الحوار المتمدن - موبايل



تجليات الوعي السياسي في الناصرية

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 4 / 6
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


المدخل
وصف المؤرخ والباحث الامريكي حنا بطاطو في كتابه (العراق)(الكتاب الثاني) مدينة الناصرية بانها (البلدة المشهورة بروح الحرية التي لا تقهر) , كما وصفها في موضع اخر من نفس الكتاب بانها (مستودع بارود قابل للانفجار في اي وقت) . ويبدو انه استقصى هذا الحكم والتقييم من خلال تجربة العمل السياسي في هذه المدينة الذي تميز بالثورية والتقدمية , لاسيما في مرحلة مابعد تكوين الدولة في القرن العشرين وتشكيل نمط الوعي الذي يسعى الى التغيير والاصلاح والحرية . وترجع ارهاصات او بواكير العمل السياسي الى نهاية القرن التاسع عشر عندما كانت (المنتفك) ساحة دائمة للحروب العشائرية ضد الدولة العثمانية ، بسب الخلافات حول الضرائب وسياسة التمييز الطائفي وتقريب بعض العشائر والعوائل الموالية لها , واعطائهم الاراضي الزراعية الخصبة والمتميزة بحجة تطبيق قانون تفويض الاراضي المعروف بالطابو بعد عام 1869 مثل ال سعدون وال دانيال وال سركيس وال مناع وغيرهم , واقصاء الاخرين من العشائر الاصلية في المنطقة والمالكة العرفية والتاريخية لتلك الاراضي امثال العبودة وبني ركاب والمياح والشويلات , والذي وصف بانه البواكير الاولى لنشوء مايسمى بظاهرة الاقطاع في العراق . الا ان حركة الجهاد التي قادها السيد محمد سعيد الحبوبي ابان الاحتلال الانكليزي للبصرة عام 1914 واعتباره مدينة الناصرية (دار الجهاد) ومقرا لتجمع المجاهدين قد شكل تطورا في الوعي من المواجهة العشائرية الى المقاومة الدينية او التي قامت على اسس دينية . اي ان المقاومة والرفض بدات ضمن النسق العشائري ثم تطورت الى النمط الديني الجهادي , وتجلت ضمن معارك ومواجهات عدة اهمها معارك البطنجة وباهيزة وام الملح بين الانكليز وعشائر العبودة وخفاجة والزيرج في جنوب نهر الغراف عام 1916 , وانتفاضة الشيخ بدر الرميض عام 1918 وغيرها , لكن صيرورة الوعي السياسي قد تصاعدت سريعا ولم تقف عند نمط المقاومة الدينية , اذ تمظهرت الى مرحلة تبني الانساق الوطنية والمدنية من خلال تبني الطروحات التي صاحبت او تزامنت مع ثورة العشرين واهمها المطالبة بتأسيس حكومة دستورية او ملكية دستورية ديمقراطية , وتجسيد ذلك واضحا في وثيقة هامة مازالت محفوظة حتى الان , وهي بنود وتعهدات مؤتمر (المصيفي) الذي انعقد في شمال مدينة الناصرية (بين النصر والرفاعي) عام 1920 وحضره العديد من الوجهاء والشيوخ في منطقة الغراف ابرزهم : السيد عبد المهدي المنتفكي وابراهيم اليوسف (مضيف المؤتمر الذي عقد في ارضه) وموحان الخير الله وخيون العبيد ومحمد الشلال وصكبان العلي ومزعل الحميدة وسلمان الشريف ودخيل السيد فياض وساجت الحسن وفشاخ الشكبان وكليب المشلب ويوسف ابو رهن وناصر الطربوش وطراد الجهف ومجلي المطرود وشعيوط الجساس والعديد من شيوخ القره غول والشويلات وبني سعيد وال ازيرج والبو سعد والسهلان , الذين اكدوا على (المطالبة باستقلال العراق والمحافظة على المؤسسات الحكومية وصيانة الامن العام واقامة ادارات محلية في كل مدينة يحررها الثوار) وهي بمجملها مطالب ليست ذات طبيعة عشائرية او دينية , وانما هى متبنيات ذات طابع مدني وطني شامل .
بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 تصاعد مفهوم الوعي السياسي في الناصرية من تبني المسار المدني الوطني الى تبني الطروحات الايديولوجية الكونية العابرة للحدود , كما ظهر في تاسيس الحزب الوطني العراقي (فرع المنتفك) وجمعية اتحاد تضامن العرب السرية والخلايا الماركسية الاولى وغيرها . ثم استمر المسار السياسي طوال القرن العشرين الماضي بتحولات متباينة ومتناقضة , مع تراث هائل من المنجز السياسي والفكري , وتنظيمات يصعب حصرها ضمن نطاق ضيق .
وهكذا نستطيع القول ان صيرورة العمل والحراك السياسي في الناصرية قد تدرج في الوعي والتنظيم من النمط العشائري المتجسد بالانتفاضات والثورات العشائرية ضد الدولة العثمانية الى النمط الديني المتجسد بالمساهمة الفعالة بحركة السيد محمد سعيد الحبوبي عامي 1914 - 1915 ثم الوطني والمدني المتجسد بالمقاومة والتحريض ضد الاحتلال الانكليزي والمساهمة بثورة العشرين , والمطالبات بالدولة الملكية الدستورية , وانتهاءا بالوعي الايديولوجي الكوني العابر للحدود المتمثل بالاحزاب العلمانية والسياسية والثورية , وهذا يدل على ان العقل السياسي في الناصرية , لايتسم بالسكون والثبات , بل يتميز بالارتقاء والتصاعد والسمو .
وقد انعكس هذا العمل السياسي في ممارسات وتعبيرات متعددة , الا ان اهمها في ذلك قد انعكس في مظهرين : الاحزاب السياسية من جانب والصحافة السياسية من جانب اخر، فكان الظاهر بقوة على الساحة هو انتشار الاحزاب السياسية او فروعها في مدينة الناصرية , التي واكبت جميع الاحداث والتحولات التي مر بها العراق المعاصر على مدى اكثر من (80) عاما من تاسيس الدولة العراقية وحتى سقوطها المدوي عام 2003 . فيما كان التمظهر الاخر هو الصحافة السياسية , التي ايضا عكست تلك الاحداث والتحولات , ولكن من خلال زاوية اخرى مختلفة , لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية , وبروز ظاهرة الاحزاب الايديولوجية الثورية الوافدة (اليسارية والقومية) والصراع المحتدم الذي حصل فيما بينها على السلطة والنفوذ بعد اعلان ثورة تموز 1958 .
الا ان السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا شكلت السياسة في الناصرية مرتكزا دلاليا في نظامها المعرفي وافقها الاجتماعي ؟ ولماذا احتوت هذه الخصوصية في التمرد والثورة والانتفاضة على جميع الانظمة والحكومات والاحتلالات ؟ ولماذا حصل عندها هذا التماهي المفرط مع الاحزاب والتنظيمات الايديولوجية والثورية ؟ وماهو السبب وراء ظهور الكثير من الشخصيات السياسية الحكومية منها والمعارضة ؟؟ ولماذا كانت المحافظة الوحيدة التي انتفضت ضد سياسة التمييز الطائفي في الادارة والحكم التي دعا الى الغائها ميثاق الشعب عام 1935 ؟؟ ولماذا نجد ان العوائل العلمية النجفية ذات الاصول الناصرية – اذا صح التعبير – تملك روحا ثورية واصلاحية متميزة عن الاخرين كما في ال الشرقي وعميدهم علي الشرقي من ال خيكان , وال الشبيبي من بني اسد , وال الجزائري من السادة الجزائريين في الاهوار وعميدهم عبد الكريم واخيه جواد الجزائري , وال الوائلي ال جمال الدين وال قسام الخفاجية وغيرهم ؟؟ وهل المصادفة هى التي جعلت الناصرية تشهد ولادة ثلاث رؤساء وزراء هم : عبد المحسن السعدون (كانت ولادته في الحي التابعة للمنتفك انذاك) وصالح جبر الزيدي وناجي طالب العنزي ؟ فضلا عن ولادة الاربعة البارزين والمؤسسين للتيارات الفكرية الاربع في العراق (الليبرالية والقومية والماركسية والاسلامية) وهم عبد الفتاح ابراهيم وفؤاد الركابي ويوسف سلمان يوسف (فهد) وطالب الرفاعي , فضلا عن شخصيات بارزة اخرى ذات توجهات مختلفة توزعت على تلك التيارات من امثال داود سلمان يوسف (شقيق فهد) معاذ عبد الرحيم (اول سجين بعثي في العراق) وحازم جواد وحسين محمد الشبيبي (صارم) الذي اعدم مع فهد - ذكرت المصادر ولادته خطا في النجف – كما اثبت ذلك الاستاذ عبد الحليم الحصيني في كتابه الناصرية تاريخ ورجال - والسيد عبد المهدي ونعيم حداد والمنظر والكاتب السياسي عزيز السيد جاسم وغيرهم ؟
في الواقع ان هذه الاسئلة تحتاج الى اجوبة ودراسة خاصة ومفصلة لسنا بصددها الان , ولكن يمكن اعطاء مقاربات عامة ومختصرة عن الموضوع , والبدء من خلال راي الاستاذ معاذ عبد الرحيم عندما ساله الصحفي (توفيق التميمي) عن تفسيره الاجتماعي لحاضنة مدينة الناصرية للاحزاب العراقية الشيوعية والقومية والاسلامية ؟ فاجاب بان ذلك يعزى الى اسباب عدة : اهمها سيطرة ال سعدون والاقطاع على الاراضي الزراعية في المنتفك , الذي اوجد صراعا بين الفلاحين وشيوخ العشائر الصغار من جانب والملاكين من ال سعدون من جانب اخر, اتخذ بعدا سياسيا بعد ان سيطرة الفلاحين والشيوخ على تلك الاراضي في اعقاب تاسيس الدولة العراقية عام 1921 . فضلا عن ذلك , ان رجال الدين والخطباء الذين يدرسون في الحوزة العلمية في النجف كان يلقون على اهل الناصرية اثناء المناسبات الدينية افكارا ثورية وتحريضية ضد الاوضاع القائمة اثناء تنقلاتهم بين العشائر في محرم ورمضان وغيرها , كما ان عشق اهل الناصرية للقراءة والاطلاع تولد لدى اغلبية الشباب خزين فكري وتطلعات سياسية للتغيير من خلال هذا التراكم الثقافي والادبي الذي ظهر في ابداعات عديدة كالفنون الجميلة والادب والفكر, وربما كان للعمق الحضاري للمنطقة والجذور السومرية لها دورا في ذلك ايضا .
ويبدو ان المقاربات العامة التي اشار لها عبد الرحيم تتصف بالعمومية . فالاقطاع – وان كان اول نشاته في هذه المنطقة من قبل ال سعدون - والاطلاع والقراءة والموروث السومري والحضاري هى سمات عامة قد يشترك بها الكثير من اهل الجنوب والفرات الاوسط , الا انه يمكن القول ان سمة التفرد او الخصوصية التي يتميز بها المجتمع في الناصرية هى (الاغتراب) , الاغتراب عن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي .
فالاغتراب - كما بين هيغل - هو عدم الشعور بقيمة الذات , وانعدام المعنى في حياة الفرد , نتيجة لاجباره على العيش دون فرصة لتحقيق الذات , مما يسبب له بالتالي شعورا بالعجز على قدرته في تغيير الوضع الاجتماعي او التاثير بالنظام العام (عالم ميت لاانساتي ... وحياة متحركة نحو الاموات) . ولمواجهة هذا الاغتراب والصدام القائم بين الذاتي والموضوعي واستلاب الحرية بسبب الاستبداد والتمييز والاضطهاد , تكون النتيجة امام اي انسان او مجتمع ثلاث من الاحتمالات او الخيارات : اما الانعزال عن تلك الاشكالات او الهروب منها , او الثورة عليها والتمرد , ويبدو ان الخيار الثالث كان هو المفضل عند الفرد او المجتمع في الناصرية . تبلورت تلك المواجهة والرفض والمقاومة للاوضاع السائدة من خلال مسارين : الاول , هو الثقافة . والثاني السياسة . اي ان هناك من اراد ازاحة التوتر والاغتراب والبحث عن الذات من خلال الثقافة باطارها العام (الرواية والقصة والمسرحية والشعر والغناء والالحان والرسم والنحت والنقد الادبي والتنظير الفكري والكتابة التاريخية والسياسية وغيرها) , والتماهي مع الشخصيات الفكرية والادبية المتميزة في العالم . فيما اتخذ البعض المسار او العمل السياسي المباشر, المتمثل بانشاء وتاسيس التنظيمات الحزبية المعارضة او الانضمام للحركات الثورية والتوجهات الايديولوجية .
اولا : روافد الوعي السياسي في الناصرية :
قبل استعراض بواكير الوعي السياسي في الناصرية . لابد في البدء ان نستعرض الروافد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية الاساسية في مدينة الناصرية , على اعتبار ان الحركة السياسية التي تمظهرت بانساق معينة وانماط محددة كالاحزاب والحركات والجمعيات والاضرابات والاعتصامات والتظاهرات وتوزيع المنشورات السرية والصحافة السياسية وغيرها . يجب ان تستند على بنية اجتماعية فاعلة , ورؤية محددة وشاملة ترتكز عليها , من حيث الوعي والاندماج في العمل السياسي والاهداف المتواخاة تحقيقها من هذا العمل . كما ان البنية السياسية في مجتمع معين لا تولد او تنمو من فراغ . بل يجب ان تكون هنالك روافد وعوامل ساهمت في انضاجها وبلورتها ، فالعمل السياسي هو التمظهر الاخير لتحقيق الهوية الاجتماعية والتراكمات الاقتصادية ( فالتحولات الكمية تؤدي في المحصلة النهائية الى تحولات في النوع ) - كما اثبت ذلك هيغل في قوانينه الجدلية - فلا هوية بلا اطار سياسي ياخذ بها الى تحقيق الاهداف والاماني وانهاء حالة الاغتراب والتشظي نحو مجتمع قائم على العدالة والحرية والمساواة .
ونستطيع حصر عناصر تاسيس وتكوين البنية السياسية في مدينة الناصرية الى ثلاث روافد اساسية وهي :
1. الرافد الاجتماعي
2. الرافد الاقتصادي
3. الرافد الثقافي والتعليمي
1 ـ الرافد الاجتماعي :
يعد الرافد او العامل الاجتماعي من اهم العوامل الذي ساهم في تاسيس البنية السياسية في مدينة الناصرية , ذلك ان المدينة قد تاسست على اساس التعدد والتنوع وليس على اساس التوحد . التعدد في الهويات والمهن والقبائل والاديان والمذاهب والقوميات والاصول الجغرافية الوافدة (الاهوار , الانهار , الهضبة) , وهو ما ساعد على زعزعة مفهوم التمركز على الذات وتفكيك القوى التقليدية الاحادية , التي تسمى بقوى ما قبل الدولة كالقبيلة والطائفة والدين ، ومن ثم استحالة طغيان هوية محددة او جامعة على المدينة ، وتأسيس مفهوم (المجتمع المدني) بصورته (الجنينية) الاولى ، وقد ذكر بهذا الصدد الكاتب نعيم عبد مهلهل نقلا عن الاثاري البريطاني المعروف ومكتشف المقبرة الملكية في اور( ليوناردو وولي )(1880 – 1960) (ان المدينة التي امتدت على طول قامتها الطينية و والمسورة بالطوب الاحمر الكبير وابواب الخشب الهائلة , لاتنتمي الى الف ليلة وليلة , ذلك الشرق الذي نتخيله في حكايات شهرزاد وكهرمانة وعلي بابا , بل هى مدينة تتنفس الاشياء الجديدة بصورة من يريد ان يركب السحب ليمسك بالحضارة , ولهذا كانت سدارات الافندية في عكد الهوى(شارع الحبوبي لاحقا) تساوي بالتمام والكمال العقال العربي , وكانت البناطيل الافرنجية التي يرتديها شباب المدينة تذكرني باناقة الشباب الارستقراطي اللندني) . ان هذا النص الصريح يعطي دلالة مهمة عن التمدن والتحضر القديم في المدينة , بمعنى ان الناصرية ولدت كمدينة وليس قرية تطورت الى مدينة , كما هو حاصل في اغلب المدن في العراق . ويكفي ان نعرف ان تخطيطها قد حصل من قبل المهندس البلجيكي (جولس تلي ) الذي استقدمته الدولة العثمانية لهذا الشان , كما ان اول منزل انشأ في المدينة هو للخواجة الارمني الكاثوليكي نعوم سركيس(1830 - 1893) (والد الباحث والكاتب المعروف الاستاذ يعقوب سركيس) الذي كان مقربا من ال سعدون , وانشا فيها لاحقا سوقا وخانات ومقاهي . اما اليهود في المدينة ودورهم الاقتصادي والاجتماعي , فيكفي ان نذكر ان المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه (العراق قديما وحديثا) قد اكد ان السيطرة التجارية في مدينة الناصرية بايدي اليهود حتى اسقاط الجنسية العراقية عنهم عام 1950 . فضلا عن المكونات الاجتماعية الاخرى كالمسلمين (الشيعة والسنة) والصابئة والمسيحيين الشرقيين والقوميات العرب والكورد والتركمان والفرس والعثمانيين الاتراك وحتى الشركس والاحباش والاكراد الفيلية وغيرهم .
ان هذا التعدد في الهويات والتنوع الاثني والديني والمذهبي قد فتح الافاق واسعة على تعدد الرؤى والمفاهيم والطقوس , ومن ثم المساهمة الفعالة في ظهور او بروز قوى ما بعد الدولة كالاحزاب السياسية والجمعيات والحركات والنقابات وغيرها .
2 ـ الرافد الاقتصادي
تزامن تاسيس مدينة الناصرية عام 1869 من قبل الوالي المصلح مدحت باشا افتتاح قناة السويس بنفس العام , التي قصرت المسافة والتجارة بين الغرب (اوربا) والشرق (اسيا) بمقدار 8 ــــ 15 الف كيلو متر ، وزادت قيمة الصادرات في العراق من (150 ) الف دينار(المجيدي العثماني) في الفترة من 1864 – 1871 الى (9) مليون دينار في العام 1912 – 1913 , وزادت تجارة الاستيراد اكثر من (12) مرة ابان الفترة نفسها , ومن ثم دخول البلاد - لاسيما المنطقة الجنوبية منها - الى السوق التجارية العالمية من خلال تزايد التبادل التجاري والانتاج الزراعي واختراق الانماط الراسمالية لبنية العراق التقليدية القائمة على الاقتصاد الطبيعي - اقتصاد الكفاف المحلي - الى اقتصاد الفائض والتجارة . اي تحول الفائض الزراعي لسيطرة الراسمال العالمي , ادى الى ارتفاع قيمة الاراضي الزراعية , ومن ثم تشجيع الاهالي والفلاحين على مزيد من الانتاج والتبادل التجاري .
كان نصيب مدينة الناصرية من هذه التحولات ظاهرا بافراط على السطح , بحكم المساحات الزراعية الخصبة والهائلة التي تحيط بها اولا , وقربها من الموانئ الواقعة في البصرة على الخليج ثانيا , مما حفزها على التجارة وشراء المحاصيل الزراعية وبيعها الى مكاتب وشركات التصدير في اوربا واسيا . وهى عملية نتج عنها تراكم في راس المال والثروة , ساهم بصورة او باخرى في بلورة الطبقة الوسطى او البرجوازية في وقت مبكر, وانتشار العقلية التجارية البرغماتية المرنة او المسالمة والمهادنة , التي اصبغت المدينة بطابع مدني ظاهر, حتى اصبح التمايز والتفاخر لا يقوم على اساس النسب الرفيع او الاصل الشريف , كما هو حاصل في المجتمعات التقليدية , بل على اساس العمل والعقار والمال .
ان تكوين هذه الطبقة الوسطى او الرجوازية قد ساهم في تاسيس المجتمع المدني ( على اعتبار انها تشكل خميرة العقلانية والليبرالية ) وبروز المظاهر الاعتيادية المصاحبة لها , كالجمعيات والاحزاب والحركات والنقابات وغيرها ، وقد برز ذلك واضحا بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 على قاعدة : ان كل هوية اجتماعية ترغب بالتعبير عن نفسها وتحقيق ذاتها سياسيا , في سبيل تحقيق تفوقها الاجتماعي والاقتصادي اولا , والرغبة بالهيمنة وتحقيق النفوذ والمكاسب ثانيا.
3 ـ الرافد الثقافي
الرافد الثقافي هو حصيلة عوامل متعددة كالتعليم والتنوير والادب وغيرها . وقد كان لهذا الرافد الدور الاساسي في بلورة البنية السياسية في مدينة الناصرية , على اعتبار انه منتج اساسي للوعي , ومؤثر حقيقي في بيان مكامن الخلل والتمييز والاستبداد ,( فالمعرفة تساعد الذات الواعية لان تجد حقيقتها الاساسية ) - كما اثبت ذلك هيغل - فضلا عن استنهاض قيم العدالة والمساواة ومفاهيم الاصلاح والحرية . ومن ابرز قنوات الثقافة والتنوير في مدينة الناصرية هي :
أ ـ الحركة التعليمية التي ترجع الى اواخر العهد العثماني . حيث ذكرت المصادر التاريخية وجود مدرستين في الناصرية عام 1902 (ابتدائية ورشيدية) بلغ عدد طلابها (58) طالبا . وذكرت ايضا وجود مدارس عديدة اخرى في سوق الشيوخ والشطرة والرفاعي , الا ان التوسع الحقيقي قد ظهر بعد السيطرة البريطانية على العراق وتاسيس الدولة العراقية الحديثة , حيث تاسست المدرسة المركزية عام 1917 والشرقية عام 1924 والغربية عام 1924 والمنتفك عام 1924 , ومدارس عديدة اخرى بنفس الاعوام في بعض النواحي والاقضية امثال الشكبانية والمهدية والمناعية والمصيفية والهلالية وغيرها . ويرجع هذا التوسع ايضا الى تولي احد ابناء المنتفك وزارة المعارف في ذلك العهد وهو السيد عبد المهدي السيد حسن ال شبر المنتفكي .
ب ـ المدرسون المثقفون الوافدون الى المدينة الذين عينوا في مدارس الناصرية . فقد مارس هؤلاء دورا كبيرا في الحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية , ليس على مستوى المحافظة فحسب ، بل على مستوى العراق اجمع . اذ ساهم هولاء في تنشيط الحراك الثقافي والادبي في المدينة ، وخلقوا جيلا تنويريا واصلاحيا , استطاع في وقت مبكر من تبني مفاهيم العصرنة والتحديث . ومن اهم هؤلاء :
1 ـ المفكر الشهيد حسين مروة . ولد في لبنان عام 1910 من عائلة متدينة , ارسله والده الى النجف للدراسة الحوزوية , واستمر بهذا المجال من عام 1924 وحتى عام 1938 . ترك بعدها الدراسة الدينية واتجه الى السياسة والادب ، وانضم الى الحزب الشيوعي العراقي ، متاثرا بالقراءات التي كان يقوم بها في المكتبات العامرة هناك , حتى قال عبارته الشهيرة (تعلمت الماركسية في النجف) , شارك في تظاهرات عام 1948 ضد معاهدة (برتسموث) , ادى بالحكومة الى اسقاط الجنسية العراقية عنه , ومن ثم ابعاده الى بلده الاصلي لبنان , واصبح واحدا من اهم المنظرين والمفكرين الماركسيين في العالم العربي ، ومن كبار وقادة الحزب الشيوعي اللبناني . الا انه اغتيل اثناء الحرب الاهلية اللبنانية في بيروت عام 1987 رغم عمره الذي قارب الثمانين عاما . ويعد كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية) في اربع اجزاء , واحدا من اهم التطبيقات والتنظيرات الماركسية على المطارحات الفلسفية والفكرية والكلامية في التاريخ الاسلامي .
2 ـ الاديب محمد علي شرارة . ولد في قرية بنت جبيل في جنوب لبنان عام 1907 وهاجر ايضا الى العراق لدراسة العلوم الدينية في النجف ، الا انه ترك الدراسة مثل زميله الشهيد حسين مروة , واتجه الى الادب والسياسة والثقافة , وانضم الى الحركات الماركسية الاولى في العراق . وكانت علاقته مع السلطات في العهدين الملكي والجمهوري متوترة على الدوام , حتى انه تعرض الى الابعاد مرات عديدة . له العديد من المؤلفات الادبية والسياسية , توفي في بغداد عام 1979 ودفن في النجف . وهو والد الاديبة والمترجمة المعروفة حياة شرارة , التي كانت ولادتها في النجف عام 1935 وانتحرت بقصة ماساوية مع ابنتها (مها) في بغداد عام 1997 . والكاتبة بلقيس شرارة زوجة المعماري رفعت الجادرجي ابن السياسي العراقي الليبرالي المعروف كامل الجادرجي .
3 . الشاعر اللبناني العاملي عبد الروؤف الامين (فتى الجبل) . ولد في قرية شقرا في جنوب لبنان عام 1900 واكمل دراسته الابتدائية والثانوية في سوريا , وحصل على شهادة البكالورويس في الادب العربي من الجامعة السورية في دمشق عام 1933 , وهو اول عاملي يتخرج من هذه الجامعة . واخذ ينشر قصائده السياسية خلال تلك الفترة باسم مستعار هو (فتى الجبل), سافر بعدها الى العراق عام 1939 وعين مدرسا في الحلة والنجف , ثم في ثانوية المنتفك مدرسا للادب العربي , ومحررا في جريدة الهاتف البغدادية . عاد الى لبنان عام 1945 بسبب الاضطراب السياسي في العراق , وعين مفتشا تربويا ثم موظفا في وزارة الشوؤن الاجتماعية حتى احالته الى التقاعد . توفى في بيروت عام 1970 , له عدة دوواين شعرية جمعت كلها في ديوان واحد عام 1996 . وال الامين هم من اهم العوائل العلمية في لبنان و ويعود اصلهم الى الحلة في العراق , هاجر قسم من اجدادهم الى لبنان واستقروا هناك , وظهر عندهم علماء مجددين ومصلحين ومن اهمهم السيد محسن الامين العاملي والمنظر الليبرالي محمد حسن الامين والكاتب والباحث المعروف حسن الامين وغيرهم .
وقد ذكر الشاعر رشيد مجيد مساهمة حسين مروة ومحمد علي شرارة والشاعر عبد الرؤف الامين (فتى الجبل) في دعم وبلورة اول حركة ثقافية في مدينة الناصرية , بحكم تعيينهم كمدرسين في الاعداديات العامة , وذلك من خلال ادارة الندوات التي كانت تعقد مساء كل يوم اثنين في ثانوية الناصرية , والتي كان يحضرها افرادا اعتبروا لاحقا ضمن الرعيل الاول المساهم في الحركة الثقافية العصرية في المدينة والمساهمين الاوائل في بلورة فئة الانتلجنسيا في الناصرية . امثال (عبد المحسن القصاب ومحمد حسن العضاض ونعيم عبيد الكيالي وشاكر الغرباوي وغيرهم) .
ومن الاعلام الاخرين الذين عينوا فترة من الزمن كمدرسين في مدينة الناصرية او في الاقضية والنواحي التابعة لها :
4ـ الشاعر محمد مهدي الجواهري
5 ـ الدكتور مصطفى جواد
6 ـ الدكتور علي الوردي
7. الدكتور فيصل الوائلي
8 . الدكتور عبد الامير الاعسم
9 . الدكتور حسين قاسم العزيز .
10 . جعفر الخياط
11. علي جواد الطاهر
12 . طراد الكبيسي
13 . عبد المحسن غياض
14 . رشدي محمد عرسان عليان
ثانيا : تمظهرات العمل السياسي في الناصرية :
تجلت الحركة السياسية في مدينة الناصرية في تمظهرات عدة على مدار التاريخ الحديث والمعاصر كالتظاهرات والاعتصامات والانتفاضات والاضرابات وتوزيع المنشورات والكفاح المسلح وغيرها . الا اننا سنقتصر في استعراض مظهرين مهمين فقط وهما :
1 ـ الاحزاب السياسية
2 ـ الصحافة السياسية
1 ـ الاحزاب السياسية :
ان الخطا الشائع في تاريخ الحركة السياسية في الناصرية هو ادراجها الخلايا الماركسية الاولى كاول التنظيمات السياسية التي اسسها او قادها يوسف سلمان يوسف المعروف لاحقا باسمه الحركي (فهد) , لكن الصحيح هو ان اول تنظيم سياسي في المدينة هو الفرع او المجموعات التابعة لاول حزب علني معارض بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وهو الحزب الوطني العراقي الذي راسه (ابو الوطنية العراقية) محمد جعفر ابو التمن عام 1922 . والدليل على ذلك هو ان فهد نفسه كان معتمدا ومراسلا صحفيا للحزب الوطني العراقي في الناصرية وله صلات وثيقة مع ابو التمن . فضلا عن ذلك ان رسول الاممية الشيوعية الثالثة (1919 – 1943)(الكومنترن) الى مدينة الناصرية (بيتر فاسلي) الذي اتخذ اسم (بطرس ابو ناصر) وعمل خياطا في الناصرية , قد اوصى اتباعه باختيار الافراد التابعين للحزب الوطني العراقي للانضمام الى الحركة الشيوعية والكسب الحزبي , باعتبارهم كانوا منظمين سابقا , واكثر وعيا بالعمل السياسي والمعارضة الحزبية .
وقد ذكر الباحث السيد عبد الحليم الحصيني في كتابه (الناصرية تاريخ ورجال) – وهو افضل من كتب عن تاريخ المدينة - ان وفدا من اهالي الناصرية التقى عام 1931 بالملك فيصل الاول للشكوى عن الاجراءات القمعية التي قامت بها الشرطة في اعقاب الاحتجاجات والاعتصامات التي حصلت في اعقاب اقرار قانون رسوم البلديات , ثم التقى بعدها برئيس الحزب الوطني العراقي محمد جعفر ابو التمن وعرض عليه فتح مكتب او فرعا للحزب في الناصرية , وحصلت موافقة ابو التمن على هذا العرض , وتم افتتاح المكتب الذي ضم : عبد الجبار حسون الجار الله رئيسا وتوفيق العافص وحسن ملا علي ومجيد حسن الصباغ وعبد الكريم الشعبان وناصر علي طالب وسلمان الحاج فرحان اعضاء . كما انتمى لهذا الحزب العديد من شيوخ العشائر القريبة من الناصرية , مما ادى الى اعتراض السلطة والمتصرفية على افتتاح هذا الفرع وقامت باغلاقه مرات عدة , واستمر الحال هلى هذا المنوال حتى اعلان ابو التمن اعتزاله العمل السياسي عام 1933, عندها انقسم الاعضاء بين مؤيد او معارض لهذا القرار , حتى تلاشى الفرع تدريجيا وانضم بعضهم الى الخلايا الماركسية في المدينة .
والحزب الاخر الذي تاسس في مدينة الناصرية ـــــ وان كان على نطاق ضيق ـــــ هو الحزب الحر اللاديني او الحزب اللاديني . والظاهر من اسمه انه حزب يدعو الى العلمانية المتطرفة والابتعاد عن الغيبيات والدين . وكان فهد ايضا له دور اساسي في تاسيس هذا الحزب عام 1929, الا ان شهرته وانتشاره كان في مدينة البصرة . وقد اعتبره المؤرخ والباحث حنا بطاطو مقدمة او واجهة سياسية وحزبية لتاسيس اول خلية ماركسية في الناصرية . ويبدو ان هذا التنظيم المصغر هو فرع لمقر الحزب الاصلي في البصرة والذي اتخذ من نادي الشبيبة مقرا له .
واما اول حلقة شيوعية في العراق فقد تاسست في مدينة الناصرية عام 1927 وضمت فضلا عن يوسف سلمان يوسف(مسيحي) كل من غالي زويد (من اصل افريقي وتابع الى ال سعدون) وداوود سلمان يوسف (شقيق فهد) والسيد احمد جمال الدين (علوي شيعي) وعبد الجبار حسون الجار الله الجبوري رئيس فرع الحزب الوطني العراقي واخيه عبد الكريم حسون الجار الله الجبوري وعبد الرحمن داود وعبد الجبار الغفوري وحميد كسار وحميد مجيد دبة وضياء شكارة ومهدي وفي والشاعر طالب فليح , والتي اندمجت لاحقا مع خلايا بغداد المتفرقة واسست الحزب الشيوعي العراقي تحت تسمية (لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار) في الثلاثين من اذار 1934 والذي اعتبر التاسيس الرسمي للحزب , رغم ان حنا بطاطو والدكتور مؤيد الطائي في اطروحته (الحزب الشيوعي العراقي 1934 – 1949) ينفون ان هذا التاريخ الصحيح لتاسيس الحزب الشيوعي, ويؤكدون انه قد حصل بتاريخ الثامن من اذار عام 1935 , لااسباب موضوعية وتاريخية ادرجوها في مؤلفاتهم , وهذا يعني ان خلية الناصرية الاولى بزعامة فهد هى التي كان لها الدور الاساس والابرز في توحيد الخلايا الماركسية في بغداد , ومن ثم التاسيس الرسمي للحزب الشيوعي العراقي .
وذكر حنا بطاطو : ان اول بيان ظهر في العراق يحمل شارة المطرقة والمنجل قد ظهر في الناصرية , وقد كتبه يوسف سلمان بخط يده , وعلقه في (18) مكانا مختلفا في المدينة ليلة 13 كانون الاول عام 1932 وفي وسطه شعار يا عمال العالم اتحدوا . فيما ذكر الدكتور مؤيد الطائي ان اول بيان ماركسي ظهر في مدينة الناصرية كان في 24 اب 1931 موقع باسم (الاشتراكي ح ج) ويحمل شارة المطرقة والمنجل , وعلق في اماكن حساسة جدا اهمها دار المتصرف . والبيان هو نداء موجه الى الفقراء من عمال وفلاحين للمطالبة في الثروة التي يملكها التجار , لان هذه الاموال – بحسب البيان - اموالهم وسلبها منهم هولاء التجار , ودعا الى الوحدة بين الفقراء , موجها دعوة صريحة للانضواء تحت لواء الاشتراكيين ليقضوا على هذه الفوارق . كما انتشر في المدينة كراس (البيان الشيوعي) الذي اصدره ماركس وانجلز عام 1848 . وازاء تزايد هذا النشاط الماركسي الملفت للنظر اعتقلت الشرطة القيادي يوسف سلمان يوسف (فهد) ورئيس فرع الحزب الوطني العراقي عبد الجبار حسون الجار الله , الا ان جريدة (الاهالي) في بغداد قادت حملة للاحتجاج على هذا الاعتقال , ساهم فيها بقوة رئيس الحزب الوطني العراقي محمد جعفر ابو التمن , ادت الى اطلاق سراحهما لاحقا , بسبب عدم وجود مادة قانونية انذاك تجرم الانتماء للشيوعية او الترويج لها في العراق .
لقد توالت بعد ذلك ظاهرة تاسيس الاحزاب او فتح فروع لاخرى في مدينة الناصرية . حيث ساهم فؤاد الركابي بفتح فرع لحزب البعث السوري في العراق , وتاسيس اول خلية عام 1950 بالتعاون والتنسيق مع البعثي السوري فائز اسماعيل (الطالب في كلية الحقوق في بغداد) الذي زار مدينة الناصرية وسوق الشيوخ , والتي ضمت عبد الجبار الركابي ومعاذ عبد الرحيم وكريم الركابي وعدنان ذياب الدهش (الذي عقد الاجتماع في بيته) وحامد السيد علي ونعيم حميد حداد , وقد تحول فرع الحزب الى قيادة قطرية عام 1954 وعين فؤاد الركابي (او انتخب في بعض الروايات) اول امين سر لهذه القيادة , حتى انشقاقه عام 1960 وتحوله الى التنظيمات القومية الناصرية المؤيدة لتوجهات الرئيس المصري جمال عبد الناصر, ادت تداعياتها السياسية لاحقا الى مقتله على يد عبد الرزاق الدليمي احد عملاء المخابرات البعثية في سجن بعقوبة عام 1971 .
بعد ذلك استمر انتماء العديد من الافراد الى التنظيم البعثي السري - وخاصة من سوق الشيوخ - التي كان يهيمن عليها التيار القومي المؤيد لحزب الاستقلال , وهو بالضد مما كانت عليه الحال في الشطرة , التي كان يهيمن عليها التيار الماركسي , ففي ربيع عام 1952 زار مدينة سوق الشيوخ القياديين تحسين معلة وفخري قدوري , واتصلوا بالشباب البعثي فيها , كان ابرزهم يعقوب الحمداني وكاظم علي العيد وزودوهم بكراسات حزبية . كما تم كسب بعض الطلبة في متوسطة سوق الشيوخ وهم كلا من : جاسم علي العبد ومظاهر ناصر ومحسن الدهش وعلي حداد , فضلا عن اعضاء اخرين انضموا لاحقا وهم : داخل السيد موسى وناصر محمود الفرج وعلي الدلي وكاظم الدلي وكاظم علي مشاور وصبري العيدان ووليد العيدان وناصر العيدان وحلمي الحمدي وصالح خضر العطر وحازم جواد .
تشكلت قيادة فرقة الناصرية لحزب البعث بعد توسع التنظيم الحزبي فيها , وكان على راس قيادته يعقوب صادق الحمداني وعضوية عدنان الدهش ونعيم حداد وكاظم علي العيد وعبد الله الركابي , واستمرت قائمة حتى عام 1955 وانعقاد المؤتمر القطري الاول , حيث حضره ممثلين عن فرقة الحزب في الناصرية .
لم تشفع الاقدمية في التنظيم البعثي في مدينة الناصرية لقيادات الحرس القومي بعد انقلاب شباط 1963 في التجاوز المخجل والقبيح على ابناء هذه المدينة واعراضها , فقد تسلم قيادة الحزب في الناصرية المهندس فهمي روفا (المتزوج من شقيقة طارق عزيز وشقيق الطيار منير روفا الذي هرب بطائرة الميغ 21 السوفيتية / العراقية الى اسرائيل عام 1967) الذي كان منسبا لاادارة احدى المشاريع في الناصرية , وكان انسانا متعصبا وحقودا وسىء الخلق , فبعد حصول الانقلاب ومقتل الزعيم عبد الكريم قاسم , سيطرت ميليشيا الحرس القومي التابعة لتنظيم حزب البعث على اقضية ونواحي المحافظة باجمعها , وقاموا بعمليات اعتقال وتعذيب ضد اتباع ومؤيدي الحركة الشيوعية في الناصرية , وتجاوز لامثيل لها في العراق اجمع , يقارب لما كان يحصل في العاصمة بغداد , وكان مقر الاعتقال والتعذيب هو بيت امر الحامية العسكرية في محلة الاسكان والمكتبة العامة وسجن الخيالة ومدرسة خالد بن الوليد ومدرسة الهدى , ويبدو ان قوة التنظيم الشيوعي في المحافظة والاعتقاد الراسخ عند المؤيديين له والاقدمية التي يتميزون بها , الدور الابرز في تطرف الحرس القومي , فضلا عن الخلفية العشائرية والريفية المتاخرة لقيادات حزب البعث التي تفتقر للتحضر والاعتدال , وكان من اهم القيادات التي قامت بتلك الاعمال والتجاوزات : نعيم حداد واخيه علي حداد وعبد الله سالم وغازي سيف وكريم السيد خلف وعباس حمادي وغازي سيف السعدون وبدر جابر العيد مسؤل الحرس القومي في مدينة الناصرية وعكاب سالم الطاهر مسوؤل الحرس القومي في سوق الشيوخ .(الكاتب في جريدة الزمان حاليا) وغيرهم . وقد صور كراس (المنحرفون) الذي نشره الرئيس عبد السلام عارف بعد انقلابه على البعثيين في تشرين الثاني 1963 تلك الاعمال المشينة التي قام بها الحرس القومي في الناصرية . لكن المفارقة تكمن ان اول تظاهرة خرجت ضد الحرس القومي في العراق اجمع كانت في الناصرية يقودها القيادي البعثي السابق معاذ عبد الرحيم , وذكر ان السبب هو التجاوزات التي قام بها قائد الحرس القومي في عموم اللواء فهمي روفا في المدينة , ادت الى اعتقاله مع مجموعة من المتظاهرين .
وذكر معاذ عبد الرحيم ان القيادة القومية لحزب البعث في سوريا - وبعد فصلها فؤاد الركابي - بسبب الاشكالية المتعلقة بمحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , وادعاء القيادة بعدم معرفتها بالمحاولة , واصرار الركابي على معرفة ميشيل عفلق بها فضلا عن مباركته لها , تم تعيين علي صالح السعدي كامين سر للحزب في العراق بدلا من الركابي , الا ان معاذ عبد الرحيم رفض هذا التعيين , لما يتصف به السعدي من تطرف وانفعالية , فقامت القيادة القطرية بفصله من الحزب مع عدد من الرفاق الذين اتخذوا نفس الموقف في البصرة والناصرية والعمارة , وسعى لتاسيس تنظيم حزبي جديد هو (الطليعة الثورية لحزب البعث) وانضم اليه العديد من كوادر الحزب في باقي المحافظات , الا ان اعتقاله عام 1961 ادى الى تحول هذا التنظيم للعمل تحت اسم (حركة القوميين الديمقراطيين) بزعامة فؤاد الركابي , وهو تنظيم ناصري التوجه وليس بعثي .
كما افتتحت فروع اخرى في الناصرية للاحزاب السياسية العلنية في العراق , اهمها فرع حزب الاستقلال القومي المعتدل الذي يراسه محمد مهدي كبة من قبل السادة – كما في كتاب الحصيني - : المحامي عبد الستار الحران والمحامي عبود جايد العلوان والمحامي عبد الجبار الهادي والكاتب معن العجلي والشاعر رقيب احمد اليوسف والاديب عبد الصاحب ليلو العزيز . وفرع للحزب الوطني الديمقراطي صاحب التوجهات الليبرالية المعروفة الذي يراسه كامل الجادرجي من قبل السادة : عبد الحسن علوان وجبر غفوري صاحب مكتبة الاهالي في الناصرية والسيد ارشيد السيد محي والمحامي كامل حيدر والقاضي كاظم الهداوي والمحامي راضي البلداوي . كما افتتح فرع للحزب في مدينة الرفاعي - كما ذكر ذلك عدنان عبد غركان في كتابه (تاريخ مدينة الرفاعي) - بلغ عدد اعضائه عام 1952 مايقارب (180) عضوا ابرزهم : ملا علي الحسن الشويلي وحسن السعدي وعزيز عباس طويرش ورشيد علاوي الحاج فتيت والسيد سلمان السيد كريم وعبد الحسن الحاج جعفر ومحمد علي الحاج جعفر وناجي الحاج محمد الفارس وعبد الكريم الشيخ جبير البهادلي وصالح الخير الله وجودي السعدي ومجبد الحاج جاسم الجصاني وجعفر السعدي وجميل عبد علي الحلي , وذكر ان السكرتير العام للحزب حسين جميل زار مدينة الرفاعي للاطلاع على تنظيمات هناك , كما ان رئيس الحزب كامل الجادرجي زار المدينة ايضا عام 1961 لنفس الغرض . وقد حدثني الاستاذ غالب ارزيج ان جماعة من اهالي مدينة النصر قاموا بافتتاح مكتب او فرع للحزب الوطني الديمقراطي في الستينيات , ولانعلم هل انه فرع مستقل ام تابع لتنظيمات مدينة الرفاعي .
اما حزب الامة الاشتراكي ذو التوجهات الليبرالية الذي اسسه صالح جبر عام 1951 فقد كان انتشاره كبيرا جدا في الناصرية بالقياس الى الاحزاب الاخرى , بسبب تصدي اثنين من اهالي مدينة الناصرية لزعامة الحزب وهما صالح جبر والسيد عبد المهدي . وذكر الحصيني ان من اهم ابناء الناصرية الذين انضموا لحزب الامه الاشتراكي : الشيخ حمود المزيعل والشيخ سعدون المشلب والشيخ سليمان الشريف والسيد رفيق السيد عيسى ( مؤسس جريدة الامة الناطقة الرسمية للحزب) وحبيب الخيون والشيخ محسن بدر الرميض والمحامي محمد حسن العضاض الذي اصبح مسؤل قيادة الحزب في الناصرية عام 1952 والمحامي شاكر الغرباوي وعبد زيدان وطه المحروث والسيد عبد السيد محمد والشاعر حمدي الحمدي وملا خضر سلمان ومحمد جدوع والحاج عبود الجازع . فيما كان اهم الاعضاء في مدينة الرفاعي : عبد الحسن الحاج سلمان والشيخ مجيد الخير الله والسيد عبد السيد محمد والسيد عكار السيد دخيل والسيد خلف السيد غانم والمحامي علي باقر والشيخ شلاكة المزعل ومصطفى حمدان , واستمر الحزب قائما حتى سقوط النظام الملكي وعلان الجمهورية عام 1958 . وقد تعرض حزب الامة الاشتراكي الى انتقاد شديد وهجوم لاذع من اصحاب التوجهات الثورية واليسارية , بسبب انتماء الكثير من شيوخ العشائر لهذا التنظيم واختياره مفردة الاشتراكي كدلالة للكسب الحزبي في اسمه , فضلا عن موالاته للحكومة والنظام الملكي والتوجهات الليبرالية التي يحملها , وكان من اهم هؤلاء المنتقدين الكاتب والمنظر الماركسي المعروف عزيز السيد جاسم الذي اكد ان الاشتراكية كانت مقياس عصرية الشخص .... ومادام الامر هكذا اخذت الاحزاب العميلة على المكشوف ترفع شعار الاشتراكية زورا مثل حزب الامة الاشتراكي الذائع الاشتراكية !!
كما افتتح فرعا لحزب الاتحاد الدستوري الذي اسسه نوري السعيد عام 1949 والذي يتبنى التوجهات الليبرالية الخاصة بالعهد الملكي ، من قبل الشيخ محمد المنشد الحبيب شيخ مشايخ ال غزي وعبد الغني حمادي وفرهود الفندي والشيخ موحان الخير الله والشيخ خيون العبيد والشيخ صكبان العلي والشيخ حمودة المزيعل وعبد الصاحب السنيد . وقد ذكر الاستاذ حسن العتابي في مقال نشره في جريدة الزمان ان بعض وجهاء مدينة النصر كانوا قد انضموا في اواخر الخمسينات الى حزب الاتحاد الدستوري , وكانت تصل اليهم الصحف الخاصة بهذا الحزب .
فضلا عن ذلك فقد تاسست في الناصرية العديد من الخلايا التابعة للجناح المنشق عن الحزب الشيوعي العراقي والمعروف باسم (القيادة المركزية) الذي يراسه عزيز الحاج , الذي انشأ مع تنظيمات ماركسية اخرى خلايا مسلحة في اهوار الشطرة في نهاية الستينات , ساهمت بقيام انتفاضة الغموكة في اواخر حكم الرئيس عبد الرحمن عارف من عام 1968 , اهمها تنظيم (منظمة الكفاح المسلح) بقيادة امين حسين علي الخيون الاسدي (وهو من اهل الناصرية) واعتقل في شباط 1968 , وتنظيم (فريق من كوادر الحزب) بقيادة خالد احمد زكي (الذي اطلق عليه اتباعه تسمية جيفارا العراق) الذين تصدوا لقوة من الجيش علمت بمكانهم في الهور المذكور , ادى الى اصابة قائد احدى الطائرات (الهيلوكوبتر) ومقتله في الحال ومن ثم اسقاطها مباشرة , الا ان العملية نتج عنها مقتل ثلاثة من اعضاء التنظيم ابرزهم القائد خالد احمد زكي واعتقال اخرين , اثنين منهم من اهالي الناصرية هما : الكاتب عقيل حبش الذي حكم عليه بالاعدام , الا انه لم ينفذ بسبب قيام الانقلاب البعثي في تموز 1968 (ونشر عن هذه الانتفاضة كتابا بعنوان الحلم العظيم) . والاخر هو السياسي والكاتب المعروف عبد الامير الركابي , الذي حكم عليه بالمؤبد , وليس الاعدام مثل الاخرين , بسبب تعاونه الكامل مع السلطة الحاكمة اثناء التحقيق , ونشر عن الانتفاضة ايضا كتابا بعنوان (انتفاضة الاهوار المسلحة في جنوب العراق 1967 – 1968 : 45 عاما ومايزال القتال مستمرا) . والملاحظ عن هذه الحركة البائسة - التي سميت بالانتفاضة - انه قد تم اسطرتها لاحقا من قبل كثير من الكتاب ذوي التوجه اليساري , والسبب في ذلك انعدام التاريخ النضالي او الكفاح المسلح عند الشيوعيين العراقيين وانشغالهم بالتنظير والادب والمساومات السياسية مع السلطة , والارتهان للكسل في المقاهي والبارات والمنافي في الدول الاشتراكية سابقا والغربية لاحقا , فكتب عنها (بالاضافة الى الكاتبين السابقين) المنظر الماركسي عزيز السيد جاسم في روايته (الزهر الشقي) الذي ذكر فيها هذا النص الصريح (ان جرحي يدفعني الى الاهوار .... ساذهب .. ساخوض التجربة , وهناك رفاقي واصدقائي ساكون معهم ... لقد عزمت على ذلك ) والاديب السوري حيدر حيدر في روايته (وليمة لاعشاب البحر) التي اثارت ضجة كبيرة في التسعينات , لاحتوائها على مضامين الحادية وتجديفية صريحة , والكاتب نعيم عبد مهلهل والاديب احمد الباقري وغيرهم . واذا استثنيا السوري حيدر حيدر فان جميع الكتاب الباقين هم من اهل الناصرية . علما ان الحزب الشيوعي العراقي قد انتقد الكفاح المسلح في الاهوار على لسان سكرتيره عزيز محمد واعتبرها مغامرة صبيانية لانهم ( حاولوا ان يقلدوا جيفارا في هذه القضية , ولكن حتى جيفارا فشل عندما قلد جيفارا ) .
واما بخصوص تاسيس حزب الدعوة الاسلامية فيكفي ان نعرف ان احد ابناء الناصرية وهو السيد طالب الرفاعي كان له الدور الابرز في ( قدح الزناد) - كما يقول حسن شبر - في بلورة فكرة تاسيس الحزب , وعرضها على السيدين مهدي الحكيم ومحمد باقر الصدر عام 1957 , فيما كان اول فرع للحزب في الناصرية قد تاسس - كما يقول الحصيني - عام 1963 بادارة السيد طاهر حسن ملحم الياسري , وتالف من جواد كاظم العتابي وعبد الغني شكر الشمري وعبد الصاحب حسين وعبد الرضا شريف عليخ . واستمرت التنظيمات قائمة حتى مطلع الثمانينات عندما تعرضت الى هجمة شرسة من قبل السلطة البعثية الحاكمة ادت الى انزواء الخلايا وتلاشيها .
اما تنظيمات ومجموعات الاحزاب الاسلامية امثال خلايا تنظيمات المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق ومنظمة العمل الاسلامي وغيرها ، فقد كانت لها حضور واضح ومتميز في مدينة الناصرية , لاسيما في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي , التي استلهم الثوار جهادها ورفضها للديكتاتورية البعثية في انطلاق الانتفاضة الشعبانية او الشعبية في اذار عام 1991 , والتي كانت باكورة اندلاعها في المدن التي تقع على حافة الاهوار في الناصرية , وليس في البصرة كما هو شائع خطا في بعض المصادر التي ارخت للانتفاضة وانطلاقها واحداثها , ولاسيما اسطورة الضابط الذي ضرب صورة او جدارية صدام حسين في ساحة سعد من خلال فوهة الدبابة , التي لم يشاهدها احدا بعينه حتى الان , وتناقلها الناس كقصة او حقيقة مسلم بها , وربما هى جزء من عملية تبييض صفحة الجيش العراقي السابق وتقديس تاريخه وافعاله , والايحاء بتعاطفه وتضامنه مع الشعب في مواجهة الاستبداد والحروب العبثية للنظام البعثي السابق .
2 ـ الصحافة السياسية :
اما الصحافة السياسية في الناصرية فهي لا تقارن بالحراك السياسي السابق وهو العمل الحزبي المنظم . اذ تتميزت بالضعف والقصور بسبب عدم وجود المطابع المحلية في المدينة بالقياس الى العاصمة بغداد او النجف مثلا ، وانتشار الامية في المجتمع , الذي يجعل عملية البيع والتوزيع او التلقي ضعيفة جدا وغير مجدية , اومقتصرة على نخبة من المتعلمين والمثقفين واصحاب التوجهات السياسية . فضلا عن ذلك ان اقوى الاحزاب السياسية واكثرها انتشارا في الناصرية كانت سرية او محظورة من العمل العلني في الاساس , وبالتالي فان السلطة لاتسمح لها باصدار الصحف والمجلات اونشرها , لذا كان اعتمادها الرئيسي على توزيع المنشورات او الصحف القادمة من بغداد .
الا ان هنالك عاملا اخر ساهم في ضعف الصحافة السياسية في الناصرية , برز في عقد الستينيات وهو هجرة الكتاب والمثقفين ــــ والذين بالطبع يمتلكون رايا سياسيا خاصا ـــــ من الناصرية الى بغداد , رغم المفترض ان يأخذوا على عاتقهم تطوير العمل الصحفي والسياسي في المدينة . وكان من ابرز هؤلاء : الروائي والقاص عبد الرحمن مجيد الربيعي والناقد والروائي الدكتور محسن الموسوي والكاتب والمنظر اليساري عزيز السيد جاسم والمؤرخ علي عبد الامير الحيدري والشاعر قيس لفته مراد والشاعر صلاح نيازي والشاعر كاظم جواد وغيرهم . وقد عمل هؤلاء في المؤسسات الصحفية الاهلية منها والحكومية . فقد اشرف عبد الرحمن مجيد الربيعي على الصفحة الادبية في جريدة (الانباء الجديدة) , فيما عمل محسن الموسوي في صحف ومجلات عديدة اهمها (النور والعرب وابناء النور والثورة وصوت العرب) واما عزيز السيد جاسم فقد ترك مجلة الناصرية عام 1969 وانتقل الى بغداد مشرفا على القسم السياسي في جريدة الثورة الرسمية , ثم بعدها مجلة الغد شبه الرسمية وانتهى به المطاف في مجلة وعي العمال ... وكانت دوافع هذه الهجرة متعددة ومتباينة ، فبعضها لاسباب سياسية وايديولوجية , والاخر هو الرغبة بالشهرة والانتشار في الاوساط الثقافية والادبية في بغداد . وربما كان البحث عن فرصة للعمل والسعي وراء اجواء الحرية الشخصية هو من الاسباب الكامنة وراء ذلك .
واما الصحف السياسية في الناصرية فهي توزعت على المراحل الثلاث الاساسية في تاريخ العراق (صحافة العهد الملكي وصحافة العهد الجمهوري وصحافة العراق الديمقراطي بعد عام 2003) واول صحيفة سياسية في الناصرية هي جريدة (البطحاء) وصدرت عام 1946 ورأس تحريرها الباحث والمؤرخ (شاكر الغرباوي) الا ان جريدة البطحاء لا نستطيع ان نعدها جريدة سياسية بالمعنى التقليدي ، اي ذكر الاخبار والاحداث والتفاصيل السياسية اليومية ، وانما هي سياسية بالمعنى الفكري العام , من حيث الموضوعات العامة والتقارير السياسية ذات التوجهات الوطنية .
واما جريدة (اللواء) فهي جريدة يومية سياسية صدرت ايضا عام 1946 لصاحبها عبد الغفار خضر , واستمرت بالصدور حتى نهاية عقد الستينيات . فيما تعد جريدة (صوت الطليعة) اول جريدة سياسية في العهد الجمهوري ، وهي ايضا اول جريدة ايديولوجية في الناصرية صدرت عام 1958 , اذ كانت مقربة او تابعة تحديدا للحزب الشيوعي العراقي , واستمرت حتى انقلاب 8 شباط 1963 وكانت تغطي اخبار واحداث المحافظات الثلاث في العهد الجمهوري (البصرة ، الناصرية والعمارة) . ثم صدرت في العام التالي ـــــ اي عام 1959ـــــ جريدة سياسية اسبوعية اسمها (الاماني) وراس تحريرها فاضل جميل واستمرت بالصدور حتى انقلاب 8 شباط 1963 .
اما جريدة (صوت الجماهير) فقد كانت ثاني جريدة ايديولوجية صدرت في الناصرية في العهد الجمهوري . اذ كانت تابعة للتنظيم البعثي الذي تسلم السلطة بعد انقلاب 8 شباط 1963 ووقعت تحت هيمنة السلطة انذاك . وقد صدرت في تموز عام 1963 واستمرت حتى انقلاب عبد السلام عارف على البعثيين في تشرين الثاني من نفس العام , التي اسماها البعثيون بردة تشرين السوداء . وقد راس تحريرها محمد عبد الغني الحمادي . فيما كانت مجلة (الناصرية) التي صدرت بعددين فقط عام 1969 وراس تحريرها مدير تربية لواء الناصرية عبد الاله ناصر الوائلي ومدير تحريرها عزيز السيد جاسم ، اول مجلة ايديولوجية قومية – يسارية في الناصرية .
وفي عام 2000 صدرت جريدة (الناصرية) , وكانت سياسية حكومية بامتياز غطت اخبار السلطة وحزب البعث الحاكم في بغداد والمحافظة ، لكنها احتوت ايضا موضوعات ادبية وتاريخية هامة ، واستمرت بالصدور حتى سقوط النظام عام 2003 .
واما الصحافة السياسية في العراق الديمقراطي التي صدرت في محافظة ذي قار, فقد كانت عديدة ومتنوعة حتى قد يصعب الاحاطة بها , لان كل قضاء اوناحية في المحافظة يصدر جريدته او مجلته الخاصة به . فضلا عن ذلك ان اغلب الحركات والتنظيمات السياسية والحزبية في المحافظة كانت ايضا تصدر الصحف والمجلات الخاصة بها التي تعبر عن آرائها وتوجهاتها والانشطة التي تقوم بها .
واول هذه الصحف التي صدرت عام 2003 هي (الناصرية) ثم (الناصرية اليوم) من قبل المجلس البلدي او المحلي لمدينة الناصرية . ثم صدرت بعدها جريدة (سومر) وكانت سياسية محلية مولت من قبل مجلس محافظة ذي قار . ثم صحيفة (الجنوب) و (عراق الصدرين) التابعتين لمكتب السيد الشهيد الصدر في الناصرية . ثم بعدها جريدة (سومر) التي صدرت من قبل مكتب حركة الوفاق الوطني في الناصرية . فيما كانت جريدة (شباب الرافدين) من اهم اصدارات مكتب منظمة بدر في الناصرية
الخاتمة
تتميز مدينة الناصريه والاقضيه والنواحي التابعه لها بانتشار التوجهات والتيارات الراديكالية والثورية النضالية – حسب تعبير محمد اركون - التي تطرح حلولا ايديولوجية - يوتوبية جاهزة بالقياس الى المنطلقات الليبرالية والديمقراطية , وانعدام ظاهرة تبني القيم والمفاهيم الليبرالية او تاييد الاحزاب والتنظيمات التابعة لها , سواء اكان في العهد الملكي او في العهود اللاحقة , والتي بقيت ضمن صفوف النخبة البرجوازية والانتلجنسيا التنويرية . ويبدو ان النزعة الملحة للتغيير والثورة كان لها السبب الاساس في تبني تلك المطارحات , فضلا عن ضغط الواقع الذي يطالب بتوفير العدالة الاجتماعية وفرص العمل ومكافحة الجوع والمرض والجهل اولا , وليس الحريات العامة او الشخصية والتعددية السياسية .
وقد افرزت هذه الظاهرة السلبية ظاهرة اخرى ملازمة لها وهى متلازمة عصاب الغرب .... وعصاب الغرب يعني كراهية الدول الغربيه والحقد عليها والتوجس منها دون سبب عقلاني , والنيل منها دون واعز او هدف موضوعي , ويرجع سبب انتشار هذه الظاهره في الناصريه بتطرف ليس الى هيمنة البنى الاجتماعيه المتاخره , وغياب المفاهيم الليبراليه والتنويريه لهذه المدينه فحسب , بل يرجع ايضا الى هيمنة التيارات الشيوعيه والقوميه والاسلاميه الثورية على النظام الثقافي والمعرفي لهذه المحافظه , التي عززت ورسخت تلك المتلازمة , وابلغ دليل على ذالك خروج شخصيات متطرفه مصابه بعقدة عصاب الغرب منها امثال : (يوسف سلمان يوسف المعروف ب(فهد) واخيه داود سلمان يوسف وفؤاد الركابي وحازم جواد ونعيم حداد وغالي زويد واحمد جمال الدين وعبد الله الركابي وحسين محمد الشبيبي (صارم) فضلا عن اتباع التيار الاسلامي الاصولي وغيرهم ) . والنصب الموجودة لشخصيات ثورية وراديكالية في المدينة كالسيد محمد سعيد الحبوبي , والمنظر الشهيد عزيز السيد جاسم في ناحية النصر , وتمثال العريف حسين ارخيص الذي تاثر بالتوجهات النازية في الحرب العالمية الثانية والاعجاب بشخصية الزعيم الالماني ادولف هتلر – كما هو حاصل عند اغلبية العراقيين , وقتله ضابط الاستخبارات البريطانية (جفريز) عام 1941. وقد نظر لهذا العصاب وروج له العديد من الكتاب والمثقفيين والادباء في المدينة , سيما بعد ان اصبحت الوطنيه - ليس البحث عن مصلحة الوطن اينما كانت - وانما كراهية الغرب والدول الليبرالية والراسمالية , وتاييد الدول الاشتراكية والشمولية ودعمها في مواجهة المعسكر الغربي حتى لو كانت استبدادية واحادية , وهو نهج تصاعد بقوة بعد الحرب العلمية الثانية واندلاع الحرب الباردة بين المعسكرين المتضادين , كان ابرز تداعيتها انحياز اغلبية الانتلجنسيا العراقية المازومة الى المعسكر الاشتراكي رغم القمع والاستبداد التي كانت تقوم بها ضد شعوبها .







اخر الافلام

.. أخبار عالمية | #إسبانيا تفعل إجراءات تعليق الحكم الذاتي في ك


.. أخبار عالمية | #طهران: عدم التزام واشنطن بالاتفاق النووي سيؤ


.. RT توثق شهادات مواطنين عن ممارسات -داعش-




.. هجوم انتحاري يستهدف مسجد -الإمام زمان- الشيعي في كابل


.. إصابة 4 أشخاص بعملية طعن في ميونيخ