الحوار المتمدن - موبايل



هل لدينا عملية سياسية وهل لدينا سياسيون؟

عباس علي العلي

2017 / 4 / 6
مواضيع وابحاث سياسية


من أصعب المفارقات اليوم في الواقع السياسي العربي عامة والواقع السياسي العراقي خاصة أن من يخوض غمار السياسة ليس مؤهلا أن يكون حتى مساعد لسياسي محترف، فاللعبة السياسية برمتها تقوم على عنصري الأحتراف الطويل وتراكم الخبرة والتجربة، وكلاهما مما يفقدهما الكثير من الرموز والفاعليات التي تبوأت مقاعد السياسين إفرازا لظاهرة متأصلة في المجتمعات التي لا تحكمها فلسفة عامة كلية في إدارة شؤونها، وهم أصلا أما نتاج تحولات عسكرية قادت البعض لتلك المقاعد، أو تحولات أيديولوجية تفرض شروطها الخاصة على واقع المجتمع سياسيا فتنحاز للولاءات الحزبية أكبر من جنوحها للحاجات الضرورية ومستلزمات العمل السياسي المهني.
العمل السياسي ليس تجريبيا يمارس من خلال أفتراضات مبنية على أحتماليات مطاطة قد تنجح أو تفشل في تحقيق مصلحة وطنية وأجتماعية ما، بقدر ما هو سعي لفرض نتائج من خلال أدوات معلومة ومنهج عملي ورؤية مرسومة بدقة وفقا لأدق التفاصيل، تربط بين الواقع كما هو وأحتمالات اللحظة والممكن المعقول والقدرة على التسخير، ودون هذه العوامل الأساسية يتحول العمل أي عمل كان إلى ممارسة هواية الغرض منها أشباع حاجة للتسلية وليس مرتبطا بواقع ومصالح ومصير ووجود مجتمع، عالم السياسة اليوم محكوم بمعادلات وقوانين وأفتراضات تخضع أما لمنهجية سياسة القوة بشكلها الحاد عندما تمتلك فعليا مصادر القوة، أو تعمل ضمن نظرية قوة السياسة حينما تكون قادرا على ممارسة اللعبة السياسية بذكاء وأحترافية في مواجهة أقسى الخصوم، حتى وإن لم تنجح النظرية الأخيرة في حصاد مكاسب كبيرة، فإنها لا تفشل أبدا في نيل مكاسب معقولة مع أحترام حقيقي للسياسي القوي الذي لا يفرط ولا يهادن نتيجة شعوره بالفشل في تحقيق كامل الهدف ومعظم النتيجة.
التجربة الميدانية التي نتلمسها من خلال التتبع التأريخي لواقع السياسة العربية والعراقية خلال القرن الماضي والمايقارب من العقدين في هذا القرن، نجد أن قليلا من الشخصيات التي حظيت بالأحترام والتقدير لبراعتها السياسية وثقافتها العامة، ومرد هذا الأمر أن النظم السياسية في الغالب الأعم، تتمركز حول شخصنة القيادة أما ملكا أو رئيس جمهورية، وبالتالي فهو العامل الحاسم في رسم السياسة ومهندسها أو أنه يتبع إملاءات خارجية توجه وترسم السياسة، أما بقية المنظومة التي تدير البلد فهي مجرد صدى أو ترديدات لمقولات القائد والزعيم، ولا تساهم إلا بقدر جزئي في التأثير أو المشاركة في صنع وتشكيل القرار أو الرؤية السياسية، هذا حول النمط العملي للتعامل مع السياسة من أختيار الكفاءات والتجارب والخبرة، إلى مفهوم أخر يتمثل بالمهارة الشخصية لرجال الدولة في مغازلة القائد والزعيم لكسب الود والرضا، بدل مهمة صنع ثقافة تعاطي ناجح مع الواقع والتغلب على الإشكاليات والمشاكل السياسية.
هذا الناتج الترتيبي فرض على ما يسمى بالعمل السياسي العربي صورة من البعثرة واللا إبالية والخسائر المتتالية، في الوقت الذي يجتهد الأخرون من حولنا على تأصيل لمفهوم العمل السياسي المنظم والمحترف والأقدر على فهم حاجات البلد والمجتمع والتعامل معها على أنها قضايا كلية وليست مجرد فعل ورد فعل يسوق ونتعامل معه بشكله العام من خلال مصلحة الحاكم ورؤيته الذاتية، هذا الواقع المر لم يمنح السياسة كمفهوم مدني أجتماعي علمي دورا مهما في صنع بيئة حقيقية تنتج ساسة مقتدرون قادرون على حماية المصالح الحيوية للمجتمع بمهارة وتقنية أحترافية، مما يهدد ليس فقط بضعف في العمل الجمعي المعبر عن ثقافة وتطلعات ومصالح المجتمع، بل يتعداه إلى تأثير أبعد على النواحي الأجتماعية والمعرفية والقانونية أيضا.
إن ما يحير أيضا أن التبدلات الكونية والتغيرات في العمل المفاهيمي وتطور الوعي الأجتماعي بأهمية العمل الممنهج لم ينجح في دفع المنظومة السياسية العربية عامة والعراقية خاصة إلى تحديث بنيتها، وإلى مزيد من المهنية في الحد الذي يمكننا أن نسمي الواقع السياسي بمسماه الصحيح، كما أن تركيز كل السلطات في يد جهة متحكمة يسلب المنظومة السياسية فاعليتها ويحيد الأختصاص والخبرة في محاولة لمحكات الهيمنة السلطوية والأستجابة لرغباتها، وتقزيم للمؤسسة الفاعلة وتغريب واقعي وعملي لها، في الوقت الذي تعيش فيه المجتمعات العربية إشكاليات عدة، من تثبيت لوجودها المجتمعي وأنتهاء بعلاقاتها مع الأمم والمجتمعات الأخرى، لقد ضحى نظام الحكم العربي بأهم وأول الأدوات المفصلية التي تساهم في بناء مجتمع حقيقي ببديل تافه وذيلي عندما جعل الأنتماء لعقل السلطة أنتماء لكل الوطن والمجتمع وبديلا عنه.







اخر الافلام

.. خطة عسكرية جديدة في اليمن


.. ميسي.. 30 عاماً


.. إسرائيل تصعد الوضع العسكري في الجولان




.. واشنطن وسوريا.. استشراف الأسوأ بعد الرقة


.. -جحا- في شوارع تركيا