الحوار المتمدن - موبايل



قيود أمّي-الفصل الخامس-2-

نادية خلوف

2017 / 4 / 21
الادب والفن


لو نستطيع أن نناقش أمر تميم يا حبي!
أرى أحياناً أن أمره لا يعنيك.
-كم أنت منافقة يا هذه! ألا يكفي أنني أطعمكما، ثمّ قولي لي: ما أمر تميم. دعيه يعيش التّقشّف دون دلال.
-لكن النّاس تعتني بأولادها، وترغب أن يكونوا أفضل ما في الكون.
-أنا لست مثلهم. سوف أبحث عن مستقبلي، وإن لم يفهم تميم هذا فهي مشكلته.
-يا للهول!
أرى حواره في حلمي.
أيمن كابوس جثم على عمري. الخطأ ليس فيه. أنا أخطأت بحقّ نفسي، فعندما قال تلك الكلمات كان عليّ أن أفهم أنّ موضوع تميم لا يعنيه. كان عليّ أن أتصرف. كان حبيبي يجسّد صورة النّحس بكل ما تعنيه تلك الكلمة من معنى.
من يوم عرفته، وأنا أفقد ذاتي. لولا تميم لكنت شكرت الحياة على رحيله، لكنّني لا زلت أدفع ثمن مكوثه فوق صدري وصدر عائلتي لفترة طويلة.
كان أيمن يمثّل دور الرّجل الخلوق، وفي إحدى المرّات كان أخي يبات عندي، رأيت اتصالاً على هاتفه أعني هاتف أيمن- في الواحدة ليلاً لفتاة تعمل في الإذاعة، تواصلت مع أمّي وقلت لها أن أخي لا يحق له فعل ذلك. قالت لي أمّي: ا فتحي عينيك يا ابنتي. ليس أخاك من فعل ذلك، وعندما تكرّر غيابه عن المنزل. قالت لي: لا أحد يغيب عن منزله. العائلة مهمّة ، لو تشرد الرّجل على المرأة أن تتصرف. عليك أن تعملي، وتجمعي النقود فهذا الرّجل لا يصلح زوجاً لك، ولا لغيرك.
أقفلت الباب على أمّي وصدّقته.
. . .
خرجت من الفردوس
إلى طريق لا أعرف إلى أين يوصل. لم أجد مأوى. لم أحسب حسابي كما فعل الآخرون .
أجد بشراً لا أعرفهم. يرمون عليّ السّلام بلغة غريبة. يبتسمون. تصوروا أن هناك بشراً يسلّمون عليكم ويبتسمون، ما أروع هذا!
كنت في الماضي أحاول أن أكون لطيفة مع الجيران، وعندما أحاول أن ألقي التحيّة يديرون وجوههم. أصبحت أضع غطاء رأسي على فمي عندما أسير، أطرق في الأرض ولا أرى أحداً، بدأ بعضهم يلقي التّحيّة فأتجاهله وأسير في طريقي.
-مرحبا عليا.
أهلاً بكٍ في بلاد المرج الأخضر.
هذه البلاد لا يصلها إلا قلّة من الكائنات بعضهم بشراً .
كنت في الماضي مريضاً، لعلكِ تعرفين ذلك، فقد كانوا يسمونني " الممحون" في الحي. لم أتزوج ورحلت إلى هنا. المرج مكان صالح للعيش. هربت من الفقر، رأيت نفسي في الفردوس، لم أكن قد ادخرت مالاً يكفي للإقامة في الفردوس. قذفني أحدهم ووصلت إلى هنا. كنت وحيداً أنا والدّبة "لطيفة" على هذا المكان الذي أسميناه المرج. لم تكن فكرتي. كانت فكرتها-أعني الدّبة لطيفة-.
قهرت الفقر، وعمّرت المكان. لا يعرف أهله سوى السّعادة. هكذا أحببت أن يكون. المرج هو مكان للسّعادة.
عندما فكرت بصنع هذا العمل الجميل قذفت بالنقود التي كانت معي إلى الفردوس علّ أحد الشيوخ يستعملها في تقوية قواه الجنسية للتعامل مع هذا الكم ن الحوريات. أردت أن أعمل الخير. تخلصت من النّقود، عقدت اجتماعاً مع الدّبة، وكنت آكل كما تأكل. بلغ عدد سكان المرج ألف شخص حتى الآن.
-جميل. ما قلت!
فعلاً رأيت النّاس تبتسم, ورود وخضرة وماء. شيء يبعث على التفاؤل، كما أنّك لم تعد ممحوناً أصبحت وسيماً كعجل ولد للتوّ.
-تعبير جميل. شكراً على الأعجاب!
ألم تسمعي بفتى الغابات؟ أشبهه. الفرق أنّني أتيت إلى المرج في عمر الأربعين، وكان وزني عشرين كيلو غراماً فقط. ضمتني بقرة إلى صدرها، أرضعتني حليبها. أشعر أنّها أمّي. لا زلت أتبعها. أمّي ماتت بعد عدّة سنوات من ولادتي. كانت ممحونة مثلي. لم يكن لدينا طعام. هنا لا تتنكّر الكائنات لبعضها كما هناك. أفكر أن أجعل إدارة المكان دوريّة ، فعائلة " بيّوض" الكلب يجب أن تحكم على سبيل المثال عاماً على الأقل. . .
. . .
نسافر، نطأ أرضاً لا نعرفها
نتعلّم النّفاق
نبحث عن دفء، حياة
يشدّنا حنين
نصّور أماكن من الخيال
نتأمّل
نتعرف على أنفسنا
لا يسرّنا الأمر
ندير ظهرنا لنا
الوقت يدركنا
لم نبدأ
ولن يكون البدء خطّتنا
. . .
لا نعرف ماذا نريد
ننسحب
ننتحب
ننام ، ولا ننام
نلطم أنفسنا
هل كان يمكن تغيير الأشياء
لا استحالة في التّغيير
لو غيّرنا أنفسنا
أيها الماضي لا تعد
فما كنت يوماً أحلى
ولم تعط من قلبك
إن عدّت فسوف نرحل نحن
ونبني من الوهم حكاية
قد تناسبنا
...
-من الذي يغنّي تلك الأغنيّة. كأنّها صادرة منّي.
تصدح في أرجاء المرج. هل أنت الذي تغنّي أيها الممحون ؟
-عفواً! لم يعد اسمي الممحون. توجني سكان المرج باسم " آمون" قال لي حكيم المرج:" الفرق بين ممحون وآمون هو فرق الزّمان، والمكان"
على كلّ حال. كلّ المنتمين إلى هنا تسكن تلك الأغنيّة فيهم. رأيناها تندلع إلى الفضاء، ولا نعرف من أين أتت.
-شكراً آمون على التّوضيح.
آمون أجمل، وأرقى.
لا أصدّق أنّني وصلت إلى مكان ليس فيه قهر. أتدري يا آمون؟ بدأت بالعدّ التنازلي تجاه نفسي: طفلة جميلة، طفلة ذكيّة، شابة جذابة، امرأة عاديّة، ومن ثمّ دبّة. لم أعد أكذب على نفسي. عندما عدت لها وجدت أنّني لا أحترم ذاتي، ورأيتني دبّة.
-علينا أن لا نؤنّث الأشياء ، فاسم دبّة تعني دبّ أنثى، كذلك علينا أن نحترم الكائنات الأخرى كي يحترمونا. هم لهم قانونهم أيضاً. مفاهيمك يا عليا عنصريّة كان عليك التعبير عن نفسك بطريقة أخرى على سبيل المثال:" تدنى احترامي لنفسي لأنّني قبلت الرّضوخ في المرّة الأولى، ولم أقذف بذلك الشّخص المريض الذي سوّلت له نفسه بقهري بأن أقذفه وأبدأ من جديد"
-يبدو أنّك تاجر شعارات جيّد.
لو كان الأمر كما تقول، لماذا كان اسمك الممحون ولم تستطع تغيير الواقع.
-الأمر بسيط. لم أكن أفهم نفسي. هل كان ذلك المكان مقدّساً. كان عليّ مغادرته بدلاً من أن أضع يدّي على خدّي. كان الأمر ممكناً. خفت من الفشل، وهل هناك فشلاً أكبر من أن يكمون اسمك" الممحون". لا يا عليا. أخطأت بحق نفسي. كنّا نعيش في غابة البشر، تلك الغابة تستعمل الأدوات في الصيد، وليس مهارتها.
- قد تكون على صواب فيما تحدّثت. لم يحدث القهر دفعة واحدة عندي. كنت أشربه قرب الطعام ثلاث مرّات في اليوم ، وهكذا أصبح رفيقي الدّائم. اعتقدت لزمن طويل أن عقلي مصاب بمرض ما. كنت أرى النساء وكأنّهن سعيدات. مادام الجميع مختلف فإنّ العذر فيًّ . كان العذر فيّ. كان عليّ أن أهرب مع ابني.
-ليست قصّتك وحدك يا عزيزتي، فقط كان عليك أن تنظري إلى عائلته، فقد قلت أنّهم لصوص. وأن يده طويلة كان يسرق بعض الأشياء الثمينة، وأنّك تعودت على الأمر واعتبرت أنه يقوم بأمر طبيعي، مع أنّك تربيت على الصّدق والأمانة. حتى وصل بك الأمر إلى أن سرقت له قمصاناً جديدة.
. . .
ما أجمل الحياة!
يمكنني البدء من جديد
يمكنني العودة إلى أصالتي
وأن أسكب سحري على الكون
يمكنني السّير، الرّكض، الحبّ
يمكنني كسب عيشي بأكثر مما توقعت
سوف أبدأ مرحلة تخلّد حكايتي
ويكون لي المجد
انتظر يا تميم. لا تخف من الحياة، لا تحزن، قالت لي معلّمتك أنّك حزين. سوف أعوّضك.
اجلس قربي. كبرت كثيراً في غيابي.
تشبه النّور.
تميم!
أين ذهبت؟
هل ستعود؟
هل سوف يعود تميم؟












اخر الافلام

.. دويك ... فنان يجسد اللحظة


.. بوكس أوفيس| تعرف على إيرادات السينما الأمريكية لهذا الأسبوع


.. وفاة الفنانة السورية المعارضة فدوى سليمان في باريس




.. محافظ الإسماعيلية: مهرجان الفنون الشعبية يوجه رسالة أن مصر ب


.. هذا الصباح- جولة في متحف خاص لتاريخ السينما