الحوار المتمدن - موبايل



هل إسقاط الحصانة عن -المُقَدَّسِ- شرطٌ أساسيٌّ لتحرير -العقل الإنساني- و العناية ب:-الفكر التنويري-؟

علجية عيش

2017 / 4 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


عندما تصبح العدمية "براديغم" المرحلة و تساهم في انتشارها بسرعة
هل إسقاط الحصانة عن "المُقَدَّسِ" شرطٌ أساسيٌّ لتحرير "العقل الإنساني" و العناية بـ:"الفكر التنويري"؟
(التنوير بين الدواعي الفكرية ومتطلبات المجتمع)

هل التنوير مشروع فكري نهضوي؟ و هل يرتبط جدليا بالنتائج البعدية ضمن علاقة الجدلي القائم بين القبل و البعدي، ثم ماذا عن البعد التطبيقي للتنوير؟ ..، يقول باحثون أنه يعني التعامل مع البراديغم التنويري، فالحداثات التطبيقية تسعى إلى النظر في مشاريع التنوير الحقيقية وفي معطلاتها وأسباب نجاحها، للمسألة رهانات سياسية و إيديولوجية حضارية بالأساس و ليست بيداغوجية، وقد زاد الحراك العربي السياسي في تأزم الوضع بين الموالين للفكرة و الرافضين لها، فمعزل عن العقائد و الإيديولوجيات التي سادت و دالت، فكل ما فرض و يفرض على الناس من سياسات سواء عن طريق القوة و القمع، كان مصيره الفشل

إن إنجازات العلم و التكنولوجية في عصرنا هذا تعلمنا أننا كلما زدنا علما، زدنا إدراكا لما لا نعلمه، و كلما اعتقدنا أننا زدنا سيطرة، تكشفت لنا ثغرات و صور انفلات لم تكن في الحسبان، فالتنوير بين الدواعي الفكرية ومتطلبات المجتمع في زمن الثورات إشكالية يتجدد طرحها بين المختصين و الباحثين لإيجاد صيغة لإخراج الشعوب من ظلمتها و تحريرها من قيود التبعية لنظام مستبد، فمصطلح التنوير من المصطلحات التي تثير اهتمام الباحثين و رجال الدين لما يحمله من ثقل معرفي غربي و شرقي، كما أنه حركة تحرُر و تحرير من عبودية الوصاية، و التغيير يجب أن يكون من داخل مؤسسات الدولة ، فلا يكون التنوير مجرد خطابا، بل يجب تحويله إلى ممارسات عملية في الواقع، هناك من رحب بفكرة التنوير حيث دعوا إلى المزاوجة بين رصيد العقل و استعمال المعرفة المتحررة للتغيير، و دعوا إلى ضرورة حماية اللغة العربية من الزوال لأنها جوهر التنوير، واعتبر آخرون أن طرح موضوع التنوير جاء متأخرا ودعوا كذلك إلى إرساء التنوير الإستراتيجي الذي يركز على آليات عقلية تنتج المعرفة أكثر من استهلاكها، في حين استنكر المخالفون مسألة التنوير واعتبروه مفهوما مسقطا لا يتماشى مع الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، حيث أشاروا إلى الخوف من الوقوع في مطب التحريف بموجب التنوير و التخلى عن الأصالة العربية الإسلامية من أجل إرضاء الغرب، فيما ذهب فريق ثالث إلى أن التنوير و التربية عاهات تتطلب مختصين ، و لذلك فالنخبة يجب أن تلعب دورا فعالا و أن لا تنعزل عن الواقع ،مراوحة بين التنوير العقلي و الروحي و محافظة على جانب التأصيل، فيما يرى البعض أن مسألة التنوير ليست نخبوية، بل هي مسألة تهم كل مكونات المجتمع، في مرحلة تضخم فيها العمل السياسي على حساب الجانب الثقافي والتنويري، ينظر البعض الآخر أيضا و هم المشتددون إلى قضية التنوير نظرة استهجان لاعتباره مرادفا للعلمانية، والحال غير ذلك إذ يقوم التنوير على استعمال العقل ورفض الوصاية والقصور الذهني.
و انطلاقا من مقولة ديكارت: "أنا أفكر أنا موجود" فلا معنى إذن للوجود بدون تفكير ذاتي، فتونس كأنموذج فهي تعد منطلق التنوير ومنشأ التنويريين بدءا من العلامة الطاهر بن عاشور والفاضل بن عاشور، و في هذا يرى عبد الفتاح مورو ( في تقرير أعدّه مركز دراسة الإسلام و الديمقراطية بتونس، وصلنا عبر البريد الإلكتروني) أن التنوير قضية قديمة منذ قدوم نابليون إلى مصر، حيث التف كل من محمد علي باشا والمشير أحمد باشا حول هذه المسألة لإيقانهم بحتمية هذا التوجه الفكري، وقد تم فتح مدرسة عسكرية درس فيها اللغات والفيزياء والكيمياء، أما بالنسبة إلى تونس، فقد أنشأت مدرسة عسكرية على يد الشيخ بن ملوكة والشيخ قابادو، إلا أنها بقيت تسير بنسق بطيء في هذا التوجه نتيجة اصطدامهم بأعداء الإصلاح ، و في اعتقاد عبد الفتاح مورو، فإنه من الضروري العناية بالفكر التنويري و الابتعاد عن الجهلة الذين جمعوا الإسلام بالتقليد والقصور العقلي، لنكون في مقدمة التغيير، وفي ما يتعلق بالقرآن الكريم، أشار إلى أنه كتاب وضع لإثارة العقل وإيجاد الحلول وليس كتاب وصاية، فقد بنى الإسلام الحياة على أن الإنسان مكرم ومستخلف في الأرض وهي منطلق البناء الفكري، و ذكر عبد الفتاح مورو أنه من أسباب فشل المجتمعات العربية إما حمل فكر تنويري خارج إطار ثقافة الأمة، أم أنه حمل لفكر تنويري من داخل المنظومة ولكنه غير قادر على تبليغ صوته وبالتالي اختيار الانعزال و البقاء على حافة الطريق.
يقول إنه من الضروري إذن غربلة التراث والتغيير على مستوى التطبيق وصنع عقل ناقد وقادر على الربط عن طريق السببية و واقع الناس، لأن المدرسة الفكرية الإسلامية تعطلت منذ القرن الخامس هجري لأن المسلمين يعتبرون المعرفة تكديس المعلومات في غياب عقل يعيها و يدركها، فعملية التغيير تتطلب إيمانا وعملا من أجل تشر الخطاب التنويري في كل المنابر، والتخلي عن تعطيل العقل و الابتعاد عن السذاجة التقليدية، و النظر إلى السياق الدولي الذي تعيشه الدول العربية حيث هيمنة منظمة التجارة الدولية والبنك الدولي و صندوق النقد الدولي، وهو ما يتطلب تغييرا واقعيا تنويريا في العالم العربي ، لكي لا يبقى الشاب المسلم نفسه ضائعا في وسط هذه العولمة ، حفاظا منه على ثقافته أو مجبرا على أن يكون إرهابيا في بؤر التوتر، و لطالما أثارت تصريحات الشيخ عبد الفتاح مورو، الوجه الإسلامي المعتدل، الجدل في الساحة السياسية التونسية، و كان محل هجوم من العلمانيين و الحداثيين، كما كان محاصرا من قبل السلطات التونسية التي أجبرته على البقاء في عزلة داخل بلاده بسبب منعه من الحصول على جواز سفره و تعرضه لسنوات طويلة إلى التنكيل و السجن و المحاصرة قبل ثورة 14 يناير 2011، و إلى الإقصاء بعدها، وكانت دعوة الشيخ عبد الفتاح مورو المهتمين بالفكر التنويري هي غربلة التراث والتغيير على مستوى التطبيق وصنع عقل ناقد وقادر على الربط عن طريق السببية و واقع الناس.
إن شأن عبد الفتاح مورو هو شأن ذلك القاضي الذي حاكم أونطونيو غرامشي، و قال له : يجب أن يكفّ هذا الدماغ عن التفكير، فإن القاضي لا يعدم فكرا، إنما يدعو إلى تعايش مستحيل، لأنه يواجه الفكر بالسجن، و يوزع البشر إلى قامع و مقموع، و هي إشارات إلى حقيقة مأساوية أقرب إلى العبث، فالعقول الإنسانية كما يقول التنويريون لا تنقسم إلى عاقلة و لا عاقلة، إنما يتكون الفرد الإنساني بصيغة المفرد، من عناصر عقلانية و أخرى لا عقلانية، مع فرق وحيد هو أن العقلاني في بعض العقول ، أكثر ارتقاءً منه في عقول أخرى ، يلازم العقلاني كما اللا عقلاني العقول كلها، تصدر عن هذه الفكرة نتيجتان: الأولى تبشر بالحرب و تعلنها، و الثانية ترى الحوار بديلا بل ضرورة لإزالة العماء الفكري، و هذه الأخيرة تحتاج إلى عقل حر طليق بلغة طه حسين، كما أن الفلسفة عند غرامشي ليست مجرد تصور للعالم، بل هي أيضا عمل من أجل تغيير هذا العالم، و عبد الفتاح مورو يشبه إلى حد ما غرامشي باعتباره مفكرا ومحللا و ممارسا للحياة السياسية والثقافية من حيث أن الإثنان عاشا حياة اتسمت بالحصار و الاعتقال و مرارة السجن ، و قد أعطتهم هذه الحياة فرصة لتحليل الواقع ومراجعة المواقف، و كل واحد كرس حياته لقضايا عصره ، و هذه الظروف دفعت كل واحد منهما إلى هذا المنهج التاريخي في قراءة الأحداث وبحث مقدماتها، و السؤال الذي يلح على الطرح هو كالتالي: هل التنوير مشروع فكري نهضوي؟ و هل يرتبط جدليا بالنتائج البعدية ضمن علاقة الجدلي القائم بين القبل و البعدي، ثم ماذا عن البعد التطبيقي للتنوير؟ ..، يقول باحثون أنه يعني التعامل مع "البراديغم التنويري"، الذي يعني عند بعض المفكرين "الطريقة التي نرى بها العالم"، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ضياع الفكر البشري الذي اتسم بالتحجر، و ترجع لفظة براديغم إلى الأصل اليوناني paradeigma أي مثال ونموذج، فيكون البراديغم لغة هو النموذج القياسي أو المثال الكامل الذي ينبغي اتباعه.
هذه المواقف التنويرية لا تتوقف عند مورو في تونس ، بل هناك مفكرون تنويريون في كل الأقطار العربية و منها الجزائر ، بدءًا من مالك بن نبي و محمد أركون، وصولًا إلى مالك شبل في الجزائر، و نقرأ لمهدي عامل في لبنان ، و لنا في ابن رشد و ابن العربي اللذان قادا المدرسة التنويرية ، و كلهم طرحوا إشكاليات تتعلق بالإنسان بين العقل و العاطفة في مجال الفكر الديني، و إعطائه الصبغة العلمية ، فظهر اتجاهات كلامية من طبقات المسلمين بين شيعة و سنة و معتزلة و بعض الفرق الإسلامية، و اتجاهات فلسفية و صوفية، ثم اتجاهات التجديد و الإحياء العقلي، لإيجاد الأسس المنهجية و الفكرية لنهضة العالم الإسلامي و مقارنتها بحركة الأنوار الغربية، فمسألة العقل شغلت الفكر الإسلامي على وجه الخصوص، و يمكن أن نضرب مثالا بالمفكر و الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي، حسب الباحثين يعتبر الوحيد في الجزائر الذي كان له مجهود متواصل في بلورة رؤية شاملة للحضارة الإنسانية و للفكر الديني الذي يعتبر موضوعا مقدسا بحكم ما يحدثه في النفوس من مشاعر الإيمان و العبادة و يرفع الإنسان الى مستوى التعالي الديني كما قال في ذلك الدكتور الهادي السعدي في كتابه "الفكر الديني عند مالك بن نبي" صدرت طبعته الأولى في 2016 عن الدار العثمانية، ثم تجسيد الظاهرة الدينية على أرض الواقع.
و السؤال هو : ألا يحق أن تدرس أفكار هؤلاء في المؤسسات التعليمية و في الجامعات، ومراكز الترجمة، وأن تخرج للقارئ العربي مشروعهم التنويري الأصيل، لكن أن تصبح العدمية هي براديغم هذه المرحلة و تساهم في انتشارها بسرعة ، حيث يعجز الإنسان الانتقال من الوعي الشقي إلى الوعي بالذات، فالحداثات التطبيقية تسعى إلى النظر في مشاريع التنوير الحقيقية وفي معطلاتها وأسباب نجاحها، للمسألة رهانات سياسية و إيديولوجية حضارية بالأساس و ليست بيداغوجية، فالكثير من الذين يتمتعون بحسٍّ عقلاني و بخطاب وسطي إنساني، لكن أفكارهم لا تلقى صدى داخل المجتمع، في مقابل ذلك يوجد من يعبرون عن أفكارهم بغلو و تطرف و هي أفكار تعجز و لا تشجع، تهدم ولا تبني، تقتل و لا تحيي، و رغم ذلك فهي تلقى إقبالا عند الجمهور رغم طابعها المتشدّد، فينتشر خطاب العنف والتشدد ، وقد زاد الحراك العربي السياسي في تأزم الوضع بين الموالين للفكرة و الرافضين لها، و يعد جمال الدين الأفغاني من الذين اهتموا بهذه المسائل في مشروعهم الإصلاحي و ربطه بالمواطنة، و لذا فقضية التنوير هي قضية أساسية تنتظر ترجمتها إلى الواقع عبر دورات تدريبية، و الإمعان للفهم والتجديد في العالم والتاريخ، و احترام خصوصية و روحانية الأمة العربية الإسلامية مع مواصلة التجديد و الإصلاح، و ليس مثلما ذهبت إليه السلفية المتشددة التي نادت بفصل الدين عن الثقافة.
علجية عيش بتصرف







اخر الافلام

.. انا وانا - خيري رمضان: التيار السلفي والإخواني عشش في جدران


.. حصري - بوكو حرام تنهزم امام الارادة الانسانية


.. ما الذي ينتظر الرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها؟




.. سوريا والعراق.. أين ذهب تنظيم -الدولة الإسلامية- وأي مستقبل


.. المرجعية الدينية في العراق تدعو القادة الكرد لتوحيد صفوفهم و