الحوار المتمدن - موبايل



ألا يحق للأغنياء الحفاظ على ثرواتهم؟

مايكل إيه. مكارثي

2017 / 3 / 20
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية



دائمًا ما يُستحضَر ذكر الفنانين، وأثرياء المجال التقنية، والرياضين المبهرين، في النقاشات المتعلقة بالضرائب. ألا يعجبك الـ «آيبود»؟ ماذا عن «هاري بوتر»؟ يجادل الاقتصاديون النيوليبراليون أنّ أمثال ستيف جوبز، وجي. كي. رولينق، وليبرون جيمس يجب أن يكسبوا أموالًا أكثر من غيرهم.

فعلى كلِّ حال، نحن، المستهلكون، وحدنا الذين نشتري منتجاتهم. إنّما ارتفاع أجرِهم يخلق الحافز اللازم للعمل الجاد والإبداع لا أكثر، الأمر الذي يُفِيد حتى الكسالى مِنّا.

ومهما بدى الأمرُ بديهيًا، فهو غير متماسك. فالمدافعون عن الضرائب المنخفضة على الأغنياء اختاروا عمدًا أمثلة من قطاعَي التقنية والترفيه، مُلمِّحين إلى أنّ هؤلاء النُخب مبتكِرون عظماء خِيْطوا من قِماشٍ مختلف.

لكن عند النظر إلى قائمة المدراء التنفيذيين الأعلى أجرًا في الولايات المتحدة يتضح لنا غير ذلك. فأعلاهم أجرًا، وقد جنى ١٥٠ مليون دولار في ٢٠١٤، هو ديفد زاسلاف، المدير التنفيذي لشركة ديسكفري للاتصالات. إسهامه العظيم في خدمة الإنسانية؟ المساعدة في إذاعة برنامج «هير كمز هوني بو بو» (Here Comes Honey Boo Boo).

يعتقد أغلب الناس أنه من المفترض على الأغنياء أن يدفعوا ضرائبَ أكثر. فوفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب عامَ ٢٠١٥، يعتقد ٦٢ بالمئة من الناس أنّ أصحاب الدخل المرتفع يدفعون ضرائب «أقلّ من اللازم»، بينما ٢٥ بالمئة فقط يعتقدون أنهم يدفعون «حصة عادلة». ويعتقد ٦٩ بالمئة أنّ الضرائب المفروضة على الشركات ليست كافية، مقابلَ ١٦ بالمئة مُتّفِقين مع معدلات الضرائب الحالية.

لكن التبرير الاشتراكي للضرائب مبنيٌ على نظرة حول كيفية تكوّن الثروة الرأسمالية فعليًا، وهي نظرة قلما تظهر في استطلاعات الرأي. لاستكشاف ذلك، نحتاج أولًا لفهم معنى الضرائب وكيف ينظر لها غير الاشتراكيين.

تعمل السياسات الضريبية في المجتمع الرأسمالي على شيئين: أولًا، تحديد حصة من مجمل فطيرة الاقتصاد ستُدار بواسطة العامة على صورة دخلٍ حكومي؛ ومقدار ما سيُترك منها للجهات الخاصة، كالأفراد والشركات.

أما الشيء الثاني ينص على كيفية تقسيم هذه الحصة العامة بين الحاجات والرغبات المُتنافِسة للأفراد، والمنظمات، والشركات. فالشيء الأول يتمحور حول التحكم بالمصادر، بينما الثاني حول مسألة تخصيصيها.

فحتى عندما تأخذ الحكومة إيراداتٍ ضريبية عالية، لا يعني ذلك أنها ستوظِّفها لغاياتٍ تقدّمية. فقط أنظر إلى الفوائد الضخمة المتدفقة إلى الشركات من خلال الإعانات أو برامج البحوث والتطوير المدعومة من الدولة، وسيسهُل عليك رؤية كيف أن الحكومات باستطاعتها أن تعيد توزيع الدخل لأعلى أو لأسفل، أو حتى أفقيًا.

ففي الاقتصاد الرأسمالي، حيث الموارد الإنتاجية مملوكة بصورة خاصة، يدعو الاشتراكيون لضرورة التحكم بنسبة كبيرة من الناتج الاجتماعي وتوزيعه سُفْليًّا بأسلوبٍ ديمقراطي.

مع ذلك، فالنظرة الليبرتارية قائلة إنّ «فرضَ الضرائب سرقة» قد تسربت عميقًا في الفهم الاعتياديّ للملكية، حتى أصبح مؤيّدو فرض ضرائب تصاعدية كثيرًا ما يتقبلون فرضية وجودِ دخلٍ ما قبل الخصم ضريبي يكسبه الناس وينبغي أن يمتلكوه تمامًا.

حتى العقيدة الليبرالية القائلة إنّ على الكل القيام «بحصتهم العادلة» تستند على فرض أنّ العمّالَ ورأسمال، على حدٍّ سواء، يدفعون الضرائب انطلاقًا من التزامٍ مدنيّ بالتخلي عمّا هو لهم، لصالح تحسين المجتمع.

بناءً على ذات الأسس، يجادل الليبرتاريّون أنّ الدخل قبل الخصم الضريبي حصيلةٌ مباشرة للجهد الخاص بالشخص أو الشركة، ويجب أن يكون لهم حقُّ توظيفه كيفما يشاؤون. هنا نرى أنه، حتى لو قررت الحكومة، ديموقراطيًا، فرض ضريبة بمعدل أعلى على الأغنياء، تظلُّ الضرائب، في جوهرها، ظُلمًا. ففي الصياغة المتطرفة للفيلسوف الليبرتاري روبرت نوزيك: «إنّ فرض ضرائب على إيرادات العمل، يعادِل العملَ القسري».

هذه النقطة انتقدها التقدُّميّون، على نحوٍ صحيح. لكن يجب على الاشتراكيين عدم الاستناد على المعيار الليبرالي الشائع فهم الضرائب، القائل: إنّ قدرة الشخص أو الشركة على دفع يجب أن تحدد مقدار ما يجب دفعه. هذه الذريعة مألوفة ومنتشرة، حتى بين اليساريين، إذ يسمعونها ضمن صدى القول المأثور «من كلٍ حسب طاقته، ولكلٍ حسب حاجته».

هذا المنظور يوحي بأحد أمرين، وكلاهما غير دقيق.

أولًا: أن الضرائب، بالنسبة للملزمين بها، شرٌ لا بد منه. حتى لو كان دخل الشخص أو الشركة قبل الخصم الضريبي نِتاجُ عملهم الخاص، إنّ فرض ضريبة على جزءٍ من هذا الدخل، أمرٌ يخدم المصلحة عامة، بدلًا من سيطرة القطاع الخاص عليها. أو بدلًا من ذلك كله، إنّ فرض ضرائب على الأغنياء لهو إنصافٌ لا غير.

كلّ هذه الآراء جعلتنا عالقين في دَغَل الليبرتارية مرةً أخرى: أما تزال السياسة الضريبية تعتدي على الحقوق الفردية؟ أيجب أن يتغلب الإنصاف على الحقوق الفردية؟ أليست الحجة الاشتراكية القائلة بفرض ضرائب تصاعدية هي الأخرى تنتهك الحقوق الفردية؟ لماذا يكره الاشتراكيون الحرية إلى هذا الحد؟

يجب أن ترفض النظرة الاشتراكية لإعادة التوزيع داخل المجتمع الرأسمالي فَرَضًا مهمًّا يلعب دورًا في كل النقاشات حول السياسة الضريبية: وهي فكرة أنّ الدخل ما قبل الخصم الضريبي هو عبارة عن شيء جُنيَ عن طريق جهدٍ فردي ويُمتَلك بصورة خاصة قبل أن تتدخل الدولة وتقتطع جزءًا منه. بمجرد نخرج من هذا الوهم الليبرتاري، فمن السهل أن نرى أنّ دخل الفرد والشركات لم يصبح ممكنًا إلا بواسطة نشاطات الدولة المُمَوَّلة ضريبيًا.

الاقتصاد الرأسمالي ليس ذاتي التنظيم. أولُ شرط مسبق لكي تكسب الشركات أرباحًا هو حقوق الملكية المفروضة من الدولة، والتي تعطي البعض الحقَّ في السيطرة على مصادر الموارد الإنتاجية والتحكم بها، وتستثني بعضًا آخرين.

ثانيًا، يجب على الحكومات إدارة أسواق العمل للتأكد من توفر ما تحتاجه الشركات من مهارات. تقوم الدول بذلك عن طريق سنِّ سياسات الهجرة والتعليم. كلُّ الدول الرأسمالية، أيضًا، تحاول تخفيفَ مخاطر سوق العمل، سواءً أكانت مخاطرَ شح العمالة للشركات، أو بطالة العمال.

ثالثًا، غالبية الرأسماليين يريدون من الدول فرضَ قوانين منع الاحتكار، وقوانين العقود، والجريمة، والملكية، وقوانين المسؤولية التقصيرية، لجعل تفاعلات السوق أكثر ثباتًا وقابليةً للتنبؤ. وأخيرًا، يحتاج الاقتصاد الرأسمالي إلى بنية تحتية شَغَّالة. حتى أغلب الليبرتاريين جدالوا أنّ تحكم الدولة على المعروض النقدي وأسعار الفائدة أمرٌ ضروري لتحفيز النمو أو كبحه حسب حاجة الاقتصاد.

تُنفّذ كل هذه الأمور بالضرائب. باختصار، إن مفهوم الدخل أو الأرباح ما قبل الضريبية هو، بعينه، حِيلةٌ حسّابية. فأرباح الشركات أو دخل شخصٍ ما، في المقام الأول، لهو، جزئيًا، نتيجةُ جمع الحكومات للضرائب وخلقٍ نشط لأوضاع تهيئ لكسب المال. في هذا الإطار، «افرضوا الضرائب على الأغنياء» ليست مجرد صيحةً حاقدة أو مطالبة بالإنصاف.

بُنيَت الدعوى الاشتراكية لفرض الضرائب وإعادة توزيعٍ تقدّمي للدخل مِن ثلاثة عوامل أساسية متعلقة بكيفية سَيْر الرأسمالية. أولًا، وكما استوضحنا للتو، إنَّ الدخلَ الشخصي وربح الشركات ليسا، ببساطة، حصيلة العمل الفردي والمنافسة التجارية، بل هما جزءٌ من منتوج اجتماعي أوسع.

إنَّ إجمالي الدخل المُنتَج في مجتمعٍ رأسمالي لهو حصيلةُ جهدٍ اجتماعيّ جَمْعِي، أصبح ممكنًا بفضل هيكليّةٍ اجتماعية وقانونية محددة، وَسُيِّرَ من خلال مؤسساتٍ مموّلةٍ بمالٍ عامٍّ وخاص، ومُتحكّمٍ بها على نحوٍ خاص.

ثانيا، إنّ التفاوتَ الطبقي، الناتج عن خلق هذا المنتوج الاجتماعي، تفاوتٌ علائقي. يمكن للرأسماليين مراكمة ثروةٍ طائلة في مخازنهم فقط لأنّ العمال لا يمكنهم ذلك. بإمكان الشركات، شريطةَ أن تظل كافة الظروف المحيطة كما هي، زيادة أرباحها في تناسب عكسي مع التكاليف التي تُنفقها على العمالة.

مرة أخرى، إنّ شرط هذه العلاقة شرطٌ سياسيّ ويُحافَظ عليه من خلال الإيرادات الضريبية. تتكل الشركات على الدول في إنفاذ حقوق الملكية والعقود، والتي بدورها تعمل على إبقاء ملكية موارد الإنتاج في المجتمع، أي وسائل الإنتاج الخاصة به، في أيدٍ قليلة جدًا.

ونتيجة لذلك في ظل الرأسمالية، أغلب الناس يعملون لأجل الأخرين، ولا يوظِّفون أناسًا يعملون لديهم. والرأسماليوّن لا يُوظِّفون العمال إلا حين يعتقدون أنّ جهود هؤلاء العمّال ستدرّ أرباحًا للشركة تزيد على ما سيأخذون على صورة أجور، والعمل بغير ذلك لهو انتحارٌ تجاري.

قد يوفّر العمل الجاد، والحيلة والدهاء، والحظ أيضًا، بالتأكيد، لبعض العُمال القدرة ليصبحوا رأسماليين. ولكن البنية الأساسية للرأسمالية، حيث يمتلك عدد صغير فقط معظمَ الأصول الإنتاجية، تضمن أنّ الغالبية العظمى من الناس سيقضون حياتهم، في أحسن الأحوال، في كسب الأجور، دونَ أرباح. توفر الضرائب علاجًا جزئيًا لذلك التفاوت البنيوي المتأصِّل في المجتمع الرأسمالي.

ثالثًا، تمثِّل إعادة التوزيع الدخل عبر الضرائب أحدَ وسائل توسيع نطاق الحرية الفردية، وليس الحد منها كما يزعم الليبرتاريّون. فالحرية، وفقا للمُنظّر والفيلسوف الليبرالي أشعيا برلين، لها تركيبةٌ مزدوجة. في الجانب الأول، هناك الحرية السلبية، التي تكون بغياب القسر، أو «التحرر مِن»، وهي العلامة المُميِّزة لأغلب التصورات الشائعة للحرية في الولايات المتحدة.

فيما يتعلق بالقسر، تموّل الضرائب مجموعة متنوعة من الأحكام والتدابير العامة التي توفّر للمواطنين بعضًا مِنَ التحرر مِن طغيان الشركات الخاص. فهي تشكل كامل أُسس أجهزة الدولة في النظام الرأسمالي، وهي القوة الوحيدة التي تتفوق، في قُوَّتِها، على الطبقة الرأسمالية ككل.

دُونَ قوانين تحظر العبودية، تكتبها مجالس تشريعية وتفرضها محاكم مستمدة من الخزائن العامة، سيُفرَض على الناس، بتهديد العنف أو التجويع، العمل دون أيِّ مقابل. ودون ضوابط تنظيمية، مثل تلك التي تشرط أدنى حقوق السلامة في مقرّات العمل، أو تلك التي تجبر الإدارات على الانخراط في التفاوض الجماعي، حينها سيفقد العمال ما لديهم من نفوذٍ ضئيل في كيفية تنظيم عملهم.

ولكن الحرية الإيجابية، في سياق السياسة الضريبية، مهمة هي الأخرى. الحرية الإيجابية هي «القدرة على»: القدرة على القيام بالأمور، وإمكانية تحديد الأهداف والقيام بالجهد اللازم لتحقيقها. إنّ حريّةً كهذه تتطلب مواردًا.

في المجتمعات الرأسمالية المتصفة بمستوياتٍ منخفضة من إعادة توزيع الدخل، الحرية الإيجابية عبارةٌ عن لعبة صفرية، يتمتع فيها قِلّة بقدرٍ كبير من هذه القدرات على حساب كثيرٍ آخرين. السياساتُ الضريبية التي تقسّم المنتوج الاجتماعي بطريقةٍ تسمح للبعض أن يتمتعوا بحياة فارهة، في حين يعيش آخرون بشق الأنفس، لا يمكن القول أنها تعزّز الحرية.

فنظام التعليم العالي، على سبيل المثال، والذي يقدم للمواطنين فرصة تطوير معرفتهم ومهاراتهم في السعي لتحقيق طموحاتهم، الجماعية منها والفردية، حجرُ أساسٍ للحرية الإيجابية، ولا يمكن استدامته إلا عبر فرض الضرائب.

في مجتمعٍ اشتراكيٍّ حق، سيوفّر مزيجٌ من المساواة السياسية والاقتصادية للجميع درجةً أكبر بكثير من الحريّة، بنوعها السلبي والإيجابي، مما يتمتع به الناس في ظل الرأسمالية. حتى يتحقق ذلك العالم، إنّ إعادة التوزيع التدريجي للدخل عبر فرض الضرائب لهي وسيلةٌ لتدارك التفاوتات الهيكلية، وأيضًا طريقةٌ رئيسية لتمديد وتوسيع الحرية لأكبر قدرٍ ممكن من الناس.

لكننا ما زلنا نتجه للطريق الخطأ. فعلى مدار العقود القليلة الماضية، تدفّقت المكاسب المالية الناجمة عن تنامي إنتاجية العمل، أساسيًا، إلى الشرائح الغنية، في حين أن معدلات الضريبة على أصحاب الدخول الأعلى قد خُفِّضَت بشكل كبير وتقترب الآن لمستويات ما قبل «الصفقة الجديدة».*

حتى زيادة متواضعة في إجمالي العبء الضريبي على أغنى 1 بالمئة إلى 45 بالمئة، أيّ أقل بكثير من مستوياته في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ستجلب 275 مليار دولار إضافية من إيرادات. وهذا أكثر بكثير من الـ 47 مليار دولار اللازمة لجعل التعليم العام في الجامعات والكليات [الأمريكية] مجانيًا.

مثل هذه الزيادة يمكن أن تقطع شوطًا طويلًا أيضًا في تمويل نظام رعاية صحية شامل، وزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي، وترميم البنى التحتية المتهالكة.

يتفق معظمنا أننا نستحق العيش في مجتمع يوفّر لنا ما نستحق، ونكون فيه أحرارًا، ويعطينا المساحة لنكون خلّاقين ونحقق إمكانياتنا. مهما كانت عدم جاذبيّتها، فالسياسات الضريبية المُعيدة توزيع الدخل تمثّل أول خطوة في هذا الاتجاه. فالأغنياء لم يستأهِلوا ثرواتهم — إنّما هم يحتجزونها حتى يوم نأخذها.

المصدر: مجلة جاكوبين



ملاحظات فريق الترجمة:

* «الصفقة الجديدة»: مجموعة من البرامج الاقتصادية التي أطلقت في الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936. جاءت تلك البرامج استجابة للكساد الكبير وتركزت على إغاثة العاطلين والفقراء، وإنعاش الاقتصاد إلى مستوياته الطبيعية، وإصلاح النظام المالي لمنع حدوث الكساد مرة أخرى.







اخر الافلام

.. سفن صينية حربية ترسو في ميناء بلتييسك بمقاطعة كالينينغراد قب


.. أزمة أقالة مدير ناحية القوش وموقف الحزب الشيوعي من القضية وا


.. اليسار - سلسلة بالخشيبات لإعادة فهم المفاهيم بالدارجة




.. لقاء مهند دليقان رئيس وفد منصة موسكو عبر قناة الميادين 19/07


.. جبهة البوليساريو توقف 19 مهرب مخدرات من المغرب