الحوار المتمدن - موبايل



الهتيف والسحيج والعريف

مروان صباح

2017 / 4 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


الهتيف والسحيج والعريف

خاطرة مروان صباح / منذ اللحظة الأولى ، كان ومازال أستاذ المدرسة ، عندما يريد ، حسم مسألة الفوضى في صفه ، يقوم على الفور ، بتكليف المشاغب في عرافة الصف ، وأيضاً ، هذا يحصل في المظاهرات ، تجد على الدوام الهتيف ، هو من يُكلف ، بمناداة شعارات المرحلة ، لأنه ، الأكثر شغباً بين الجموع ، وهذا ينطبق تماماً ، على السحيج ، فهو ، الزئبق الذي من الصعب الإمساك به ، يقضي الليل كله في عنترات التفحيل ، ومن ثم يخلد إلى النوم كصوص ، وعندما يتطور ويكبر في العمر ، يتحول إلى صَفِيق ، يحتل مكان في الصفوف الأمامية أو في البرلمانات ، التى تُصنف ، بالسرك المصغر ، لكن ، ما يلفت الانتباه ، أن عريف الصف ، مع مرور الزمن ، أيضاً يقع عليه التطوّر ، حيث ، يصبح عريف حفل ، وقد يكون هذا العريف ، مثقف ، صحفي ، كاتب ، شاعر ، رغم ، أن أغلب الاحتفالات تكون لسياسيون ، أو ربما ، حفلات غناء وطرب أو أمسيات شعرية ، لكنها ، من نوع ثقيل ، فيصبح عريف الحفل ، حتى لو كان شاعراً ، شَاعِر ولا شاعر ، وهنا ، لو رفع المرء بعض الشيء من التخيل ، من أجل تصور المشهد ، هكذا ، هل يقبل الجمهور مشاهدة ، الشاعر محمود درويش ، عريف حفل ، على سبيل المثال ، يقدم فيه ياسر عرفات من أجل إلقاء خطاب ، أو دعونا نتساءل بطريقة أخرى ، هل من الممكن تصور ، حسنين هيكل ، الصحفي ، أن يكون عريف حفل ، سيلقي فيه عبد الناصر خطاب ، حتى لو كان تاريخي ، أبداً ، فهولاء ، منذ بداية مشوارهم الثقافي ، كانت مسألة الاعتزاز بالنفس محسومة لديهم ، فهناك شعور منذ الصغر ، يستشعر به المبدع ، أنه سيكون يوماً ما مبدعاً ، وهذه الأمور لا تليق بمبدع ، بقدر أنها تليق ، فقط ، بلسان ينطق ، لغة سليمة ونحو صحيح .

هناك نرجسيتان ، الأولى ، تجهل قدرتها ، كما حصل مع نرسيس ، عندما تحول النهر إلى مرآة ، عكست جمال وجهه ، فكان النهر الفخ الذي أدى به إلى الغرق ، لأنه يجهل السباحة ، وأخرى ، تعّلم جيداً قدرتها ، لهذا ، الوقت مسألة أساسية لها ، تعتبره سر النجاح ، رغم أن الآخرون ، يفهموها على أنها مرض ، لكن ، التجربة البشرية ، تؤكد ، أن سر الفشل ، سببه اهدار الوقت ، وقد يكون المثقف ، أحياناً ، لا يجيد التعامل مع الوقت ، فالمدرك للوقت ، لا يقبل استنزاف وقته بين تسحيج وتهتيف وتعريف ، بل ، يدخر وقته ، من أجل إهداره في التفكير ، الذي ، لاحقاً ، سيُخّرج إلى البشرية انتاج نوعي وابداع يضاف إلى ابداعات سابقة ، لهذا ، هناك كثيرون لا يفرقون بين حركة الجسد والتفكير أو التأليف والترديد ، وبين ذلك وذاك ، يتحول المثقف ، احياناً ، إلى ناظر مدرسة ، عندما يقبل أن يكون عريف حفل ، بل ، كل ما ينقصه ، ليس سوى مسطرة أو خيررانة من أجل اسكات ، الأولاد في الاحتفالات .

هكذا هي الحياة ، أن تكون كامل أو متوعك ، لا ينفع معها القسمة ، أن تكون مثقف ، يعني أنك وضعت قدمك على سلم الإبداع ، والابداع لا يأتي بالإكتساب ، بقدر أنه كامن في النخاع ، يحتاج إلى مهارة الاستخراج ، لهذا ، في متابعاتي للفضائيات ، يلفت انتباهي ، نجوى القاسم ، هذه البنت ، هي ، خارج النص التقليدي للصحافة العربية ، تدير حواراتها ، كالعصفور ، تنتقل بخفة وبارتياحية ، تصل قدرة تنقلها إلى درجة السهل الممتنع ، تتكلم وتفكر بلسان المتلقّي ، وتبتعد في حواراتها عن الهجوم والاستفزاز ، بل ، تحتفظ بسرعة إدراكية ، التى تجعلها أن تبني علاقة مع الضيف ، من أجل استخراج المعلومة ، وهذا بحد ذاته ابداع فريد ، جعلها ، أن تتحول إلى مدرسة عربية جديدة ، في اُسلوب وكيفية الحوار ، وهنا نلاحظ ، أغلبية ضيوف فضائية الحدث ، يشعرون مع نجوى بأستاذيتهم وليس كمتهمين ، وأظن ، بل أرجح ، أنها اثقلت على كاهل من سيأتي في المستقبل بعدها ، وهذا يُلاحظ ، حجم الفراغ الذي يَحْدُث في غيابها .

المثقف عندما لا يستطيع مع مرور الزمن ، أن يتحول إلى مبدع ، يتحول إلى هتيف أو سحيج وينتهي الأمر به ، كالصوص يتكتك ، وليس ، عصفور يغرد ، قادر على الانتقال من سطح للاخر ، وأخيراً يشكل رؤية بانورامية شاملة ، تماماً ، كدافنشي ، الذي راقب نساء العالم ومن ثم ، اختصرهم بلوحة موناليزا . والسلام
كاتب عربي







اخر الافلام

.. مدّ وجزر.. بين بغداد وأربيل


.. إيران.. الاستراتيجية الأميركية والحسابات الروسية


.. قوات سوريا الديموقراطية.. مكاسب وتداعيات




.. تركيا.. حملة على خصوم أردوغان


.. سقوط داعش.. وملاذات مسلحيه