الحوار المتمدن - موبايل



العروبة وخلط ما هودينى بما هوقومى

طلعت رضوان

2017 / 4 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


العروبة وخلط ما هودينى بما هوقومى
طلعت رضوان
مع بداية القرن العشرين، بدأ بعض مثقفى الشام الترويج لفكرة (العروبة) وكان المتحمّـسون لها- بصفة خاصة- من أبناء الديانة المسيحية. انخدع كثيرون من المثقفين (المسلمين) بالفكرة نظرًا للعلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام، وأنهما مثل العملة ذات الوجهيْن. ورأى آخرون أنها من الممكن أنْ تكون (رابطة غيردينية) وبالتالى فإنه من الممكن أنْ تجمع مسلمى ومسيحيى الشرق فى كيان واحد، يكون بداية لتوحيد الدول العربية، بينما رفض المتعصبون للإسلام فكرة المتحمسين للعروبة، وكان من بين الرافضين صاحب (جريدة العرب) التى تصدرفى الأستانة، فأنكرعلى المسيحيين (عروبتهم) ولكن (جريدة المؤيد) ذات التوجه الإسلامى/ العروبى شجـّـعتْ قبول فكرة العروبة، فكتب أحد محررى الجريدة مقالا خاطب فيه صاحب جريدة العرب قائلا ((أنت أيها الكاتب تحاول أنْ تلقى بذورالشقاق بين قوم اتحدتْ مصالحهم واتحدتْ كلمتهم)) وأضاف ((كيف يضرب هذا الكاتب النصرانى (لاحظ قارئى اللغة الإسلامية التراثية) فى بلاد العرب هذه الضربة المؤلمة؟ فتضيع أصولهم التى يعتزون بها. خاصة وأنّ كاتب الأستانة خاطب مسيحى الشام قتلا : ما دمتم غيرمسلمين، فلستم من العرب، ولا العرب منكم)) ثم وصفهم بالجهل والحماقة (جريدة المؤيد- 27يوليو1910)
وهكذا يتبيـّـن أنّ (التمسح) فى العروبة تقابل (منذ البداية) برفض غلاة الإسلاميين، ولكن هذا الرفض (بكل أسف) تجاهله أغلب أصحاب التيارات (الرومانسية) الذين لم يستطيعوا التفرقة بين نوازع العاطفة، وبين اللغة الموضوعية (عن التعريف العلمى لمفهوم القومية) الذى ذهب إلى أنّ الخصائص القومية للشعوب، هى التى تــُـحـدّد الفرق بين شعب وآخر. ومن أهم وأبرزتلك الخصائص (ثقافته القومية) التى هى ((مجموع أنساق القيم التى أبدعها شعب من الشعوب عبـْـرتاريخه الممتد، وتشمل معتقداته وأساطيره، وحتى خرافاته ومعتقداته (بغض النظرعن الاتفاق معها أومعارضتها) وتشمل مجمل عاداته (من سلوك يومى على أرض الواقع) وتشمل نظرته للكون وللموت وللحياة، وموقفه من المرأة: هل يعتبرها صاحبة وجدان وعقل؟ أم أنها خـُـلقتْ لمتعة الرجل كما فى بعض ثقافات وأعراف بعض الشعوب؟
هذا التعريف العلمى تـمّ تجاهله، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، ودوربريطانيا فى إنشاء (جامعة الدول العربية) ثم دورالولايات المتحدة الأمريكية فى تدشين وتعزيزالمشروع الأنجلو/ أمريكانى لتعريب المنطقة، وكان عبدالناصرأحد أهم الذين اعتمدوا عليه بهدف ترويج مقولة (القومية العربية) وتوأمتها (الوحدة العربية) ومن هنا جاءتْ (كارثة الوحدة المصرية- السورية)
هلــّـل المتعلمون المصريون (والعرب) لتلك الكارثة باعتبارأنها (من وجهة نظرهم فاتحة خيرعلى شعوب المنطقة) وأعتقد أنّ أغلبهم انطلقوا من قاعدة (حـُـسن النية) المخلوطة والمعجونة بجهل معرفى عن الخصائص الثقافية والتاريخة (بل والجغرافية) التى ميـّـزتْ سوريا عن مصر. وامتدّ جهلهم المعرفى ليشمل (تجاهلهم) أنّ بريطانيا هى التى أنشأتْ جامعة الدول العربية عام 1945. وأكثرمن ذلك (جهلهم أوتجاهلهم) بما ذكره (عراب العروبة أ. هيكل) فى كتابه (الاتصالات السرية بين العرب وإسرائيل) أنّ ثمة وثيقة عبارة عن برقية وردتْ من وزيرالخارجية البريطانى إلى المعتمد الإنجليزى فى مصر، جاء فيها ((تستطيع أنْ تــُـقـدّم أى تأكيدات تقترحها لعزيزالمصرى باسم الحكومة البريطانية، وأنّ الحركة العربية لابد من تشجيعها بكل وسيلة ممكنة. ويمكن لعزيزالمصرى أنْ يبدأ فى تنظيم القوة التى يريدها. وتستطيع أنْ تضع تحت تصرفه ألفىْ جنيه استرلينى إذا كنتَ ترى ذلك مفيدًا. ولك أنْ تطلب منه أنْ يظل على اتصال بمكتب القاهرة للمخابرات البريطانية. وأنْ تتعهد له بأننا سوف نساعد الحركة القومية العربية بمقدارما يبدومن تأثيرها))
وكتب د. عبدالرحمن البيضانى نائب رئيس الجمهورية ورئيس وزراء اليمن الأسبق أنّ ايدن وزيرالخارجية البريطانى ((أعلن يوم 29 / 5 / 1941 فى داربلدية لندن أنه يدعوإلى إنشاء جامعة عربية. ووعد بمساعدة هذه الجامعة. وعندئذ أسرع مسيوكاتروالمفوض الفرنسى العام فى سوريا ولبنان فكتب إلى الجنرال ديجول يقول ((إنّ تبنى بريطانيا لقضية الوحدة العربية يجعلها تأخذ زمام المبادرة، لذلك يجدربفرنسا أنْ تدعوإلى نفس الفكرة وتنقل محورها من بغداد والقاهرة إلى دمشق وبيروت حيث النفوذ الفرنسى)) ثم ألقى إيدن خطابـًـا أمام مجلس العموم البريطانى يوم 24 / 2 / 1942 ألحّ على إنشاء جامعة عربية)) (أهرام 9 / 8 / 2003 ص 12) وكتب (ويلبركرين ايفلاند) فى كتابه (حبال من رمال- ترجمة على حداد- دارالمروج- لبنان- عام1985) أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ساعدتْ ((عبدالناصرليكون رجل الساعة)) (ص 202) ونقل عن (كوبلاند) مؤلف كتـــاب (لعبة الأمم) أنّ ((عبدالناصرسيـُـصبح قريبًا المتكلم باسم القومية العربية)) (ص 65)
لذلك لم يكن مستغربًا أنْ يـُـعلن عبدالناصرأنّ الدعوة إلى الفرعونية دعوة استعمارية، وقال بالنص ((استطعنا أنْ نرى أنّ الدعوة الفرعونية التى حاول الاستعمارأنْ يبثها ضمن الدعوات الأخرى التى حاول أنْ يبثها بين الأمة المصرية (لاحظ عزيزى القارىء التناقض) إنما هى محاولة زائفة يـُـحاول الاستعماربها أنْ يـُـقسّـم الأمة العربية ليقضى عليها جزءًا جزءًا ويقضى على العرب والقومية العربية ليحل محلها قوميات أخرى)) خطاب يوم 22 / 7 / 1959– نقلا عن مجلد مصلحة الاستعلامات المصرية– خطب عبدالناصرمن فبراير 1958– يناير 1960 ص 468) وقال أمام الشعب السورى يوم 9 مارس 1858 ((كنا نشعربكم فى هذه المنطقة من العالم وقد عزلونا عنكم وأرادوا أنْ يـُـقيموا فى مصربلدًا يتنكرلعروبته وينتمى إلى الفرعونية)) (المصدرالسابق ص 55) وعندما حضرعبدالناصرالاحتفال باكتشاف مراكب الشمس المصرية، قال لكمال الملاخ ((جئتُ أرفع معنوياتك وليس من أجل هذا الكلام الفارغ)) (نقلاعن أنيس منصور– أهرام 4 / 6 / 2001)
استمرتمسح بعض المسيحيين (فى العروبة) وبلغ ذروة ملحوظة عند (مكرم عبيد) الذى انشق عن حزب الوفد فقال ((يجب أنْ نعمل متضامنين على إيجاد الوحدة العربية، الوحدة التى تنهض على الاشتراك فى الآلام والأمانى والتاريخ واللغة والعادات والتقاليد وفى الخصائص الجنسية العامة. نحن عرب من هذه الناحية ولنا الفخرفى أنْ نكون كذلك)) (فى حديث له لمجلة "كل شىء والعالم"- 26سبتمبر1931) وأرجوملاحظة أنّ كلام مكرم عبيد (عاطفى) لاعلاقة له بلغة العلم، وبمراعاة أنه لا الدين ولا اللغة يصلحان لتكوين أساس الثقافة القومية لأى شعب من الشعوب، والدليل على ذلك أنّ الإسلام مُـنتشرفى أكثرمن دولة، وشعوب تلك الدول تتكلم لغات عديدة، فهل قال أحد أنهم (عرب) خاصة الذين اعتنقوا الإسلام من شعوب أفريقيا، ولغتهم الأولى إما الإنجليزية أوالفرنسية أوالإيطالية؟
وقد عبـّـرعن الخلط بين الدين والقومية الكاتب التركى (آدم قابيل) فى كتابه عن (مصطفى كمال أتاتورك) فقال: إنّ هذا الخلط يرجع إلى الإسلام، وإلى الحكام المسلمين الذين (فرضوا على المحكومين أوامرالدين ونواهيه، وصبغوها بحياة العرب الاجتماعية والمعيشية وفقــًـا لأعرافهم، التى كانت سائدة قبل الإسلام، واستمرّتْ بعد الإسلام. فاضطرالمحكومون على قبول تلك العادات (مذعنين) واختتم الكاتب تلك الفقرة قائلا : ولذلك استمرّالجهل بعدم التفرقة بين الدين والقومية، وأنّ (مثقفى) الشرق اعتبروهما شيئــًـا واحدًا (نقلا عن إسماعيل مظهر- فى كتابه "معضلات المدنية الحديثة"- دارالعصورللطباعة والنشر- عام1928- ص210)
وإذا كان العروبيون (من ناصريين وماركسيين) مازالوا على موقفهم الرافض الاعتراف بالخصوصية الثقافية لكل شعب، وبالتالى مشوا وراء البكباشى عبدالناصر، وردّدوا كلامه عن أنّ (مصرعربية) لذلك أرجوهم قراءة ما كتبه أحمد أمين (عن العرب) وبصفة خاصة عن عاداتهم وأعرافهم ولغتهم، التى هى مختلفة تمامًـا عن عادات وأعراف ولغة شعبنا المصرى (التى نتكلمها فى حياتنا اليومية، وقال المتعلمون عنها أنها "عامية العربية"، وهوقول لاعلاقة له بعلم اللغويات) ومن بين ما قاله أحمد أمين بالنص ((تختلف الأمم فى ميزاتها اختلافــًـا كالذى بين أفرادها، فهى تختلف فى عاداتها وتجاربها وفى منهج تفكيرها وكفايتها ودرجة عقليتها، ومقدارثقافتها، وحدّة عواطفها أوهدوئها.. وقد كان بين المملكة الإسلامية أجزاء من المغرب والشام ومصر، والعراق وفارس، وهذه الأمم تختلف فيما بينها كل الاختلاف)) وكتب أيضـًا ((والعرب أزالوا استقلال فارس. وحكموا مصروالشام والمغرب وأهلها ليسوا عربـًـا)) (ضحى الإسلام- مكتبة الأسرة- عام1997- ص23، 76) وأعتقد أنّ كلام أحمد أمين لايمكن الطعن عليه من صاحب أى عقل حر(بمراعاة دفاعه عن الإسلام فى كل كتبه)
وأعتقد أنّ رأى الكاتب السورى (ميشيل عفلق) مؤسس (حزب البعث العربى الاشتراكى) له أهمية خاصة فى سياق الكلام (عن العروبة) حيث قال ((كان النبى محمد كل العرب.. فليكن كل العرب محمدًا)) ومن نتائج خلطه بين الدين والقومية، كان يرى أنّ ((مفهوم العلمانية المُـتجذرفى التراث الأوروبى- خاصة فصل الكنيسة عن الدولة- من شأنه أنه يـُـفقد العروبة خصوصيتها المطلقة إذا فــُـصلتْ عن الإسلام)) (محمد جابرالأنصارى: تحولات الفكروالسياسة فى الشرق العربى- عالم المعرفة الكويتى عام1980- ص123) وقال لعبدالناصرجملة (نشرها هيكل فى أهرامه) مازلتُ مُـتحيـّـرًا فى تفسيرها ومغزاها، حيث قال له ((أنت عربى ولكن مصرليست عربية)) ثم تدورالأيام ويبدأ عبدالناصرسياسة اضطهاد البعثيين (لأسباب لاعلاقة لها بالعروبة، وإنما لرفض البعثيين الانصياع الكامل لكل أوامرعبدالناصر) وشمل الاضهداد ميشيل عفلق أحد عتاة العروبيين.
***







اخر الافلام

.. قمة القدس الإسلامية تلجم المطبعين


.. هل سيكون هناك رد مشترك على قرار ترامب خلال قمة الدول الإسلام


.. ترويج/ خارج النص- الدولة والكنيسة




.. هل تصدر قرارات جدية عن قمة منظمة التعاون الإسلامية بشأن القد


.. مؤتمر لتعزيز السلم وتقديم رؤية إسلامية للسلم العالمي في أبو