الحوار المتمدن - موبايل



فولتير والدين /ج2

يوسف الصفار

2017 / 4 / 20
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


فولتير والدين /ج2
(إن الخرافة موطن ضعف في ذهن الانسان وجزء لايتجزأ منه ولا ينفصل عنه , إن هذا الضعف كان موجودا وسيظل موجودا دائما ) ...فريدريك الاكبر ...
بعد زلزال لشبونة وبعد معارضتة لتبريرات الحكمة الالهية تسائل فولتير : كيف يتفق هذا الصراع الكوني الشامل وهذا الموت المذل المؤلم مع الايمان بإله طيب ؟؟ كتب اليه روسوا ( ان كل ما تعاني الإنسانية من علل وشرور , ان هو إلا نتيجة لأخطاء البشر , وأن زلزال لشبونة هو عقاب عادل للإنسان لتخليه عن الحياة الطبيعية , واقامته في المدن , ولو ان الناس التزموا الحياة البسيطة في القرى المتفرقة في دور متواضعة فلربما كانت الضحايا قليلة نسبيا ً, وينبغي أن نؤمن بان الله طيب خير , لان هذا هو البديل الوحيد للتشاؤم القاتل , وان نستمر مع ( ليبنتز ) على الايمان بأنه حيث إن الله خلق هذا العالم , فلا بد ان يكون وكل شيء على المدى البعيد حقا وصدقا ) .. حينها لزم فولتير الصمت لمدة طويلة ولما عاد للخوض ثانية في موضوع التفائل خرج على الناس باروع اعماله الذي يعتبر اكبر اثر له ..
نشر فولتير كتاب (كانديد ) أو التفائل موهما العالم بانه لايمت اليه بصلة .. لكن اسلوبه المرح الخفيف الطافح بالتهكم الشيطاني , اللاذع في بعض جوانبه مع ايمائات قليلة من الفحش والبذاءة وقليل من الادب الداعر تصحبها عبارات الهزل والغضب المهلكة والتي تنم على عدم التوقير .. يعطينا جزماً لابد ان يكون كاتبه فولتير ..
حاول فولتيرتضمين قصة المغامرة والحب شيئاً من الهجاء اللاذع لما ذهب اليه ليبنتز من تبرير العدالة الالهية في وجود الشر , ولمساوىء الدين , والصراع الطبقي والفساد السياسي والحيل الشرعية والرشاوي القضائية , و وحشية قانون العقوبات , و جور الاسترقاق , وما تجره الحرب من خراب ودمار ..
كانت فرنسا في القرن الثامن عشر لاتزال تعيش الاحقاد المذهبية .. خاصة بين الكاثوليك والهيجونوت ( طائفة بروتستانية ) ..استمرت من عام 1562 حينما قتل الكاثوليك في تولوز ثلاثة الاف من الهيجونوت مما تطلب احياء هذا الانتصار الكاثوليكي كل سنة . كان الهيجونوت محرومون من الحقوق المدنية ومورست ضدهم اعتى انواع التميز .. فلا يقبلون في الوظائف , ولايعترف لهم بشرعية زواجهم .. واذا قتل احد افراد عائلتهم .اتهموا العائلة نفسها بالقتل , ضنا منهم بان الهيجونوت يقتلون أفراد عوائلهم فيما اذا تحولوا الى الكاثوليكية.
خلال الفترة من عام 1761 حدثت فضائع بحق اسر من الهيجونوت راح ضحيتها افراد ابرياء لاذنب لهم سوى الضن بقيامهم باعمال هم بريئين منها .. حينها تدخل فولتير الذي لقب (بظمير اوربا ) بتلك الاحداث وهيأ كل مايستلزم منه ومن معارفه وحتى فريدريك الاكبر لكبح جماح هذه الوحشية .. فاذا كان للحكومة الحق في معاقبة الناس على اخطائهم فمن الضروري أن تتخذ هذه الاخطاء شكل الجرائم , وهذا لايتم الا اذا ازعجت هذه الجرائم المجتمع وعكرت صفوه , وقام فولتير بتوجيه خطابه الى الإله ( إنك لم تخلق لنا قلوب ليكره بعضنا الاخر, ولا الايدي ليقتل الواحد منا الاخر.. وان الفروق البسيطة في الطريقة التي نعبر بها عن ارائنا وعاداتنا السخيفة وقوانينا القاصرة لايتطلب من الناس ان تستخدمها كعلامات على الكراهية والاضطهاد المتبادلين .)
نتيجة لهذا الصراع .. تحولت مناهضة فولتير الى المسيحية .الى كره وبغض شديدين استمرت عشر سنين من حياته ( 1759-1769 ) فبدا باحتقار الاساطير والمعجزات وقداسة الاسرار ثم اخذ يشكك وبسخرية في المباديء المسيحية التي واجهت الناس , مثل التثليث وتجسد المسيح ( اتحاد الالوهية والناسوتية فيه ) واعترف كتوماس اكويني ليس في متناول العقل (او يشق على الفهم ), بان يكون موت المسيح وآلامه جاءت تكفيراً عن خطايا البشر .. في عام 1759 اصدر الملك مرسوم باعدام كل من يهاجم الكنيسة , فاطلق فولتير النذير , واخذ يصرخ باعلى صوته غاضباً ( اوقفوا هذا الرجس ) ..فاكتسب فولتير ابن الثمانية والستين عاما حيوية جديدة واخذ يستعمل ثيمته هذه بمثابة توقيع ..
فماذا كان يقصد بالرجس ..؟؟ هل اراد بهذا ان يقضي على الخرافة والتعصب والظلامية ؟؟ يبدوا انه اخذ على عاتقه تهديم الكنيسة او كل مذاهب المسيحية أو الدين اي دين ..لكنه كان دائما وسط هذه اللهجة يعلن ايمانه بالتوحيد فكتب الى دالمبير : ( آمل ان تقضي على الرجس , تلك نقطة هامة , يتطلب الى ماهي عليه في انجلترا ).. وقد نخلص الى ان الرجس يقصد به الدين عامة الذي ينشر الخرافة والاساطير والتحكم بالتعليم والسيطرة عليه .. ..
لدك حصون الرجس هذه جند كوكبة من الفلاسفة والمفكرين يفهم احدهم الاخر .. من الذين غرسوا بذور الحقيقة , امثال هيوم وديدروا ودالمبير وهلفيشيوس وغيرهم ..و كان هو على رأسهم . بخطة عمل ملخصها اضرب وأخف يديك , وطلب منهم ان يكتبوا دون ان يعلم احد من هو الكاتب , وطلب منهم ايضا التسلل الى الاكاديميات ومراكز النفوذ والوزارة اذا امكن , واعتبر تحويل رجالات السلطة الذين بامكانهم ان يأخذوا زمام المبادرة , اكثر نجاعاً من تحويل الجماهير, واستشهد ببطرس الاكبر الذي غير روح روسيا ..( شنوا الحرب ايها الاخوة جميعا على الرجس ببراعة .. ان كل ما يهمني هو نشر الايمان والحقيقة والنهوض بالفلسفة والقضاء على الخزي والعار اشربوا معي نخب ديدروا وامحوا الرجس .. اني احتضن قيمي في كونفيشيوس ولوكريتس وشيشرون وسقراط وماركوس اوريليوس وفي شيوخنا الاجلاء جميعا ..فاخرج هو من جانبه على مدى عشرة سنين نحو ثلاثين كتيبا صغيرا سهلة الحمل ورخيصة الثمن ..ً مستخدما اكثر من مائة اسم مستعار ..
في كتاب ( موجز القاموس الفلسفي ) قصد به ان يكون مصنعا لاخراج الحجج ضد المسيحية وهنا نجد مرة اخرى الاشياء التي لايمكن تصديقها في الكتاب المقدس وما فيه من حماقات ويتسائل في مقال المتناقضات : من خول الكنيسة سلطة الحكم بأن اربعة فقط من الخمسين انجيلا التي دونت في القرن الذي تلا موت المسيح هي وحدها معتمدة وموحى بها من عند الله ولماذا نبذت المسيحية شريعة موسى على الرغم من تكرار توكيد المسيح عليها ؟؟ وهل كان بولس الذي نبذ هذه الشريعة مرجعا اقوى من المسيح , ولماذا التناقض باعتبار ولادة المسيح من العذراء ثم يتعقبون نسبه الى داود الوغد عن طريق يوسف المزعوم الخامل ..
في طبيعة الحال لم يرق القاموس الفلسفي للأباء الروحانيين في مدينة جنيف وامر مجلس الخمسة والعشرين باحراق اي نسخة يجدها وكذالك فعل برلمان باريس وفي الوقت الذي انكر فولتير لسلطات جنيف ان القاموس من تأليف كتاب مجهولين . اعد مقالات اضافية لتلحق بالطبعات الاربع الاخرى التي طبعت سراً ..
جميع نصوص فولتير اخفاها تحت اسماء مستعارة وعناوين خداعة ( محاضرات في تفسير العهد القديم و رسالة الى الرومان , مواعظ الكاهن بورن , نصائح لأرباب الاسر , ..الخ ) لكن الشكوك كانت دائما تساور الفرنسيين بان فولتير هو المؤلف .. وتلك الحرب التي ارادها بعثت في روحه الحماسة والفرح ويبدوا انه كان مستمتعا بالرد على خصومه في غلظة وخشونة والحق يقال ان تفائلاً غريبا اعترى فولتير بعد زلزال لشبونة وكتابة كانديد , فراوده حلم انتصار الفلسفة على الكنيسة المتغلغة في احتياجات الناس .. فاذا كان اثنا عشر من صيادي الاسماك الأميين قد اقاموا المسيحية , فلم لا يستطيع اثنا عشر فيلسوفا ان يقضوا على تعاليمها وعلى محاكم التفتيش وكتب الى دالمبير عام 1767 ( فلنبارك هذه الثورة السعيدة التي نشأت في عقول كل المخلصين والامناء من الرجال في الخمسة عشر أو العشرين عاما الاخيرة , انها فاقت كل ما كنت اؤمل فيه ) وكان قبلها قد بين الى هلفشيوس ان هذا القرن بدأيشهد انتصار العقل ..







التعليقات


1 - الاستاذ يوسف الصفار المحترم
عبد الرضا حمد جاسم ( 2017 / 4 / 21 - 09:03 )
الاستاذ يوسف الصفار المحترم
اعتزاز و تثمين بك و بما قدمتَ و تُقدم...تابعت الجزء الاول بشغف و تركت لك تعليق اختفى مع نسخة الموضوع التي اختفت...حيث كان للموضوع نسختين الاولى على الصفحة المختارة تلك التي كتبت عليها التعليق و الثانية نُشرت بالتزامن على العمود الايسر...و كنت قد اخبرت ادارة الحوار المتمدن من انهم نشروا الموضوع مرتين...اول الجواب كان بحذف الموضوع من العمود الايسر و تركه في المختارة ثم بعد حين انقلب الحال فضاع التعليق
على كل حال ارجو ان لا يتسبب تعليقي هذا برفع المقالة من المختارة و نشرها في العمود الايسر
.........
شكراً على هذا الجهد و ذلك الاسلوب الجميل و نتمنى ان يظهر بيننا اليوم من يؤلف -عصابة- كعصبة فولتير لتهز سخافات الدين المتوحش الذي لم يرث من سابقية الا الدماء
دمتم بتمام العافية

اخر الافلام

.. كل يوم - عمرو أديب: الشيخ يوسف القرضاوي القطري ينتقد الحكومة


.. حلم قاطني المناطق العشوائية يتحول إلي حقيقة.. إحنا بقينا عاي


.. مصطفى فيلد: تفجير مانشستر يشكل ضغطا على الجالية المسلمة في ب




.. مستوطنون يـقـتحمون ساحات المسجد الأقـصى في الذكرى الـ50 لاحت


.. ترامب يلتقي البابا فرنسيس في الفاتيكان