الحوار المتمدن - موبايل



مستقبل الماركسية

علي الأسدي

2017 / 3 / 20
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


لقد أصبح من الشائع في أوساط مثقفي ما بعد الإطاحة بالنظام الاشتراكي توجيه النقد للماركسية والماركسيين بتحميلهم مسئولية فشل ما آلت اليه التجارب الاشتراكية السابقة. بل وأصبح من الشائع أن الترويج للآراء القائلة بأن التحليلات النظرية الماركسية عن الرأسمالية وانتصار الاشتراكية لم تكن صحيحة بدليل عدم قيام ثورة اشتراكية واحدة في الدول الرأسمالية المتقدمة. وبناء عليه هناك حاجة ملحة إلى إعادة التفكير بأهم أسسها والقبول بحقيقة تفوق نظام اقتصاد السوق على الاقتصاد الاشتراكي وبخاصة وقد انتهت التجارب الاشتراكية في دول الاتحاد السوفيتي ومنظومته في الدول الأوربية. وقد جندت الدول الرأسمالية الغربية أجهزتها الإعلامية للترويج لتلك الآراء والإعلان عن موت الاشتراكية وخلود الرأسمالية. ولمنح الفرصة للقارئ الذي تهمه قضية الاشتراكية سيكون من المفيد اطلاعه على بعض لكن بعيدا عن الحملات الدعائية المضادة للاشتراكية هناك بعض الآراء النقدية والحجج المستوحاة من واقع التجارب الاشتراكية التي يوردها باحثون أكاديميون تستحق الدراسة والمناقشة.

ففي مقال للكاتب Sean Sayers من جامعة كنت في بريطانيا الذي أورد ترجمته أدناه ( 1) يذكر فيه ان عمل ماركس قد تركز بصورة رئيسية على تحليل وتفسير المجتمع الرأسمالي. والرأسمالية كما صورها هي نظام يعاني من التناقضات التي لا يمكن استئصالها أو إزالتها، لهذا السبب ليست نهاية التاريخ. انها مرحلة محددة من التطور التاريخي ستزول لتحل محلها مرحلة أو مراحل أخرى. تفاصيل نظرية ماركس وقد مضى عليها أكثر من قرن ونصف من الزمن ما تزال تمدنا بتوقعات متكاملة ورصينة عن النظام الرأسمالي. هذا لا يعني الإفتراض بأن توقعات ماركس عن الرأسمالية ينبغي القبول بها كاملة ، فبعض توقعاته لم تكن صحيحة خلال التطور التاريخي المنصرم. لقد أثبت المجتمع الرأسمالي المتقدم النجاح اقتصاديا وديمقراطيا وسياسيا بخلاف ما اعتقد ماركس او الاشتراكيين أتباعه. فبعكس توقعات ماركس لم تعاني الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية من الفقر أو تحولت الى قوة ثورية.

لذا يجب بناء على ذلك أخذ تلك الحقائق بنظر الاعتبار إذا أردنا الاستعانة بها في العالم الحديث. بعض التوقعات من الجانب الآخر وخاصة فيما يخص تطور الرأسمالية أثبتت كلية الصحة والدقة. عندما كان ماركس يكتب في القرن التاسع عشر كانت الرأسمالية واقعا ولم تتعرض للتحدي حيث لم تكن الاشتراكية حينها قوة منافسة في أي مكان في العالم. لكن بعد ذلك حدث أن أطيح بالرأسمالية من قبل الحركات الثورية في مناطق واسعة من المعمورة وأصبحت الاشتراكية قوة سياسية رئيسية في كل مكان تقريبا.

التناقضات الداخلية داخل الرأسمالية التي تحدث عنها ماركس ما تزال موجودة لكن هذه واضحة في دول العالم الثالث حيث ما يزال جزءا واسعا من مجتمعاتها يعاني من الفاقة وحيث الظروف المحفزة على الثورة قائمة. وأولئك الذين يتحدثون عن انتصار الاشتراكية عليهم ان يتذكروا ان المجتمعات في دول العالم الثالث تعيش في ظل الرأسمالية. وحتى في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة هناك انقسام طبقي وأزمات وان الدورات الاقتصادية للرخاء والركود لم تختفي لكنها تعالج بالسياسات الاقتصادية التخفيفية وان طبيعة الطبقات في المجتمع الرأسمالي الحديث قد تغير كثيرا عما كانت عليها المجتمعات الرأسمالية إبان القرن التاسع عشر. لكن لايمكن الاعتقاد بأن الانقسام الطبقي قد زال من المجتمعات الرأسمالية الحالية وان التناقضات الطبقية التي تحدث عنها ماركس مازالت صحيحة.

واذا كانت توقعات ماركس عن النظام الرأسمالي ما تزال صحيحة فان توقعاته عن الاشتراكية والأزمة التي تواجهها ليست كذلك وهذا ما يجعل من تلك التوقعات موضوعا لإعادة النظر. فالثورة الروسية في أكتوبر عام 1917انجاز تاريخي بدون منازع وتأثيرها في العالم كان واضحا ، فبالرغم من الحرب الأهلية وما خلفته الحروب العالمية تطورت روسيا من دولة شبه اقطاعية متخلفة اقتصاديا الى دولة صناعية وقوة دولية ذات شأن. فخلال الاشتراكية تطور التعليم والمستوى المعيشي للناس والقول أيضا يقال عن الصين. لكن أزمة الاشتراكية والشيوعية تطرح نفسها كموضوع يتطلب الخوض في غماره. ولنبدأ ببعض مظاهر تلك الأزمة:
1- موضوع الديمقراطية
يفترض بالاشتراكية ان تكون مجتمعا ديمقراطيا ، لكن ما أثبتته التجربة الاشتراكية كان غير ذلك. وفق ماركس ان الدولة أداة طبقية وهي في الرأسمالية دولة البرجوازية وان البرلمانات وحقوق الأفراد لا تتعارض مع هذه لدولة. في الماركسية يتم تجاهل الديمقراطية بكونها لعبة تستخدمها البرجوازية لمصالحها وتطرح في المقابل الديمقراطية الاشتراكية في مجتمع بدون طبقات وهي الصورة التي تطبع الماركسية بها.

2- الاشتراكية
تفترض الماركسية ان الاشتراكية فترة انتقالية قصيرة بين الرأسمالية والشيوعية حيث اعتقد ان هذه الفترة ستكون قصيرة وبدون أضرار تذكر. عندما أزيلت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج فان الأسس المادية للخلافات الطبقية من المفترض أن تزول عاجلا أو آجلا أوتوماتيكيا ، للأسف شيئا من هذا لم يحدث في أي مجتمع اشتراكي. وأكثر من هذا هناك أدلة بأن الخلافات الاجتماعية على المستوى الوطني والإقليمي والاثني قد استمرت في ظل الاشتراكية. الرأي التقليدي الماركسي بأن مثل تلك الخلافات والمنازعات ستزول أو تخف أوتوماتيكيا مع التطور الاقتصادي. مع هذا بينت التجربة بأن تلك الخلافات والأزمات الاجتماعية قد تعززت وازدادت قوة بعكس ما جاء في النظرية. وقد عادت الخلافات للظهور بأكثر قوة وخطورة في الاتحاد السوفيتي وفي شرق أوربا.
هناك درسان مهمان في الماركسية في كل هذا :

أ‌- اذا كانت الاشتراكية فعلا مرحلة انتقالية قصيرة فقد أثبتت التجربة أنها ستكون أطول وأكثر تعقيدا مما توقع ماركس.
ب‌- خلال هذه المرحلة فان الانقسامات في المجتمع الاشتراكي ستستمر بين المجموعات الاثنية والطبقية وان على الاشتراكية بناء نظام سياسي يمكن خلاله معالجة المصالح المتضاربة بين مكوناته.

3- دور السوق
الأزمة في الشيوعية العالمية هي اقتصادية وسياسية. تقليديا يعرف عن الاشتراكية بكونها نظام ملكية الدولة والتخطيط المركزي حيث ينظر للملكية الخاصة وحرية السوق بكونهما أدوات رأسمالية. الاشتراكية التي طبقت في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية كانت مبالغة في المركزية مع حيز محدود للمشروع الخاص أو لاقتصاد حرية السوق ، هذه الاقتصاديات عانت من عدد كبير من المشاكل مثل هبوط الإنتاجية وسوء استحدام الموارد. الدرس الواضح من كل هذا هو ان ملكية الدولة والتخطيط المركزي ليسا فعالين في كثير من الحقول الاقتصادية في حين يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بذلك بكفاءة عالية في الاقتصاد الاشتراكي. وهناك رأي سائد بأن اقتصاد حرية السوق هو الامكانية الوحيدة التي تعمل في الاقتصاد الصناعي. وعلى النقيض من ذلك ان اقتصاد السوق الحرة عبارة عن لغز فهو لا يعمل في أي مكان في العالم. في كل الدول الرأسمالية بدون استثناء يوجد قطاع عام مهم تحت سيطرة الدولة أو تحت رقابتها ومن بينها بعض النشاطات الزراعية وخدمات السكك الحديدية والطرق والجسور والسكان والصحة والتعليم وعددا من الصناعات وفي الحقيقة ان في جميع الاقتصاديات في العالم هناك اقتصاد مختلط من القطاعين العام والخاص مع اختلاف أدوارها في مختلف الدول.

قوى السوق ليست وصفة جاهزة للتطبيق أوتوماتيكيا في كل البلدان كما تثبت التجارب. ففي بريطانيا في عهد رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاجر في الثمانينيات التي نقلت جزءا واسعا من قطاع الدولة الى القطاع الخاص لا دليل بأن ذلك أدى الى نمو اقتصادي حقيقي. واذا أدى اقتصاد حرية السوق الى نمو اقتصادي في بعض الحقول فقد أدى الى الركود والاستغلال في مجالات أخرى. اقتصاد حرية السوق ليس كله خيرا وليس كله شرا ، وفقط يجب الحكم وفق ما اذا كان فعالا في تحقيق النمو الاقتصادي.

الانتقال الى اقتصاد حرية السوق في الحقول الاقتصادية الاشتراكية السابقة زاد من عدم المساواة والاختلافات والانقسامات الاجتماعية. هكذا أيضا كانت التجربة البريطانية حيث سجلت زيادات حادة في أعداد العاطلين عن العمل والفقر والمشاكل الاجتماعية. ونفس النتائج حصلت في الدول الاشتراكية السابقة بعد الانتقال الى اقتصاد حرية السوق. إشاعة الليبرالية الاقتصادية ظاهرة قصيرة الأمد في ايجابياتها والنتائج السلبية لاقتصاد السوق بدت في الظهور بصورة جلية. وهذا بالضبط ما تحتمه وتؤدي اليه الرأسمالية.

1- The Future of Marxism “ by: Sean Sayers , University of Kent at Canterbury, June .1991







اخر الافلام

.. على طريقة الأسد.. بماذا اتهم بوتين المتظاهرين ضده وأضحك السو


.. اعتقال المتظاهرين في موسكو وسان بطرسبورغ يثير انتقادات دولية


.. اليساريون الليبراليون بأميركا يعتبرون فوز ترمب -كارثة تاريخي




.. شولتز ماجيك.. لم يسعف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني من


.. واشنطن تصف اعتقالات المتظاهرين في روسيا بإهانة الديمقراطية