الحوار المتمدن - موبايل



الحرية والديمقراطية في عراق ما بعد الاحتلال

سمير عادل

2017 / 4 / 17
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


نحن الشيوعيون ننشد الحرية، ولا نستبدلها بالديمقراطية لان الاخيرة هي تقويض لمفهوم الحرية وتأطيرها فكريا وسياسيا وقانونيا لتتلاءم مع نظام حكم الطبقة البرجوازية، وعدم اعطاء الفرصة للعمال والمحرومين بإيصال ممثليهم السياسيين الى السلطة.
ان الديمقراطية لم ولن تكن تساوي الحرية، ولذلك عندما تتحدث البرجوازية بكل اطيافها وتياراتها في اي مكان من العالم، تحصر حديثها عن الديمقراطية متحاشية بشكل مباشر وغير مباشر وبكل الطرق الملتوية والدعاية المأجورة التطرق الى مفهوم الحرية.
وهي على حق اي البرجوازية، فالنظام الديمقراطي عندها محصور بصناديق الانتخابات، وصناديق الانتخابات بيد من له القدرة على الانفاق المالي على وسائل الاعلام والدعاية وعقد الندوات والاجتماعات الجماهيرية والتنقل بكل حرية في وسط البلاد وعرضها. وفي حال البلدان مثل العراق يضاف الى ذلك الانفاق استئجار المليشيات والقتلة المأجورين لحماية صناديق الانتخابات وتعيين الموظفين في المفوضية العليا للانتخابات لتغيير النتائج واضافة اصوات إذا اقتضت الضرورة. وبمجرد اعلان النتائج تصفق كل برجوازية العالم عن طريق ممثليها السياسيين لنجاح التجربة الديمقراطية في العراق، عبر الاتحاد الاوربي والبيت الابيض والجامعة العربية والمنظمة الاسلامية ومنظمة شنغهاي وG7 اي الدول الصناعية السبعة. وليس مهما ان تكون النتيجة صعود اية جماعة اسلامية او قومية، طائفية او لفيف من اولئك. وليس مهما ابدا خرق حقوق الانسان من قبل تلك الجماعات التي صعدت الى السلطة، ولا بأن ايادي اعضائها ملطخة بالدماء في حروب التطهير الطائفي او القومي، ولا انها متورطة بجرائم الفساد المالي والسياسي والاداري، المهم هو الحفاظ على شكل النظام السياسي الذي يتلاءم مع سياسة استثمار الدول الاعضاء في تلك المؤسسات للعمال والمحرومين في العراق. والديمقراطية التي هي ديمقراطية النخبة السائدة كما يسميها المفكر الامريكي نعوم تشومسكي، حيث اشار الى برنامج المواقف تجاه السياسة الدولية في واشنطن عبر استطلاع للرأي في اذار ٢٠٠٨ في اوج حرب احتلال العراق، بأن ٨٠٪ من الذين شاركوا في استطلاع الراي قالوا "ان البلد يدار بناء على مصالح الكبار الذين يحاولون حماية أنفسهم" وليس "بناء على مصلحة الشعب". وهنا نتحدث عن الولايات المتحدة الامريكية التي تعتبر اكبر ديمقراطيات العالم. بمعنى اخر حتى الديمقراطية التي اشتقت من الحرية وقصقصت اجنحتها ولوي عنقها يجب ان تكون على مقاس مصالح الطبقة البرجوازية الحاكمة من المؤسسات المالية والشركات الصناعية والبنوك.
من هنا نعبر الى العراق ما بعد الاحتلال، الذي ما زال الحمقى وحدهم ولا عزاء لهم، يغنون للديمقراطية التي جاءت الى العراق في الوقت التي تعاني اي "الديمقراطية" من ازمة سياسية وفكرية عميقة في عقر دارها. فمثلما صدر للعراق الاغذية الفاسدة والادوية الفاسدة والاسلحة التي اكل عليها دهر وشرب، صدر ايضا النظام الديمقراطي ومفاهيمه التي تآكلت هياكله في موطنه.
ان اكثر المفاهيم التي ترعب القوى السياسية الحاكمة وخاصة جناح الاسلام السياسي هو مفهوم الحرية. لان في الحرية تعني حرية التفكير، حرية النقد، وحرية الرأي والتعبير، والحرية السياسية، حرية التدين والالحاد. وتعني تلك الحرية هي حق الاضراب وحق التظاهر وحق التنظيم. والحرية التي هي حق الانسان في الاختيار ترعب القوى السياسية الحاكمة، لأنها بالحرية التي ستتمتع بها الجماهير تخسر امتيازاتها في السلطة والنفوذ وفي الفساد بكل انواعه. فليس عبثا على صعيد المثال لا الحصر ان المالكي هدد بتطبيق المادة ٤ ارهاب على عمال النفط في حال اندلاع اية حركة مطلبية من اجل الارباح او تحسين شروط العمل. لذلك ادخل العديد من المقولات السخيفة لتقويض كل اشكال الحريات في الدستور والقوانين بالحاق جملة يتلاءم مع الذوق العام اوالآداب العامة والامن الوطني والامن القومي..الخ من تلك الترهات.
وقد شاهدنا خلال هذه السنوات ومنذ استقرار شكل الحكم السياسي بعد الحكومة الانتقالية وتحديدا منذ حكومة المالكي الاولى، قتل وتصفية واعتقال وتعذيب العشرات من الصحفيين والناشطين وإطلاق النار على التظاهرات والاحتجاجات بحجج مختلفة وتشكيل اللجان التحقيقية لطمس الحقائق وضياعها.
ما شاهدناه في الديوانية من ضرب لمقر الحزب الشيوعي العراقي مؤخرا، هو خطوة للقوى الميلشياتية الحاكمة لقمع الحريات في العراق. وقبل مدة تحدث العبادي الى الصحفيين عن الحرية المتوفرة في العراق والتفاخر بها. لكنه تناسى وبشكل متعمد ان وجود الحريات النسبية اليوم في العراق لا يعود الى فخر الاحتلال وانجازاته، ولا الى انجازات ثلاثة حكومات لحزب الدعوة، بل يعود الى عدم استقرار الاوضاع الامنية والسياسية والصراع داخل العملية السياسية الذي لم يفض الى حسم السلطة السياسية. واذا تحدث اي مؤرخ بشكل موضوعي عن الحقبة التي مرت بالعراق منذ الاحتلال وحتى يومنا هذا، فلابد ان يشير الى ان احدى العلامات البارزة في "العراق الجديد" هو تدشين فصل جديد بشكل اكثر مأساوية لخروقات حقوق الانسان الى حد العظم. فقد جاء في مقال نير روسن "موت العراق" The Death of Iraqفي مجلة Current History واشار الى مقطع منه تشومسكي في كتابه صناعة المستقبل "لقد ذبح العراق ولن ينبعث من جديد، فقد مثل الاحتلال الامريكي للعراق كارثة اسوء من احتلال المغول الذي دمر البلد في القرن الثالث عشر".
ما نريد ان نقوله ان الحرية تنتزع ولا تمنح ولا تساوي الديمقراطية ابدا، وان تجربة الاحزاب القومية والاسلامية خلال السنوات المنصرمة كما اشرنا الى بعضها، لم ولن تكن اهلا للحرية. ويكفي الخداع واللهاث وراء خزعبلات تغيير المفوضية العليا للانتخابات والدعوة للمشاركة في الانتخابات، التي لن تكن الا اعادة لإنتاج نفس الجماعات ونفس الخطاب السياسي الذي يبعث على القيء. أما اكاذيب الجبوري والحكيم حول المجتمع المدني والدولة المدنية، هي الاخرى ليست سوى تفريغ لمحتوى الدولة العلمانية مثلما كانت الديمقراطية تفريغ لمحتوى الحرية.







اخر الافلام

.. اتهامات دولية لقطر بدعم تنظيمات إرهابية


.. موجز الأخبار - العاشرة مساء 24/05/2017


.. ما وراء الخبر-اقتحامات الأقصى.. رسائل إسرائيل الجديدة




.. ترويج-مقاه عتيقة


.. مقتل ثمانية مدنيين بقصف لمليشيا الحوثي وصالح على تعز