الحوار المتمدن - موبايل



الإرهاب القاتل بين بطرس الرسول وروح الرب !!

أبو مريم الشمالي

2017 / 4 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


سفر أعمال الرسل 5
1 وَرَجُلٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، وَامْرَأَتُهُ سَفِّيرَةُ، بَاعَ مُلْكًا
2 وَاخْتَلَسَ مِنَ الثَّمَنِ، وَامْرَأَتُهُ لَهَا خَبَرُ ذلِكَ، وَأَتَى بِجُزْءٍ وَوَضَعَهُ عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ.
3 فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ الْحَقْلِ؟
4 أَلَيْسَ وَهُوَ بَاق كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلَمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟ فَمَا بَالُكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هذَا الأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللهِ».
5 فَلَمَّا سَمِعَ حَنَانِيَّا هذَا الْكَلاَمَ وَقَعَ وَمَاتَ. وَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ.
6 فَنَهَضَ الأَحْدَاثُ وَلَفُّوهُ وَحَمَلُوهُ خَارِجًا وَدَفَنُوهُ.
7 ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ مُدَّةِ نَحْوِ ثَلاَثِ سَاعَاتٍ، أَنَّ امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ، وَلَيْسَ لَهَا خَبَرُ مَا جَرَى.
8 فأَجَابَهَا بُطْرُسُ: «قُولِي لِي: أَبِهذَا الْمِقْدَارِ بِعْتُمَا الْحَقْلَ؟» فَقَالَتْ: «نَعَمْ، بِهذَا الْمِقْدَارِ».
9 فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ: «مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجًا».
10 فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجًا وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا.
11 فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ.

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص تادرس يعقوب ملطي
أعمال الرسل 5 - تفسير سفر أعمال الرسل

حنانيا وسفيرة

قدم لنا الإنجيلي لوقا صورة مفرحة للكنيسة ذات القلب الواحد والنفس الواحدة مع شركة حية في العبادة والعطاء بسخاء. الآن يقدم لنا صورة مؤلمة لأسرة تطلب مجد ذاتها بروح الكذب، وإذ كان هذا الأمر هو أول حدث مؤلم داخل الكنيسة، كان رد الفعل حازمًا للغاية، ليقدم الروح القدس درسًا قاسيًا لمن تسول نفسه لاستغلال الحب الأخوي. وقد انتهى الأصحاح بصورة مفرحة حيث يغلب التهليل على حياة الكنيسة المضطهدة.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن ما حدث مع حنانيا وسفيرة معجزة أعظم من معجزة شفاء الأعرج، لأنها تكشف عن معرفة الروح القدس ما في القلب الخفي، ولأن ما حدث سبب خوفًا لدي كل السامعين.

نستطيع القول بأن المعجزتين متكاملتان، الأولى تكشف عن حب الله الفائق وحنوه نحو الإنسان، وأن الله لم يطلب منه حتى أن يؤمن قبل تلامسه مع الحب الإلهي، والثانية تكشف عن ضرورة الالتزام والأمانة في مخافة للرب، خاصة لمن قبلوا الإيمان وتمتعوا ببركات إلهية، فالحب الإلهي مرتبط بالمخافة، ومخافة الرب لا تنفصل عن الحب الإلهي.

حنانيا وسفيرة
في الأصحاح السابق تحدث الإنجيلي لوقا عن الكنيسة ككل وقد التهبت بروح الحب الحقيقي، ووُجد بينهم من هو مثل يوسف برناباس القبرصي الجنس، باع حقله وقدم كل ثمنه عند أرجل الرسل. غالبًا ما كان غنيًا جدًا، وكان ثمن الحقل فائقًا حتى ذكره القديس لوقا كمثلٍ حيٍ لما فعله المؤمنون في ذلك الحين. لكن في نفس الوقت وُجد بين الحنطة زوان، وبين المخلصين في حبهم لله والناس مراءون مثل حنانيا وسفيرة، يقدمون صورة جميلة في الظاهر، ويحملون قلبًا مخادعًا مملوء كذبًا، محبًا للكرامة والمال والعالم. هذه الصورة كان لا بُد للقديس لوقا أن ينقلها لنا حتى لا نضطرب حينما نجد في كل عصر عينات رائعة في الحب، وأيضًا أمثلة مرة في الرياء.

"ورجل اسمه حنانيا وامرأته سفيرة،
باع ملكًا". [1]

"حنانيا" كلمة عبرية معناها "يهوه حنان"، أو "منعم بسخاء". و"سفيرة" كلمة آرامية معناها "جميلة". إلاَّ أن كل منهما حمل اسمًا على غير مسمى، فلم يكن حنانيا يتمثل بالله الكلي الحنو، ولا اهتمت سفيرة بجمالها الداخلي.

افتخر شاب غنى أنه يتمم كل متطلبات الناموس، لكن الرب قال له (كما نقرأ في الإنجيل): "يعوزك شيء واحد، اذهب بع كل مالك وأعطِ الفقراء... وتعالَ اتبعني" (مر 10: 22)... يقول الرب: "اذهب بع" ليس نصيبًا مما لك بل "كل مالك وأعط الفقراء"، ليس لأصدقائك أو لأقاربك أو معارفك، ولا لزوجتك وأولادك. اذهب إلى أبعد من ذلك: لا تحتفظ بشيء لنفسك خشية أن تفتقر يومًا ما، لئلا بفعلك هذا تنال دينونة حنانيا وسفيرة؛ بل أعطِ كل شيء للفقراء، واصنع لنفسك أصدقاء من مال الظلم، فيقبلونك في المساكن الأبدية (لو 16: 9).
أطع سيدك: "اتبعني"! واقتنى رب العالم كملكٍ لك، فيمكنك أن تتغنى مع النبي: "نصيبي هو الرب" (مز 16: 5)، فتكون كلاويٍ حقيقيٍ، ليس لك أي ميراث أرضي (عد 8: 20-24)...

لا أستطيع أن أنصحك إلا بهذا إن أردت أن تكون كاملًا، إن رغبت أن تنال قمة مجد الرسل، إن أردت أن تحمل صليبك، وتتبع المسيح.
القديس جيروم

"واختلس من الثمن،
وامرأته لها خبر بذلك،
وأتى بجزء ووضعه عند أرجل الرسل". [2]

اقتضت أمانة القديس لوقا أنه كما سجل الوجه المشرق المجيد للكنيسة في بدء انطلاقها، أن يسجل أيضًا موقف الكنيسة ممن قبلوا العضوية فيها لكن بقلوب غير نقية ولا مخلصة. لقد سجل لنا ما فعله برنابا القبرصي الذي قدم ثمن كل أرضه المتسعة عند أقدام الرسل حتى لا يستكثر أحد على الكنيسة أن يقدم كل ماله كما يقدم حياته مبذولة. وها هو يسجل لنا تصرف حنانيا وسفيرة اللذين حملا صورة التقوى في شكليات ظاهرة دون حب حقيقي داخلي.
في كل عصر يوجد أمناء باذلون حتى الحياة، ويوجد داخل الكنيسة من يلتصق بالشكل دون الروح، ذلك من أجل محبتهم للعالم وارتباطهم بالمادة.
في بدء انطلاق الشعب إلى أرض الموعد وُجد عخان بن كرمي الذي اختلس وأخفي ما اختلسه وكذب، فصار في وسط إسرائيل حرام مما سبب هزيمة الشعب (يش 7)، فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة هو وأهل بيته. وها هنا في أرض الموعد الجديدة، في بدء كنيسة العهد الجديد وُجد حنانيا ومعه زوجته سفيره يكذبان على الروح القدس، ويختلسان من ثمن الحقل الذي كان في وسعهما -إن أرادا- ألا يقدما ثمنه.
الخداع هو عبادة أوثان، فيكونوا قد تمثلوا باللذين ذُكرا في أعمال الرسل، اللذين باعا ميراثهما، وإذ احتفظا بجزء منه هلكا بموتٍ سريعٍ فوريٍ.

تأمل يا أخي، فإنه ليس شيء هو لك كي تحفظه يقول الرب: "من منكم لا يترك كل ماله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا". لماذا تحمل قلبًا مسيحيًا متذبذبًا؟.
القديس جيروم

"فقال بطرس:
يا حنانيا، لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس،
وتختلس من ثمن الحقل؟" [3]

توقّع حنانيا أن يسمع مديحًا من الرسل ومن المجتمعين حولهم، إن لم يكن علانية فخلال نظراتهم وحركاتهم، لكنه فوجئ باتهامٍ موجه ضده، مع صدور حكم من الروح القدس يُنفذ فورًا! لم يُطلب منه دفاع وإثبات سواء لخطيته أو لتبرئته، لأن الحكم لم يصدره إنسان، بل الروح القدس فاحص القلوب.
كان يمكن للقديس بطرس أن يتحدث معه على انفراد، ويسأله أن يعترف هو وزوجته بما ارتكباه من كذب، وأن يحزم حنانيا وسفيرة الأمر بتوبتهما بغض النظر إن كانا يأخذا هذا المال ثانية أو يقدما كل المبلغ أو يعترفا أمام الجميع أنه ليس بكامل الثمن، لكن الروح القدس يعلم أن قلبيهما امتلأ شرًا، ولعل هذا الحدث جاء لملء كأس شر عاشا فيه زمانًا، ولم تعد هناك فرصة للتوبة.
لم يقل له: "قد جربك الشيطان" أو "أوحى إليك بالشر"، إنما يقول: "قد ملأ قلبك"، مما يشير إلى أن حنانيا قد فتح القلب لعدو الخير ولأفكاره مرة ومرات، وتركه يدخل ويملك تمامًا، فملأ القلب، ولم يعد للروح القدس موضع فيه.
"الشيطان" ومعناه "مخاصم"؛ وفي العبرية معناه "يجول ذهابًا وإيابًا". يقول عنه الرسول بطرس: "يجول ملتمسًا من يبتلعه". (1 بط 5: 8) ولما سأله الله من أين أتى أجاب: "من الجولان في الأرض ومن التمشي فيها". (أي 1: 7)
ينبغي أنتعرفوا بأننا نصير أجسادًا لهم (الشياطين) حينما تقبل نفوسنا أفكارهم المظلمة الشريرة، وعندما يصيرون هم ظاهرين بواسطة جسدنا الذي نسكن فيه.

تعمل الشياطين خفية، ونحن نجعلهم ظاهرين بواسطة أعمالنا.
القديس أنبا أنطونيوس الكبير

لما كان عدو الخير لا يهدأ من الجولان في الأرض ليحطم النفوس، فإن الله في محبته يبحث عن هذه النفوس حتى لا تهلك، إذ "أعين الرب الجائلة في الأرض كلها" (زك 4: 10)، وجاء رب المجد "يجول يصنع خيرًا". (أع 10: 38)
خطط إبليس لا أن يسحبنا من البركات التي لدينا، إنما يحاول أن يسحبنا إلى جرف صخري أكثر اندفاعًا. لكن الله في محبته لم يفشل في الاهتمام بالبشرية.

لقد أظهر لإبليس كيف أنه غبي في محاولاته. لقد أظهر للإنسان عظم العناية التي يظهرها الله له، فإنه بالموت وهب الإنسان الحياة الأبدية. لقد سحب إبليس الإنسان من الفردوس، قاده الله إلى السماء. فإن النفع أكثر بكثير من الخسارة.
القديس يوحنا الذهبي الفم

لم يوبخ القديس بطرس حنانيا لأنه لم يقدم المبلغ كله، إنما وبخه على الغش والكذب. لقد قدم جزءً من الثمن على أنه ثمن الحقل كله، وبهذا يتمكن من أن يأخذ من الصندوق العام ما هو لمعيشته هو وأسرته، فأراد أن يقتني المال مع المديح وينهب مما لا حق له فيه.
لعل حنانيا وسفيرة ظنا أنهما أحكم من كل الموجودين لأنهما يقدمان نصيبًا مما لديهما ويحجزا ما تبقى خفية خشية الأيام الصعبة أو الاحتياج. لم يثقا في كلمة الله ووعده وعنايته بهما، فانقسم قلب كل منهما بين خدمة الله والاهتمام بالزمنيات.
خطيتهما أنهما ظنا بأنهما قادران أن يخدعا الرسل وكل الكنيسة بأنهما تقيان، قدما كل ما عندهما، ولم يعلما أنهما إنما وجها هذا العمل ضد الروح القدس قائد الكنيسة الذي لا تُخفى عنه القلوب.
بعدما تمتع حنانيا بالروح القدس فتح باب قلبه للشيطان حتى يملأه ويملك عليه، فانحاز للشيطان ضد الروح القدس.
يوجد فرق بين الأنبياء القدامى والأنبياء الحديثين هكذا: تنبأ القدامى عن خلاص إسرائيل، ودعوة الأمم، وتجسّد المسيح، بينما يتنبّأ الأنبياء المحدثون عن أمور معيّنة أو شعب معيّن كما تنبّأ بطرس عن حنانيا كمثالٍ.
سفيريان أسقف جبالة

أليس وهو باقٍ كان يبقى لك،
ولمّا بيع ألم يكن في سلطانك،
فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر؟
أنت لم تكذب على الناس، بل على اللَّه". [4]
كان يليق بحنانيا أن يتّعظ بجيحزي الذي ظنّ أّنّه قادر أن يخدع معلّمه إليشع النبي فانطلق إلى نعمان السرياني يطلب فضّة وثيابًا، وعاد يكذب على النبي. لقد فقد جيحزي تلمذته، وإمكانيّة العمل النبوي، وسمع توبيخ معلّمه: "ألم يذهب قلبي (معك)؟" (2 مل 15). هذا وعلى مستوى الشعب يقول الرب على لسان إرميا النبي: "لأنّه خيانة خانني بيت إسرائيل وبيت يهوذا يقول الرب، جحدوا الرب وقالوا: "ليس هو، ولا يأتي علينا شرّ، ولا نرى سيفًا ولا جوعًا" (إر 5: 11-12).
لم يكن على حنانيا التزام مادي كرهنٍ للأرض، ولا معه أولاد لينفق عليهم، وكان يمكنه إن أراد أن يترك ما يشاء حتى المبلغ كله، فليس من ضرورة تُلزمه بهذا التصرف. لأن المعطي بسرور يحبه الله (2 كو 9: 7). وحينما طلب القديس بولس من فليمون أن يقدم عفوًا عن عبده أنسيموس الهارب لم يرد أن يكون ذلك قسرًا بل بكامل حرية إرادته (فل 14)، فإن الله لا يطلب العطية بل القلب. إنه لا يقبل أن يسكن في القلب المنقسم بين ملكية الله عليه وملكية إبليس، إذ لا يُسر باعوجاج الطرق، وأنصاف الحلول. وكما قال إيليا النبي: "إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل فاتبعوه" (1 مل 18: 21).
أوضح الرسول بولس أن كل خطية موجهة في الواقع ضد القدوس الذي بلا خطية، وكما يقول المرتل: "لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت" (مز 51: 4).
هل غضب بطرس، طالبًا موت حنانيا وسفيرة؟ قطعًا لا، إنما أراد الله ألا يهلك الآخرون باقتدائهم بهما.

لقد هلك لأنه خدع، وكان يمكنه ألا يقدم شيئًا بالمرة دون ممارسة الخداع. لكنه إذ دخل بالخداع إلى العمل لم ينتفع بحريته بل دفع ثمن خداعه.
القديس أمبروسيوس

لم تكن خطية حنانيا في احتفاظه بجزء من المبلغ، بل في كذبه وريائه حيث أراد أن يظهر كمن كرس حياته وممتلكاته بالكامل لله، بينما يحتفظ في قلبه بمحبة المال وملكية عدو الخير عليه. إنها خطية التكريس الصوري المزيف، إذ كذب على الله فاحص القلوب.
لقد قيل عن شاول الملك أنه فارقه روح الرب وبغته روح شرير رديء من قبل الرب أو بسماحٍ منه (1 صم 16: 14). هكذا إذ نال حنانيا الروح القدس لم يتجاوب معه، بل أصر على دخول الشر إلى قلبه ليملك فيه، فسقط تحت الحكم.
يرى البعض أن صدور هذا الحكم الذي يبدو لنا أنه سريع كان بسبب مركز حنانيا، إذ يرى لايتفوت Lightfoot أنه كان من المائة والعشرين الذين حضروا يوم الخمسين، وكان له دور فعّال للشهادة، لكن قلبه لم يكن مستقيمًا، ولا تجاوب مع الروح القدس. هنا تظهر خطورة القائد في الكنيسة، متى نال موهبة الخدمة بالروح القدس، لكنه لم يسلك بروح الله.

حينما يخطيء الإنسان، أيا كانت خطيته، فإن أبواب الرجاء مفتوحة أمامه، يقوده إليها الروح القدس بالتوبة. أما من يكذب على الروح القدس في تصميم وتنفيذ عملي، فإنه يعطي ظهره للروح القدس الذي يبكت على خطية، فلا تجد التوبة لها موضعًا فيه. خطية الكذب تفسد الإنسان، وتنقله من البنوة لله إلى البنوة لإبليس الكذاب وأب الكذابين (يو 8: 44).

كان حنانيا فقيرًا عندما باع أرضه وقدم المال للرسل، إذ لم يكن قادرًا أن يفي بالدين بل شغل نفسه بالأكثر (بالمال). وكانت الأرملة غنية، هذه التي قدمت فلسين في الخزانة، التي قال عنها المسيح: "هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من الجميع" (لو21: 3). فإن الله لا يطلب مالًا بل إيمانًا.
القديس أمبروسيوس

يجب على كل أحدٍ أن يعطى اهتمامًا عظيمًا لئلا يسلبه "الكذب"، لأن الكذاب لا يتحد مع اللّه.
الكذاب غريب عن اللّه. ويقول الكتاب المقدس بأن الكذاب هو من الشيطان إذ هو "كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8).
هكذا ُدعي الشيطان أبو الكذاب، أما الحق فهو اللّه، إذ يقول بنفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 6:14).

أما ترون إذن كيف أننا نصير غرباء عن اللّه بالكذب وبمن نتحد (عن طريقه)؟! لذلك إن أردنا بحق أن نخلص، يلزمنا أن نحب الحق بكل قوتنا وكل غيرتنا، ونحرس أنفسنا من كل كذب، حتى لا يفصلنا عن الحق والحياة.
الأب دوروثيؤس

وعد حنانيا الله أن يعطيه كل أمواله مترجيًا أن ينال مجدًا من الناس. لكن بحجزه جزءٍ من ثمن بيعه لممتلكاته لم يجنِ سوى غضب الله، من خلال كذبه على بطرس الرسول، ولم يكن في قلبه مكان للتوبة.
القديس باسيليوس الكبير

لم تشغل قلوب الرسل كميات الأموال التي تقدم عند أرجلهم، لكن ما كان يشغلهم الحب الذي في قلوب المؤمنين. لهذا فبروح القوة أراد الرسول أن ينتزع قناع الرياء الذي ارتداه حنانيا ليخفي محبة العالم التي سيطرت على قلبه. لم يشغله المال، بل النفوس لئلا تهلك حتى ولو قدمت أموالًا كثيرة للخدمة الكنسية في أية صورة من صورها.

جاءت كلمة "اختلس" هنا في اليونانية ذاتها التي ترجمت "خان" بالنسبة لعخان بن كرمي (يش 7: 1).

من يبيع ممتلكاته لأنه يحتقرها ويطلب جحد العالم يمكنه ألا تكون رغبته في بيعها كما لو كانت أمرًا عزيزًا لديه. لتعتبر ما تنفقه على ثوب عرسك كمن يقتني مالًا.
يوجد قول قديم أن البخيل يفقد بقدر ما يحتفظ به من مال كأنه لا يملكه.
المؤمن يملك عالم الغنى كله، وغير المؤمن ليس لديه فلس واحد.
لنحيا دومًا كمن لا يملك شيئًا، ونحن نملك كل شيء (2 كو 6: 10).
القوت والكسوة هما ثروة المسيحي (1 تي 6: 8).

إن كانت ممتلكاتك في سلطانك بعها، وإن لم تكن فأطردها.
القديس جيروم

لم يتهمه القديس بطرس بأنه خدعه، وإنما حاول أن يخدع الروح القدس. هنا واضح إدراك الرسول للروح القدس أنه ليس مجرد طاقة إلهية، وإنما هو أقنوم إلهي، يتعامل معه الشخص ككائنٍ، إذ هو الله. فإن الخطية مثل الكذب، لا تُوجه ضد سمة من السمات بل ضد الشخص. فالروح القدس ليس سمة إلهية بل هو الله ذاته.
الروح القدس هو الله فاحص القلوب، يعرف ما فيها من نية للكذب والرياء. فالروح يفحص كل الأشياء حتى أعماق الله (رؤ 2: 23)، يعود فيدعوه الرسول بطرس "الله" [4].

"فلما سمع حنانيا هذا الكلام وقع ومات،
وصار خوف عظيم على جميع الذين سمعوا بذلك". [5]
لم يصدر الحكم من بطرس الرسول شخصيًا إنما من الله، وما على الرسول إلاَّ الإعلان عن الحكم.
حتمًا لم يسلم حنانيا الروح نتيجة صدمة نفسية، إذ ظهرت أمام الجميع بشاعة خطيته التي لم يكن يتصور أن أحدًا ما سيعرفها، وإنما كان ذلك بسماحٍ إلهيٍ لبنيان الكنيسة.
"خوف عظيم": كان موضوع الكرازة ينصب حول حب الله الفائق للإنسان، وتقديره له. قلنا أننا حينما نتحدّث عن الحب يلزمنا ألا نتجاهل "مخافة الرب" بأنواعها الكثيرة. فالمخافة لازمة وضروريّة تتلمذ المؤمن الحقيقي كطفلٍ لترتفع به إلى الحب، أي تدخل به من الطفولة الروحيّة إلى النضوج الروحي؛ وإذ تسلّمه للحب لا تفارقه مخافة الرب، إنما تهبه خبرة جديدة وعميقة للمخافة. خبرة مخافة الابن التي لا تقوم على الخوف من العقوبة بل الابن الذي يحب أباه، ولا يقبل أن يجرح أحاسيسه، ولو بفكرٍ واحدٍ غير لائقٍ بأبيه.
ألا ترون كم من الشرور تنبع عن محبة المال؟ "وصار خوف عظيم على جميع الذين سمعوا بذلك" [5]. عوقب ذلك الرجل، وانتفع الآخرون بذلك. لم يحدث هذا بلا هدف.ومع ذلك فقد سبق أن صُنعت آيات، لكن لم يوجد مثل هذا الشعور بالمخافة. بالحق يقال: "معروف هو الرب بتنفيذ قضائه" (مز 9: 16).

حدث نفس الأمر في شأن التابوت، فقد عوقب عزة وحل الخوف على الباقين (2 صم 6: 7). في هذا المثال استبعد الملك التابوت عنه خوفًا، أما هنا فقد صار التلاميذ حذرين بأكثر غيرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم

خوف الرب يحث النفس على حفظ الوصايا، وعن طريق حفظ الوصايا يُشيد منزل النفس.
إذًا ليتنا نخاف الرب ونُشيد منازل لأنفسنا، حتى نجد مأوى في الشتاء حيث المطر والرعد، لأن من لا منزل له يعاني من مخاطر عظيمة في وقت الشتاء.
يقول يوحنا: "المحبة الكاملة تطرد الخوف إلى خارج" (1 يو 8:4)، فلماذا يقول النبي الطوباوي داود: "اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه" (مز 93:4)؟

هذا يكشف عن نوعين من الخوف:
النوع الأول أولي، والنوع الثاني خوف كامل.

الأول يخص المبتدئين، والثاني يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل.
فمن يطيع إرادة اللّه بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئًا. وأما الذي ينفذ إرادة اللّه بسبب حبه للّه لكي يرضيه، وقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التي يتمتع بها بوجوده مع اللّه ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذي يطرد الخوف البدائي إلى الخارج.
الأب دوروثيؤس

"فنهض الأحداث، ولفّوه،
وحملوه خارجًا، ودفنوه". [6]
جاءت الكلمة اليونانية المترجمة هنا "الأحداث" لتشير إلى خدام يقومون بخدمة الجماعة، وقد استخدمت نفس الكلمة عن العسكر بكونهم شبابًا (أع 5: 10).

ثم حدث بعد مدة نحو ثلاث ساعات أن امرأته دخلت،
وليس لها خبر ما جرى". [7]
يتساءل البعض لماذا أسرع الأحداث في تكفين حنانيا وإخراجه خارجًا ودفنه دون أن يعطوا خبرًا لزوجته؟
إذ دخل حنانيا بالمال بمفرده دون زوجته، وحدث هذا الموقف غير المتوقع لم يفكر أحد في تبليغ زوجته، وربما لم يعرف الكثيرون أنه متزوج.
كان من عادة الفارسيين وربما اليهود تكفين الجثمان ودفنه فورًا مادامت لا توجد النية في تحنيطه.

كان الموقف مثيرًا للغاية، وبقاء الجثمان في وسط الجمهور بهذه الصورة ربما يسبب تشويشًا وإثارة.
مجيء سفيرة بعد حوالي ثلاث ساعات، ربما لكي تنال شركة مجد زمني مع رجلها الذي قدم المال، يدل على أنها غالبًا ما كانت خارج أورشليم في بلدٍ بعيدٍ، لهذا جاءت مباشرة إلى الاجتماع ولم تكن تدري بما حل برجلها.

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لم يجسر أحد من الحاضرين أن يذهب ليخبر زوجته بما حدث، ولا عند دخولها أن يخبرها أحد، لأن الخوف حلّ بهم.

"فأجابها بطرس:
قولي لي: أبهذا المقدار بعتما الحقل؟
فقالت: نعم بهذا المقدار". [8]
يرى البعض أن حنانيا كان قد جاء في وقت ممارسة صلاة جماعية، وقد حمل في قلبه الكذب والخداع. وقد مرت نحو ثلاث ساعات وجاءت زوجته لتشترك في الساعة التالية. كان لديها الفرصة لتصحيح موقف زوجها، لكنها إذ كانت قد اتفقت معه على الاختلاس والكذب كذبت بإصرار: "نعم بهذا المقدار"

ربما عرفت من (قول الرسول) إن بطرس عرف السرّ. فإنه لماذا لم يسأل أحدًا آخر بل سألها هي؟ أليس واضح من هذا أنه يسألها لأنه عرف السرّ؟ لأن قسوتها كانت شديدة جدًا، لم تسمح لها أن تحاول الهروب من الجريمة، بل بكل يقين أجابت، لأنها ظنت إنها تتحدث فقط مع إنسانٍ. خطورة الخطية كانت تكمن في أنهما ارتكباها بنفسٍ واحدةٍ كما باتفاقِ بينهما مستقرِ.
القديس يوحنا الذهبي الفم

"فقال لها بطرس:
ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب،
هوذا أرجل الذين دفنوا رجلك على الباب،
وسيحملونك خارجًا". [9]

ما حدث لم يكن فكرة طارئة خطرت على حنانيا فنفذها، لكنها خطة تكشف عما في قلبي حنانيا وسفيرة معًا، فالاثنان مشتركان في جريمة الكذب، فكرًا وخطةً وتنفيذا.
"تجربة روح الرب": أرادا خداع الرب، كمن لا يكتشف ما في قلبيهما من خداع ورياء وحب للكرامة ومحبة المال. فعلا هذا محاولين أن ينظرا إن كان للروح القدس القدرة على إدراك جريمتهما.
إذ دخلت سفيرة إلى الرسل كان الأحداث قد قاموا بتكفين رجلها، وحملوا الجثمان إلى القبر خارج الأسوار، وفي طريق عودتهم اقتربوا جدًا إلى الوصول؛ كانوا لا يزالوا خارجًا عند الأبواب.
ما أجمل أن يتفق الزوجان معًا، لكن في الرب، لا في الشر. فقد اتفق آدم وحواء في عصيانهما للرب فدمرا حياتهما.

"فوقعت في الحال عند رجليه وماتت،
فدخل الشباب،
ووجدوها ميِّتة،
فحملوها خارجًا،
ودفنوها بجانب رجلها". [10]

ربما يتساءل البعض لماذا تمت العقوبة بالنسبة لحنانيا وسفيرة بهذه السرعة؟
1. إذ كانت الكنيسة في بدء انطلاقها، وكأول حدث في العهد الجديد فيه خيانة لروح الله وعدم أمانة ممن نالوا الروح القدس كان لا بُد من عقوبة رادعة تبرز خطورة مقاومة الحق، والانحياز للشيطان، وفتح الباب له، لكي يملك عوضًا عن الله. لقد قدم الرسل أعمالًا كثيرة تكشف عن حبهم كظلٍ لحب الله المطلق، وكان يجب أيضًا أن توجد مواقف حازمة حتى لا يفقد المؤمنون مخافتهم للرب. فالحب بلا مخافة صادقة يمكن أن يتحول إلى تسيب واستهتار، كما أن الخوف بلا حب يتحول إلى يأسٍ ودمارٍ.
2. كان يلزم أن يعلن الروح عن تنقية هذه الجماعة لتكون "كنيسة مقدسة بلا لوم"، فإنه لا يليق بكنيسة المسيح أن يوجد فيها مثل هذا الإثم. مع بغض الله للخطية أيا كانت، إلاَّ أن الرياء هو أخطر الخطايا، إذ يتسلل إلى الكنيسة، خاصة العاملين فيها. لهذا لم نسمع السيد المسيح يوبخ الزناة والعشارين وينتهرهم، بل مع رفضه لخطاياهم كان يجتذبهم بالحنو. أما المراءون فوبخهم بكل حزمٍ، في أكثر من موقف (مت 23: 1 - 38؛ مر 12: 15؛ لو 12: 1؛ 1 تي 4: 2؛ أي 8: 13؛ 13: 16؛ 15: 34؛ 20: 5؛ مت 7: 5؛ لو 11: 44). ما أراد الله أن يؤكده هو ألاَّ تحمل كنيسة العهد الجديد ما تسلل إلى كنيسة العهد القديم في ذلك الحين، وهو اتسام كثير من القادة بروح الكبرياء والزهو والرياء. كان الرب مهتمًا بالنقاوة الداخلية للكنيسة، فمن لا يبالي بهذا يتعرض للتأديب. كما يقول الرسول: "من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى، كثيرون يرقدون" (1 كو 11: 30).
3. مع ما اتسم به الرسل من بساطة في المظهر وفي الحديث، أكد الروح القدس السلطان المُقدم لهم في المسيح يسوع لكي يقودوا الكنيسة بروحه القدوس في طريق البرّ، في حنو وترفق بالنفوس التائبة مع حزمٍ بسلطان ضد كل فسادٍ يمس الداخل. هذا واضح من موقف الرسول بولس من الشاب الذي أراد أن تكون له امرأة أبيه (1 كو 5: 1-8) مطالبًا أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع. استخدم الرسول بولس هذا السلطان في التأديب السريع لعليم الساحر الذي كان يقاوم كلمة الله (أع 13: 8: 11).
4. في العهد القديم توجد مواقف كثيرة حلّ فيها التأديب الفوري لأجل بنيان الجماعة الداخلي، كما حدث مع عاخان بن كرمي (يش 7: 1-24)، والذي كان يجمع حطبًا في يوم السبت كاسرًا وصية تقديس يوم الرب (عد 15: 32 إلخ). وكما فعل فينحاس الكاهن مع الرجل الإسرائيلي والمديانية حين ارتبط الإسرائيليون بالوثنيات، واشتركوا معهن في تقديم ذبائح لآلهتهن (عد 25).
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حنانيا وسفيرة حين اختارا بإرادتهما أن يبيعا ما لديهما ويسلما الثمن عند أرجل الرسل، إنما قدما مالهما للتكريس، صار من نصيب الرب، مقدسًا لخدمته. وحين اختلسا من الثمن، إنما اعتديا على مقدسات الرب، إذ أخذا ما هو مقدس للرب لاستخدامهما الشخصي، وكأن خطيتهما هنا هي تعدي على مقدسات الرب.
يرى القديس أن ما فعله حنانيا وسفيرة يشبه ما حدث قديمًا حين جمع رجل حطبًا في يوم السبت، فاعتدى على يوم الرب المقدس له، وحُسب منتهكا للمقدسات، فاستحق الرجم.
إن كان من أجل جمع الحطب رُجم الرجل (لأنه دنَّس يوم السبت)، كم بالأكثر يستحق ذلك الذي يدنس المقدسات، لأن هذا المال قد صار مقدسًا. ذاك الذي اختار أن يبيع ماله ويوزعه وبعد ذلك سحب منه جزءً، فإنه قد دنس المقدسات... تدنيس المقدسات أيها المحبوبون هو أخطر جريمة، تحمل إهانة واستخفافًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم

ليكن مدحك صادرًا من معدة الجائعين، وليس من ولائم المتخمين الفاخرة. نقرأ في أعمال الرسل كيف بينما كان دم الرب لا يزال دافئًا وكان المؤمنون في حماس إيمانهم الأول باعوا ممتلكاتهم ووضعوها عند أقدام الرسل (ليظهروا أنه يجب أن نطأ على المال بأقدامنا)، وكان يوزع على كل واحدٍ كما يكون له احتياج (أع 4: 35). لكن حنانيا وسفيرة كانا وكيلين مملوءين جبنًا، وما هو أكثر أنهما مخادعان، فجلبا لنفسيهما الدينونة (أع 5: 1-11). فإذ نذرا أن يقدما مالهما لله كما لو كان هذا المال ملكهما وليس ملك الله الذي نذرا إليه ذلك، احتفظا بجزء من ذاك الذي لا يخصهما، خشية حدوث مجاعة، الأمر الذي لن يخافه الإيمان الحقيقي. جلبا لنفسيهما ضربة ناقمة مفاجئة التي لم يُقصد بها القسوة ضدهما، وإنما لتحذير الآخرين. في الواقع لم يستدعِ الرسول بطرس الموت بأية وسيلة عليهما كما يدعي برفوري Prophery في غباوة. إنما أعلن حكم الله بروح النبوة، إن مصير الاثنين هو مثال للكثيرين.
منذ وقت تكريسكِ للبتولية الدائمة، لم تعد بعد ممتلكاتكِ ملكًا لكِ، أو بالأحرى أنها بالحق قد صارت للمسيح. مادامت جدتكِ ووالدتكِ عائشتين يلزمكِ أن تفعلي بالمال كما تشاءان. لكن عند موتهما وراحتهما في رقاد القديسين (وأنا أعلم أنهما ترغبان في إحياء ذكراهما)، عندما تنضج سنينك وتصيري أكثر ثباتًا، ويصير تصميمك أقوى، تفعلين بمالكِ ما يبدو لك أنه الأفضل، أو بالأحرى ما يأمر به الرب، وتعلمين أنك لا تدخرين إلا ما تنفقينه على الأعمال الصالحة.
قد يبني آخرون كنائس ويزينون حوائطها بعد بنائها بالرخام والأعمدة الضخمة، ويطلون تيجانها بالذهب والزينة الثمينة، ويغطون أبواب الكنيسة بالفضة، ويزينون المذابح بالذهب والحجارة الثمينة. لست ألوم من يفعلون ذلك، لست أجحدهم. ليفعل كل واحدٍ حسب حكمه، ومن الأفضل أن ينفق الإنسان ماله هكذا من أن يخزنه أو يرقد عليه.
على أي الأحوال واجبكِ مختلف عنهم. رسالتك أن تكسي المسيح في الفقراء، وتزوريه في المرضى، وتطعيمه في الجائعين، وتحميه في الذين بلا بيوت، خاصة الذين هم من أهل الإيمان، وأن تعيني جماعات العذارى، وأن تهتمي بخدام إله المساكين بالروح؛ الذين يخدمون الرب نفسه ليلًا ونهارًا،

الذين يعيشون على الأرض الحياة الملائكية، ولا ينطقون إلا بتسابيح الله. إذ لهم طعام وكسوة يفرحون حاسبين أنفسهم أغنياء. لا يطلبون أكثر من هذا، مقتنعون بما يحفظهم في تدبير حياتهم. فإنهم إذ يبدأون يطلبون ما هو أكثر يظهرون أنهم ليسوا أهلا حتى للضروريات.
القديس جيروم

"فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة،
وعلى جميع الذين سمعوا بذلك". [11]
يقدم لنا القديس لوقا آثار ما حدث لحنانيا وسفيرة على الكنيسة في ذلك الحين:
تسمت الكنيسة بالمخافة للرب، فصار الحب لله ممتزجًا بمخافة صادقة [11].













اخر الافلام

.. مسلسل الجماعة 2 - النيابة تستمر في التحقيق مع -محمد بديع- و-


.. مسلسل الجماعة 2 - -الهضيبي- مرشد جماعة الإخوان يتبرأ من الجم


.. مسلسل الجماعة 2 - إعتراف صريح للشيخ -عبد الفتاح إسماعيل- بجر




.. مسلسل الجماعة 2 - ماذا كان هدف سيد قطب من وراء أفكاره التكفي


.. مسلسل الجماعة 2 - رسالة جماعة الإخوان المسلمين وأهدافها الحق