".







اخر الافلام

.. حلم رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي


.. لقاء مهند دليقان على قناة روسيا اليوم 23/09/2017


.. كلمة صالح السعيدي من الحلقة النقاشية حول الصوت الواحد




.. -أبو الفقراء-... في سورية


.. كلمة د.حمد الأنصاري من الحلقة النقاشية حول الصوت الواحد