الحوار المتمدن - موبايل



هل تاثر علي الوردي بالشيخ علي الشرقي ؟؟

سلمان رشيد محمد الهلالي

2017 / 4 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل تاثر علي الوردي بالشيخ علي الشرقي ؟؟
يعد الشيخ علي الشرقي واحدا من اهم دعاة الاصلاح والتنوير والتحديث في العراق . وقد استلهم افكاره ومطارحاته الفكرية من خطاب جيل النهضة العربي من جانب , والحركة المشروطية الدستورية بجناحيها الايراني 1905 – 1911 والعثماني 1908 من جانب اخر . ولد الشيخ علي الشرقي في النجف (وفي رواية في الشطرة) عام 1892 وهو من عشيرة بني خيقان الاهوارية المعروفة - وهو العام الذي توفى به والده - فنشا في بيت خاله عبد الحسين الجواهري والد الشاعر المعروف محمد مهدي الجواهري . كانت له محطات بارزة ومتميزة في جميع مراحل حياته , بداها بتاييد الحركات المشروطية في ايران وتركيا والمساهمة بحركة الجهاد مع السيد محمد سعيد الحبوبي ضد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 – 1915 وانضمامه للجمعيات الاصلاحية والثورية السرية في البصرة والنجف المطالبة بالاستقلال والتحرر, والاشكالات التي حصلت حول ماقيل عن دوره السلبي من ثورة العشرين , وانتهاء بتعينه بالوظائف الحكومية بعد تاسيس الدولة العراقية واهمها عضوا في مجلس الاعيان ووزيرا بلا وزارة حتى وفاته عام 1964 . والشيخ الشرقي شاعر له ديوان مطبوع وكاتب واصلاحي ناقد , له الريادة في اغلب المجالات او المسارات التي تحتاج الى التعديل والتقويم في المجتمع العراقي . نشر اراءه الاصلاحية في الصحف العراقية بعد تاسيس الدولة العراقية عام 1921 وخاصة في عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين , جمعت مقالاته ودراساته من قبل الكاتب موسى الكرباسي تحت عنوان (موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية ) . وكان تاثيره على الادباء والكتاب العراقيين ظاهرا بافراط على السطح , ليس بسبب شمولية الاراء التي طرحها والتي اخذت مساحة واسعة من تلك الاشكالات المستعصية في البنى الاجتماعية المتاخرة التي يرزح تحت ظلها المجتمع العراقي فحسب , بل لجراتها وسخريتها وريادتها في طرح الحلول الناجعة لها . ويبدو ان من اهم اولئك المتاثرين بهذه المنهجية وتلك الاراء والاسلوب هو الدكتور علي الوردي .
استقصى الوردي اراءه الاصلاحية وموارده التنويرية من خلال مسارين : الاول , تاثره بخطاب جيل النهضة الليبرالي في مصر وبلاد الشام والعراق , الذين ارادوا الى المزاوجة بين اشتراطات الهوية من جانب والتماهي مع قيم الحداثة والتوير والاصلاح من جانب اخر . وقد شكل هذا المسار المعرفي البواكير الاولى من حياته وتبلور الوعي الثقافي عنده حتى ذهابه للولايات المتحدة واكمال دراسته العليا هناك عام 1945 . وقد ظهرت مصاديق هذا التاثر ليس في تبني المضامين الايجابية الاعتدالية لخطاب جيل النهضة العربي , وانما في امتداحة لشخصيات فاعلة في هذا المضمار ابرزها : جمال الدين الافغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبدة وقاسم امين وشبلي شميل ورائد الاصلاح العراقي هبة الدين الشهرستاني ومحسن الامين العاملي وسلامة موسى واحمد حسن الزيات وطه حسين والشيخ علي الشرقي . ويبدو ان تلك المرحلة قد شملت التاثر ايضا بشخصيات من التاريخ الاسلامي واهمها : الامام علي بن ابي طالب والخليفة عمر بن الخطاب والامام الحسين بن علي والصحابي ابو ذر الغفاري والمؤرخ ابن خلدون وابو حيان التوحيدي وابن رشد وابن مسكوية وابن مضاء القرطبي والجاحظ وغيرهم واعتبارهم رموزا لهم تطلعات اصلاحية وثورية غير تقليدية .
الثاني , وشملت الفترة الزمنية ما بين ذهابه للولايات المتحدة الامريكية لاكمال دراسته العليا هناك عام 1945 وحصوله على شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس , وحتى وفاته في بغداد عام 1995. وهي المرحلة التي شهدت تأليف كتبه الجدلية التسعة , وفيها حصل الوردي – كما اعترف بذلك – تحولا في نمط تفكيره من النسق الاصلاحي – التقليدي الى المسار الاجتماعي – الغربي ، متماهيا مع التوجهات الليبرالية – البرغماتية التي كانت تشكل الاطار الثقافي والتربوي والسياسي للولايات المتحدة الامريكية . وتجلت تلك المرحلة من خلال تاثره باراء مفكري الغرب وفلاسفتهم (الاوربيين والامريكيين) واهمهم : جون ديوي ووليم جيمس وشيلروماكس فيبر واوغست كونت وسيجموند فرويد وكارل يونغ واميل دوريكهايم وروبرت ماكفير ووليم اوغبرن وكارل مانهايم وارنولد توينبي وفرورستين فبلن ووليم سمنر وديل كارنيجي وروث بندكت وجورج هربرت ميد وتالكوت بارسونز وهيغل وجون ستيورات مل وكارل ماركس وهربرت سبنسر .
الا ان يجب التنويه بان المسار الاصلاحي الاول الذي تاثر به الدكتور الوردي , لم ينقضي او يتلاشى بعد تبنيه النمط التغريبي الثاني بعد ذهابه للدراسة في الولايات المتحدة , بل العكس , فقد بقى راسخا في نظامه المعرفي والثقافي , مقتبسا منه الكثير من الاراء والمفاهيم الاعتدالية والعقلانية في مؤلفاته اللاحقة , بل ربما زاوج هذا المسار مع النمط التغريبي الثاني وخرج بتوليفة متميزة من الموضوعية والحيادية والمحلية . وهى – كما يبدو – اهم سمات التميز والتفرد عنده , وبفضلها ارتقى مصاف الرفعة والحضور .
ان اهم المسارات التي يبدو ان الدكتور الوردي قد تاثر بها من كتابات الشيخ علي الشرقي واراءه الاصلاحية هى :
1 . النقد الاجتماعي للمفاهيم والسلبيات التقليدية التي يعاني منها المجتمع العراقي , التي تراكمت عبر احقاب التاريخ المتعددة , وخلقت نمطا من الغيبيات والسلوكيات العشوائية وغير المتحضرة بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية ؟ فقد اعتبر الشيخ الشرقي الرائد الاول في الدعوة الممنهجة للاصلاح الاجتماعي بعد ان كانت تطرح سابقا ضمن سياقات فردية واحادية من قبل الانتلجنسيا العراقية التي اخذت بالتبلور انذاك , معتمدا في ذلك على رؤية عقلانية تربط الظواهر السلبية بعوامل التخلف التي تراكمت عبر التاريخ ، طارحا الحلول العملية والواقعية والاستفادة من التجارب الحضارية الغربية الناجحة في هذا المجال . فيما سار الدكتور الوردي على هذا المسار المهم والمصيري في حياة الامم والشعوب , ليس لانه يقع ضمن اختصاصه كاستاذ او دكتور في علم الاجتماع , بل لعلمه ان الاصلاح الاجتماعي هو المفتاح الاوحد لاي حركة اصلاحية , فالمجتمع هو الحاضنة الاساسية او الرئيسية للمطارحات السياسية والثقافية والاقتصادية , وانه الانعكاس الحقيقي للمتبنيات الفكرية والمعرفية والايديولوجية , وان التحليق عاليا بالمنظورات الايديولوجية والعلمانية والاستعارات الغربية الحرفية اذا لم تاخذ الواقع الاجتماعي بنظر الاعتبار , فان الفشل سيكون مصيرها المحتوم . وقد حفلت جميع مؤلفات الدكتور الوردي بمنطلقات اصلاحية - واقعية رائدة في هذا المسار , اخذت جميع مسارات الحياة الاجتماعية وجوانبها المتعددة والمتبانية , ولم يكن في يوم من الايام متساميا عن هذا الواقع المعاش , او مترفعا عن السلبيات التي اكتنفت حياة العامة من الناس , بل وجدنا العكس , حيث كان مستغرقا في معاناتهم , ناقدا لااهمالهم او تهميشهم .
2 . عدم التماهي مع الشان السياسي المباشر او التعاطي مع التفاصيل الحكومية والصراعات الحزبية التي تستهلك المثقف وتلقي به في اتون الاحتراب والصراع . وهو منهج او رؤية اعتمدها الشيخ الشرقي في كتاباته ومشروعه الاصلاحي , بل انه انتقد ظاهرة الاستغراق اللامتناهي بالسياسة عند الانتلجنسيا العراقية وعامة الناس على حد سواء بقوله ( وجاء دور بناء الحكومة العراقية , فكنت لا ترى في الامة الا سياسيا وسياسة ، وكأن الجمهور العراقي كله طائفة سياسية ، فكانت السياسة في الجوامع والمخادع والمقاهي والاسواق والطرقات . وعند البقال والعطار والفلاح ورجال العلم ورجال الدين ورجال المال كلهم سياسيون ، وكل العراق موجات سياسية ، وعم الطوفان السياسي في العراق حتى فار التنور سياسة ) . ويبدو ان الوردي قد استلهم هذه الفكرة المتميزة فلم يدخل بالتالي في الصراعات السياسية والايديولوجية والثورية في العراق , بل اكتفى بالكتابة عن القضايا التي تهم الشان العام , من خلال اعطاء المقاربات الاصلاحية والانتقادية لمواطن الخلل والقصور في النظام السياسي , وتحليل الخطابات , وتفكيك المتبنيات التي تندرج ضمن افق المعرفة التي يرتكز عليها .
3 . انعدام التقديس الخطابي والحماسي للمجتمع العراقي والمتبنيات السياسية والاخلاقة التي يرتكز عليها , واعتباره نسقا يمكن انتقاده وتفكيكه , ولايدخل ضمن دائرة التابو المحرم الذي لايمكن التجاوز عليه , سواء اكان لاغراض حزبية اوسياسية حماسية , او اعتباره مفهوما مقدسا متعاليا يرتبط بالوطنية والشعارات القومية كما هو سائد عند اغلبية الانتلجنسيا العراقية . فالمزايدات الحماسية في تمجيد الوطن والشعب , افقدت المجتمع اهم مقومات الاصلاح والتصحيح والتقويم , واصبح بالونا متضخما من الهراء والعنتريات الفارغة . وقد تبلور هذا النسق بصورة واضحة في كتابات الشيخ الشرقي الذي وجه نقودات لاحصر لها للشخصية او المجتمع العراقي سواء اكان من خلال كتاباته في الصحف العراقية من جانب او قصائده الشعرية من جانب اخر . ويبدو ان الدكتور الوردي قد تاثر بهذا المسار المتفرد , معتمدا صيغة التفكيك والتحليل لاهم الركائز المتخلفة في بنية المجتمع العراقي , واعلانها امام الملا دون حرج او تردد , وادراج المقاربات العامة حول تطورها التاريخي , فحصلت له من جراء ذلك على انتقادات وتشكيكات من اوصياء التنزيل الخطابي الحماسي للوطنية في البلاد , واتهموه بالعنصرية ضد الشعب العراقي والنيل من قيمه العربية والاسلامية .
4 . ان الثيمة المركزية في كتابات واراء الشيخ علي الشرقي هى الاصلاح . فاذا كان الاديب والكاتب محمد مهدي البصير هو اول عراقي طرح مفردة الاصلاح في كتابه (تاريخ القضية العراقية ) عام 1924 – كما ذكر ذلك الكاتب رسول محمد رسول في كتابه (نقد العقل الاصلاحي) - فان الشيخ علي الشرقي هو صاحب اول مشروع اصلاحي في تاريخ العراق المعاصر , اذ طرحه عام 1926 وفي وقت مبكر من تاسيس الدولة العراقية , اي بعد خمس سنوات فقط من التاسيس عام 1921 مؤكدا (ان الاصلاح هو الضالة المنشودة والمثل الاعلى الذي تتحراه الانبياء والفلاسفة منذ الازل البعيد ... وهو تبديد قوى الاستبداد المتالبة على ذلك البشر الكادح)... واما هدف الاصلاح عند الشيخ الشرقي فقد حدده بكلمة واحدة وهو (النهضة ) التي عرفها (بانها المسعى في الانتقال والتحول من اسلوب في الحياة الى اسلوب ارقى ..... ومن خلال التجديد ) . فيما تعد قضية الاصلاح الهدف الاسمى والاوحد في مشروع الدكتور علي الوردي التنويري الليبرالي , ولم يكن مقتصرا على محددات جزئية ضيقة او ضمن اطر اكاديمية باردة , وانما كان معرفيا شموليا ذات خصائص متعددة من المنطلقات الفكرية , تناول اغلب المسارات العراقية ذات الصلة بهذا السياق , اهمها الاصلاح السياسي والديني والتربوي والثقافي , بصفتها المدخل الاساس لتبني قيم الحداثة والتنوير وانماطها الايجابية .
4 . طرح الشيخ الشرقي مشروعه الاصلاحي بالتوافق والتزامن مع تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 . وهي رؤية تتميز بالايجابية والتقدم والعقلانية ، اكدت عليها النظريات السياسية الحديثة . فالاصلاح لا يكون الا من خلال الدولة المدنية الديمقراطية ، لانها تصنع وحدة المجتمع - كما يقول المفكر اللبناني علي حرب - فضلا عن امتلاكها ادوات التغيير والاصلاح بحكم المقدرات المالية والبشرية والاعلامية التي تملكها ، مما يؤهلها الاخذ بزمام الامور نحو الحداثة والتنوير والتنمية . وقد تبنى هذا المسار بافراط الدكتور الوردي بتاكيده ان قيم البداوة والتخلف لاتنساب الى المجتمع العراقي الا من خلال ضعف الدولة وتفكك منظوماتها وترهل مؤسساتها , وان تصاعد النزعات الغوغائية والصراعات الحزبية هى احدى تجليات انعدام وجود الدولة او ضعفها المستديم . كما بين من جانب اخر ان المعرقلات الاساسية في انصهار المجتمع العراقي في بوتقة التوحد والاندماج الاجتماعي , هو الاختلالات البنيوية في تركيبة النظام السياسي , وغياب منطق الحرية والعدالة والديمقراطية , وهى احد اهم الفاعليات التي تساهم في انتاج مفهوم الاغتراب والانفصام النفسي مع الدولة .
5 . ان الشيخ الشرقي في مشروعه الاصلاحي لم يكن مثاليا (طوبائيا) قط . - اي طارحا للحلول المتسامية والفوقية , المتعالية على الواقع - بقدر ما كان يؤكد ان الاصلاح ذو طبيعة صراعية وجدلية بين اتباع التيار القديم والمحافظ وبين اتباع التيار الحديث والاحرار ، او بين اتباع الروح الفردية وبين اتباع الروح الاجتماعية . ولم يكن الاصلاح ذو طبيعة تصالحية او سلمية في يوم من الايام ، ولن يكن كذلك ، لان اتباع التيار المحافظ او التقليدي لاينزاحون عن اماكنهم بسهولة ، ولا يتنازلون عن سطوتهم وهيمنتهم على الاخرين برحابة صدر ، بل ان هذا المسار يحيط به الاحتراب والصراع والتنازع ، ولا يكون بالتالي محتما انتصار الاصلاحيين في الجولات الاولى ، بل قد يكون العكس ، لاسيما وان اتباع التيار المحافظ والتقليدي يمتلكون اسلحة فاعلة تشكل نقاطا اضافية لصالحهم في هذا الصراع الوجودي وهى : السلطة الدينية والاجتماعية والسياسية من جانب ، والعامة الذين ينفرون من التجديد والتغيير والاصلاح من جانب اخر . اذن فالامر يحتاج الى وقت مطول ومحاولات عدة وجولات متعددة . وقد اكد هذه الرؤية الدكتور الوردي في اغلب كتاباته , وبين ان الحياة لاتقوم الا على التنازع والتغالب والاستحواذ , وهو القانون الاصلي للحياة وصيرورتها المتغيرة , او المنطق الجدلي الهيغلي الذي تسير عليه عجلة التاريخ , وان تاثير الوعظ والارشاد والخطابات التصالحية والمثالية , انما هدفها تضليل الناس عن طبيعة الكون الحقيقية وقوانينه الثابتة منذ نشاة الخليقة وحتى الان .
6 . لا شك ان ميدان السياسة والادارة والحكم في العراق هو من اهم الميادين التي يجب ان ينالها الاصلاح والتغيير . ويجب ان يستند هذا الاصلاح الى مفاهيم العصر والتنوير والحداثة ، وليس الى تقاليد العصور الوسطى او الماضوية الاسطورية المشرعنه – حسب تعبير ادونيس - وذلك من خلال تبني اسس الديمقراطية الغربية والتعددية السياسية . والعراق – على مدى تاريخه – كان يعاني من اشكالية السلطة والحكم المزمنة ، بسبب توالي الانظمة الاستبدادية وتعاقبها على ادارة البلد , وتسلط حكم الاقلية الطائفية والعنصرية ، مما جعله يعيش حالة من النكوص والتوتر الداخلي وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي . لذا فان الاصلاح السياسي هو المدخل الى الاصلاح الشامل في العراق . فلا اصلاح مع الدولة الاستبدادية . ولا اصلاح الا مع الدولة المدنية التي تعمل على انتظام الجماعة والشعب والامة في منتظم سياسي ثقافي اجتماعي دستوري قانوني يرتكز على اسس رصينة من المؤسسات الفاعلة (البرلمان – مجلس القضاء – مجلس الوزراء – الاحزاب السياسية – مؤسسات المجتمع المدني) التي تعمل على اخذ المجتمع الى مصاف التطور والازدها والاستقرار . وقد نشر الشيخ الشرقي في هذا المسار كتابات عدة تناولت ضرورة الاصلاح السياسي في البلاد , تبلورت في مجالات عدة اهمها موضوعة الاحزاب السياسية . فكلنا يعلم ان الاحزاب السياسية هي احدى اهم مقومات النظام الديمقراطي والمدني في العصر الحديث . فلا ديمقراطية بلا احزاب سياسية تعمل على تجسيد الممارسة الديمقراطية على ارض الواقع ، وتنظيم المجتمع المدني وادراجه في العملية السياسية من خلال التنافس وطرح البرامج الانتخابية والترشيح والمشاركة ومراقبة الحكومات . ولاهمية الاحزاب السياسية في ترسيخ النظام الديمقراطي وترشيد الدولة ومراقبة عمل الحكومة ، نشرعلي الشرقي مقالا في جريدة العراق عام 1926 ، دعا فيها الى تنظيم الاحزاب والحفاظ على مبادئها ومناهجها السياسية مؤكدا : (ان التربية السياسية في العراق كغيرها من انواع التربية الصحيحة ضعيفة جدا ، لانها حديثة ، ودخل العراقيون هذه المدرسة ولم تنتظم صفوفهم فيها ، ولم ينبع لهم فيها اساتذة واقطاب ، ولا تشربوا المبادئ السياسية ، ولا اعتنقوا تلك العقائد اعتناقا ، فلا اخطئ لو اقول اليوم ، ربما يبطئ العراقي في تبديل ثيابه ، ولا يبطئ في تبديل مبادئه السياسية ، وما اشبه العقائد السياسية بالمذاهب الدينية , ولو رسخت تلك العقائد في نفوس العراقيين لما رايت ذلك الرخص في المبادئ عندهم ، والتحول السريع من حزب الى حزب ، ومن انتساب الى انتساب ) . فيما كانت رؤية الدكتور الوردي للاصلاح السياسي في العراق قد انقسمت الى مرحلتين متاميزتين : الاولى في العهد الملكي , وطالب فيها صراحة التطبيق الكامل للنظام الديمقراطي والانتخاب المباشر وانهاء الاقصاء والتهميش لبعض الفئات الاجتماعية , فيما كانت مطالباته بعد اعلان الجمهورية وسقوط الظام الملكي عام 1958 تنحصر في ضرورة تخفيف الاحتقان السياسي في البلاد , والسيطرة على تحركات الغوغاء , ومراقبة الاحزاب لاتباعها ومناصريها , والحد من ثوريتهم وتطرفهم , وعدم الاستعانة بالشارع لتحقيق مكاسب سياسية واعلامية وغيرها , ولكن هذا لايمنع من المطالبة بعودة الديمقراطية في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) عام 1964 بعد انتهاء المد الثوري المتطرف والاقتتال الداخلي والحزبي بين عامي (1958 – 1963) .
7 . يعد الشيخ الشرقي من اوائل الكتاب الذين نبهوا وحذروا من مخاطر الطائفية السياسية في العراق . وهو يكون بذلك قد سبق كتاب اخرون بهذا المجال اهمهم الدكتور علي الوردي , الا انه لم يذكر مفردة الطائفية بالاسم الصريح ، للحرج الذي تشكله في الاوساط السياسية والفكرية في العراق انذاك ، التي اعتادت الهروب من المشاكل الانية والمعضلات الراهنة الى معارك اخرى غير ملحة او ذات اهمية من اجل خلط الاوراق والتمويه على الاشكال الحقيقي . وقد استعاض الشيخ الشرقي عن مفردة الاغلبية الشيعية بكلمة (الفراتيون) للدلالة على تسمية الفئة المهمشة عن الادارة والحكم , باعتبارهم كانوا المساهمين الاساسيين في تاسيس الدولة العراقية الحديثة من خلال ثورة العشرين , التي فرضت صيغة الحكم الوطني / المحلي في البلاد ، وتعرضوا بدل عن المشاركة السياسية الى الاقصاء والتهميش ، ان لم يكن الاستهداف والتخوين مثل قوله : (اصبح الفراتيون يرون ان بغداد تريد ان تصبغ الحكومة العراقية بصبغة خاصة .... وتضع عليها طابعا خاصا ، فاخطت لها خطة تقضي ان يكون قسم خاص من العراقيين حاكما موظفا دائما ، والقسم الاخر محكوما دائما وبكل صورة ، واستأثرت بالسلطة حتى اصبحت الحكومة العراقية تكاد تكون ليست حكومة شعبية ، بل ديكتاتورية بنوع واسع ... فحادثة (النصولي)(يقصد كتاب الدولة الاموية في بلاد الشام الذي كتبه المدرس السوري النصولي والذي اساء فيه لعقائد الشيعة وال البيت) بكل الوانها وكل ذيولها ومناورات المدير (ساطع الحصري)(الذي وقف مع المدرس) والوزير (السيد عبد المهدي) (الذي وقف ضد المدرس وكتابه) في ديوان المعارف وحادثة الكاظمية ، وحتى مسالة التجنيد الاجباري مع وضع البلاد الراهن يؤكد ما ذهبنا اليه ... ومن الوان التاثير ما يظهر في بعض لهجات الصحف والاقلام المستأجرة , من اول يوم حدثت فيه حادثة النصولي الى اليوم . والحال ان الحكومة تعرف تماما مغزى تلك الاقلام او مرمى تلك الحراب ... كل ذلك حفر هوة واسعة بين الوزارة وبين الاكثرية الساحقة في البلاد) . واكد هذا المسار الطائفي في الحكومات العراقية والانقسام الاجتماعي ايضا الدكتور علي الوردي بقوله في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي) عام 1964 (ان الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي اكثر مما في اي شعب عربي اخر – باستثناء لبنان – وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق اجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية , ينبغي لاهل العراق ان يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا اوان الاعتبار ) , وقال في موضع اخر (الطائفية اصبحت من اعضل الادواء التي يشكو منها المجتمع العراقي , وربما صح القول انها اتخذت شكل العقدة المكبوتة في شخصية الفرد فيه , ومن طبيعة العقدة انها تزداد استفحالا كلما كلما استمرت كامنة في اعماق النفس , وتوالى عليها الجدال المتحيز يوما بعد يوم . ولابد لنا من ان نخرج هذه العقدة الى الضوء فندرسها دراسة موضوعية واعية , وبهذا قد نصل الى حل على وجه من الوجوه).
8 . المح الشيخ الشرقي ان الطائفية المتجذرة في الدولة العراقية هي بقايا العقلية العثمانية والحكم التركي الطويل . وقد اشار الى ذلك بقوله : (ان التربية الادارية في الفرات انقص منها في غيره ، لان الفراتيين لم يتهافتوا على دخول المدارس في العهد التركي ، وتهافت غيرهم ، رغم ان الفراتيين يحملون من العراقية اكثر من غيرهم ، اولئك الذين لا يحملون الا ادبية تركية وفنا باليا . فالفراتيون هم الاهل الخلص ، واما غيرهم فلا غناء عنهم ايضا ، ولكن ليس هم الكل في الكل) . وهى اعلان صريح بان الخلق التركي العثماني هو المستحكم بالادارة العراقية بعد تاسيس الدولة وهى لاتمتلك الاصالة الحقيقية والمتجذرة في المجتمع . وقد اشار الى هذه الظاهرة الدكتور الوردي في مواطن كثيرة من مؤلفاته منها قوله (في الواقع ان عددا لايستهان من من افراد الطبقة الحاكمة في العراق هم من بقايا الجندرمة الذين ابتلى الشعب العراقي بهم في العهد العثماني البائد ابتلاءا عظيما ) وقوله في موضع اخر (وقد وجدت طبقة الجندرمة في العراق احتراما للعهد العثماني وتمجيدا لافكاره بشكل يدعو الى العجب الشديد . لقد كان الحكم العثماني في العراق حكما خبيا دنيئا من غير ريب , ولكن افراد الجندرمه يحملون عنه صورة تختلف عن الواقع اختلافا بينا , والسبب راجع الى تكوين اطارهم الفكري , فهم كانوا من حكام ذلك العهد , وقد نالوا فيه من الامتيازات وانواع الترف والتعالي مايجعلهم يعتبرونه اسعد عهد مر في تاريخ البشر ) .
9 . يعد الشيخ الشرقي ايضا من اوائل الكتاب والمنظرين الذين نادوا باهمية بلورة الهوية الوطنية العراقية في مقابل الهوية القومية الشاملة ، لما تحمله الاخيرة من عوامل تشظي وانقسام في المجتمع العراقي . وقد اشار الى ذلك صراحة في مقال نشره في جريدة النهضة العراقية عام 1928 منتقدا التماهي مع القومية العربية على حساب الروح الوطنية بالقول (والشعب العراقي اليوم في عربيته اكثر منه في عراقيته ، اي ان الخصائص القومية فيه اكثر من الخصائص الوطنية ، وسبب ذلك ان التزاحم القومي الذي وجد في العراق من القديم جعل القومية في العراق اكثر من غيرها ، لان النضال بين القوميات صير كل حزب يحرص على قومية ويدفعه الى العمل على تقويتها وتعزيزها) . فيما نجد ان التطبيق العملي لهذه الاطروحة او تجلياتها ظاهرة في جميع كتب ومقالات الدكتور الوردي , حيث يمكن القول انه عراقيا فكرا وروحا وهدفا , وهذه النزعة تبلورت عنده ليس بدافع الحرص على البلد الذي عاش به مع اجداده مئات السنيين , فحسب بل لانه وجد في التمدد القومي ابان السطوة الايديولوجية في الخمسينات الستينات , خطرا على النسيج الاجتماعي في العراق واستفزازا لباقي القوميات الاخرى التي تعتقد ان اثارة هذه القضية لاتصب في صالحها , وربما تشكل خطرا على وجودها ومستقبلها . وقد اتهم علي الوردي صراحة من قبل دعاة النزعة القومية العربية المؤدلجة بالشعوبية والاعجمية في خلال تلك المرحلة الثورية والعصابية , لانه لم يجاريهم في دعوتهم الى تبني تلك المفاهيم والمتبنيات غير العقلانية او الموضوعية . واشار الى تلك الاتهامات بالقول (ذهب زمن الغرور الشعبي كما ذهب زمن الغرور القومي قبله , ويؤسفنا ان نرى الناس بالامس يتهموننا بالشعوبية لاننا لانجاريهم في غرورهم القومي , واحسبهم اليوم يتهموننا بالرجعية لاننا لانجاريهم في غرورهم الشعبي ) .
10 . ذكر الشيخ الشرقي ان ابرز فئتين او حزبين فاعلين عارضا الانكليز في العراق هما حزب الافندية وحزب الروحانيين , اما الافندية فلانهم قوم كان لهم النفوذ في الادارة العراقية ، والانكليز قد نحوهم وملأوا بهم زوايا الخمول والبطالة , الا انهم استطاعوا لاحقا من كسبهم بعد عرفوا ان هدفهم الاول السلطة والنفوذ . اما الروحانيون فانهم متشبعون بالتعاليم الدينية , وقد تمكنت منهم الدعاية التركية التي صورت لهم ان الانكليز اعداء دينهم ، ولابد ان يتعرضوا لتقاليدهم وشعائرهم , فلم ينجح الانكليز من استمالتهم واثروا الانعزال . وقد اكد هذا الراي الدكتور علي الوردي ايضا عندما قال : ان الانكليز قد وجدوا لهم اعداء في العراق وهم رجال الدين ، وقد حاولوا ان يستميلوهم باي صورة ، ونجحوا مع احدى الطوائف (بقصد رجال الدين السنة) وفشلوا في الاخرى (ويقصد رجال الدين الشيعة) . ويبدو ان الدكتور الوردي قد استعار هذه الفكرة ايضا من الشيخ علي الشرقي الذي سبقه في طرحها قبل اكثر من نصف قرن . فيما كانت متلازمة انتقاد الافندية بين الشرقي والوردي ظاهرة ايضا عند الطرفين فقد اشار الاول الى غربة الافندية عن المجتمع العراقي بالقول (توجد في العراق ثلاث بيوت البيت النجفي والبيت البغدادي والكوخ بيت الفلاح , واذا اردنا ان نعرف البيت العراقي حقيقة فهو الكوخ الذي يقطن فيه الفلاح على اعتبار ان بيت الاول ديني والثاني افندي ) . فيما اشار الى الافندية وتعاليهم على المجتمع العراقي الدكتور الوردي , وبين انهم يشكلون بقايا العقلية العثمانية الاستعلائية والمتعجرفة , وان التحول الذي قاموا به بعد الاحتلال البريطاني وتاسيس الدولة هو تحول انتهازي ومصلحي , حيث غيروا ولائهم من السلطان العثماني الى المندوب السامي , وحصلوا من جراء ذلك على اعلى المناصب الادارية في الدولة العراقية الحديثة وقال (لقد كان الافندية في العهد العثماني يستحقرون لغة الشعب ويتبجحون بلغتهم التركية الفخمة ذات الهدير والخرير, وعندما تشكلت الدولة العراقية اخيرا , واخذ مجد عدنان وقحطان ونزار يحل محل حكمت ومدحت وحشمت , تراجع الافندية واسقط في ايديهم , ذلك ان لغة سيبوية ونفطوية شرعت تاخذ مكان تلك اللغة الهدارة , وتنال قصب السبق بدلا عنها)
11 . ـ اصلاح الميدان الديني : الواقع الديني هو انعكاس للواقع الاجتماعي . فاذا كان المجتمع يدور في حلقة من المفاهيم الخرافية والتقاليد البالية والاسطورية ، فان الدين والطقوس الدينية ستهيمن عليها تلك المفاهيم ، وبالتالي ستكون بؤرة مركزية في عرقلة الحداثة والاصلاح . وبالعكس فاذا كان المجتمع في مرحلة متقدمة من المدنية والتنوير ، فان المفاهيم الدينية ستكون اكثر عقلانية وحيادية وعلمية. والدين هو ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية ، يمكن دراسته وتقويمه وتحليله كسائر الاوضاع الاقتصادية والسياسية والثقافية الاخرى . كما انه لا زال يشكل راسمالا رمزيا مهما في المجتمعات الاسلامية – حسب تعبير محمد اركون – ويبدو ان هذا الترابط والتلازم بين اصلاح الواقع الديني والاجتماعي على حد سواء لم يكن شائعا في الوسط الثقافي في زمن الشيخ علي الشرقي ، فاخذ الامور بظواهرها ، وتوهم ان اصلاح الواقع الديني فحسب سيؤدي الى النتائج الايجابية المتوخاة , دون الاخذ بنظر الاعتبار تاثير المفاهيم الاجتماعية السلبية الاخرى والشائعة في الوسط الشعبي من جانب ورجال الدين (اوصياء التنزيل المقدس) من جانب اخر . ويبدو ان السبب الخفي الذي جعل الشيخ الشرقي يضع هامشا للاصلاح الديني ضمن مشروعه الاصلاحي العام ، هو معايشته للسلبيات والاختلالات التي اكتنفت الوسط الديني في بداية القرن العشرين ، لاسيما التناقض بين الاقوال والافعال , والازدواجية الظاهرة بين الادعاء والسلوك . والمتتبع لكتابات ومؤلفات الدكتور الوردي يجد ان اصلاح الميدان الديني وانتقاده قد اخذت حيزا كبيرا من تلك المؤلفات , لعلمة اليقيني ان الدين او البنية الدينية في العراق مازالت تشكل مرتكزا دلاليا مهما في نظامهم المعرفي , (البنية الاثيرية التي لاترى بقدر ماتؤسس) – حسب تعبير اركون - فرغم هيمنة التوجهات العلمانية على اغلب العراقيين , وبخاصة بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة ذات التوجهات شبة الليبرالية والديمقراطية , الا ان الدين استمر نسقا مضمرا في افقهم الثقافي ولم يتم بالتالي هضمه او تفكيكه من خلال المتبنيات العقلانية والتنوير , بل ان الذي حصل هو تجاوزه والقفز عليه نحو منطلقات تغريبية وعلمانية متطرفة , وبقى الدين يشكل في ضمائرهم القلقة حالة من المثالية الغائبة او الاطروحة المؤجلة التي يمكن في بوم من الايام بعثها من جديد , اوتطبيقها على ارض الواقع كخلاص اخير لعذابات البشرية .
12 . اصلاح رجال الدين : هنالك تلازم بين اصلاح المفاهيم الدينية السائدة وبين اصلاح رجال الدين ، فالدعوة الى اصلاح المفاهيم دون اصلاح القائمين على تفسيرها وتطبيقها وحمايتها ، ستكون حتما دعوة عاجزة وغير متكاملة . فالعلاقة اذن هي جدلية (اي تاثير وتاثير المتبادل بين الاثنين) فلا نجاح لمشروع الاول دون المبادرة والاسراع باصلاح الثاني والعكس . والملاحظ في دعوة الشيخ الشرقي لاصلاح رجال الدين ونقد المظاهر السلبية التي تحدد السلوك العام هو استخدامه الرمز والاستعارة في القصائد الشعرية وليس التصريح او الاعلام المباشر ، وذلك للحرج الذي يسببه هذا النوع من النقد في الاوساط الدينية والاجتماعية , وخاصة في بلدة النجف التي يعيش فيها . ورغم ذلك ، تعرض الشيخ الشرقي الى عملية منظمة من التجريح في شخصيته وتاريخه وعقيدته الدينية بسبب تلك المتبنيات الاصلاحية والقصائد الرمزية من قبل بعض المتنفذين في تلك الاوساط .
ومن قصائده الشعرية الرمزية في نقد بعض المتزمتين في المؤسسة الدينية قوله :
في رمال التاريخ اثـــــار اقدام رفاق تخـــــــطت التاريخا
نفخت في الجراب دهرا وولت فورثنا جرابـــــها المنفوخا
واذا بي ما بين اجربة تمشـــي على الارض سادة وشيوخا
واما الدكتور علي الوردي فقد شكلت هذه الاطروحة جانبا مهما في مشروعه الاصلاحي , بل ان اول كتبه (وعاظ السلاطين) قد اتخذ هذا المنحى وهو انتقاد رجال الدين والدعوة الى اصلاح المتبنيات الفكرية والدينية والمذهبية التي ينادون بها , ليس من حيث طريقة الاسلوب في الوعظ والارشاد فحسب , بل من خلال اصلاح المضمون وتطويره الى مديات افضل من العصرنة والتحديث .
13 . الرؤية العلمانية للتصورات والاحداث والمعالجات التي اكتنفت الواقع العراقي الغارق بالغيبيات والماورائيات والتفسيرات الدينية للمنطلقات المعاشية والمعضلات المستعصية والاشكالات المعقدة والمتراكمة عبر التاريخ . ومن المفارقة ان الشيخ علي الشرقي هو اول عراقي يذكر اصطلاح العلمانية في مقال نشره في جريدة النهضة العراقية عام 1928 تحت عنوان (الحرية الفكرية) . ويبدو انه اسقصى هذه المفردة من مجلة (المقتبس) التي كانت اول مجلة ذكرت هذا المصطلح عربيا عام 1908 والتي كانت تصل اعدادها الى مدينة النجف انذاك . ودعا الى اتباع المناهج الدراسية العلمانية والحواضر المدنية في بغداد ودمشق والقاهرة بدل الحواضر الدينية في السعودية واليمن . فيما يمكن وصف علي الوردي بانه اخطر علماني في تاريخ العراق الحديث والمعاصر , ليس لجراة الاراء العلمانية والتفسيرات العقلانية التي يطرحها , وانما لتبسيطها وقابليتها لاقناع القارىء البسيط بها وتمددها الى جميع الموضوعات المراد ادراجها , وتحولها الى نسق محكم في جميع مؤلفاته . لكنها من جانب اخر لم تكن علمانيته مبتذله او سوقية او شعبوية , كما هو حاصل عند اتباع الايديولوجيات السياسية العلمانية كالقوميين والماركسيين اوالوجوديين وغيرهم , بل كانت علمانية ليبرالية منفتحة هدفها الاسمى هو الانسان وحقوقه وحريته , وليس الايديولوجيا الدوغمائية التي تسعى للتسلط والهيمنة على الاخرين بحجة العدالة الاجتماعية والقومية العربية وغيرها من المفاهيم الرائجة بعد الحرب العالمية الثانية , التي شوهت المنظورات العلمانية في العراق , واصبحت مرادفة للاستبداد والتسلط والاقصاء ناهيك عن السوقية والاستفزاز والدعوة الشعبوية للالحاد والتجديف . ورغم ان الوردي لم يذكر مفردة العلمانية الا مرة واحدة في كتبه – حسب اطلاعي على الاقل – في معرض انتقاده للعرب بقوله (لو خيروا العرب بين دولتين علمانية ودينية لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية ) , الا ان دعوته الصريحة لفصل الدين عن الدولة قد اخذت منحى ثابت في اغلب مؤلفاته , فقد اعترض على الراي القائل (ماعلينا الا ان نحقق النظام الاسلامي في مجتمعنا الاسلامي فنسعد به ويسعد البشر كلهم معنا ) بالقول : ان المذاهب الاسلامية متعددة ان لم تكن متباينة , والقران - الذي هو اساس التشريع - حمال ذو اوجه , والقضايا الاساسية في الدولة مثل جباية الضريبة وكيفية التصرف باموال الامة وحقوق النساء وتعيين السلطان وغيرها هى مختلف عليها بين الفقهاء , فكيف يمكن الركون الى مفاهيم وقيم غير متفق عليها عند المسلمين ؟
14 . اعتمد الشيخ الشرقي في الكتابة الاسلوب الكتابي المبسط وادراج الاراء وطرحها من خلال القصص الطريفة والساخرة والتهكمية وخاصة الشعبية منها , ونلاحظ ان هذا الاسلوب قد اعتمده الدكتور علي الوردي في جميع مؤلفاته , بل انه قد نظر لهذا الاسلوب ودافع عنه في كتابه (اسطورة الادب الرفيع) وهاجم فيه التعقيد في الاعراب والنحو في اللغة العربية سواء اكان في المناهج الدراسية او في الكتابة وفق سياقات اعتمدت المقاييسس القرو- سطية الاسلامية , وحصل من جراء ذلك على انتقاد لاذع من اتباع الاسلوب الادبي الرفيع !!! والمتكلف حول هذا الموضوع .
وقبل ان نختم هذا المقال لابد ان نجيب على هذا السؤال الذي ربما يطرحه البعض بخصوص هذا الموضوع وهو : اذا كان الدكتور علي الوردي قد تاثر بالشيخ علي الشرقي واراءه الاصلاحية والتجديدية , فلماذا لم يذكر ذلك ؟ ولماذا لم يشر اليه بالاسم الصريح مثلما اشار الى مصلحين او مجددين اخرين مثل هبة الدين الشهرستاني ومحسن الامين العاملي وسلامة موسى وغيرهم ؟ اعتقد ان الجواب على ذلك يحيلنا الى قضية تهميش الشيخ الشرقي نفسه , واقصائه عن المناصب السياسية والادارية بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 , وتعرضه للتشوية والتخوين من قبل بعض المقربين من ال الشبيبي - المتنفذين في الوسط الثقافي والسياسي الشيعي - بسبب خلافات شخصية تاريخية , غلفت باطار وطني ومبدئي , من خلال الادعاء وقوف الشيخ الشرقي بوجه ثورة العشرين وعدم تاييده للتحرك العسكري المسلح وتحريضه للشيخ خيون العبيد شيخ عشيرة العبودة في الشطرة بعدم جدوى الثورة ضد الانكليز وغيرها , وقد اشار الى هذه الظاهرة الكثير من الكتاب الذين تناولوا حياة الشرقي وادبه بالدراسة امثال طالب علي الشرقي وعبد الحسين مهدي عواد وجعفر الخليلي وغيرهم , ويبدو ان بعض رجال الدين المتعصبين والتقليديين في مدينة النجف , الذين سبق ان وجه لهم الشيخ الشرقي نقدا لاذعا وهجوما ساخرا بسبب اراءهم المتخلفة واعمالهم الشيطانية , قد استغلوا هذه الحادثة , ووجهوا طعنا الى - ماقيل عن وطنية الشيخ الشرقي - (على اعتبار ان مفهوم الوطنية في تلك المرحلة هو من يقف بوجة الانكليز ) وتشكيكا في مواقفه الاصلاحية والثورية , وقد احس الشرقي بتلك الحملات الظالمة عليه , فاثر الاعتزال عن الحياة السياسية والاجتماعية بعد تاسيس الدولة , وتكالب الثوار والاعيان على المناصب والنيابة واهمهم ال الشبيبي الذين كانوا محور الخلاف معه , وعانى خلال تلك المرحلة من ضنك العيش واحساسا متعاظما بالخذلان والجحود ونسيان دوره ومواقفه التحررية والاستقلالية قبل الثورة , ولم يحصل على اي منصب اداري كبير الا في نهاية العشرينات في سلك القضاء , ويبدو ان الدكتور علي الوردي قد وقع تحت تاثير الحملة على الشيخ الشرقي , ولم يذكره بالاسم الصريح او المديح لمشروعه الاصلاحي والتجديدي الرائد بهذا المجال , واذا صحت هذه الفرضية - ولااجد تفسيرا اخرا لها - فاعتقد ان هذا يشكل انتقاصا واختلالا في مسيرة الدكتور الوردي وحياته الثقافية والاصلاحية , لما عرف عنه عدم التهاون في ادراج الحقيقة او المجاملة على حساب الافراد المجددين .







التعليقات


1 - الاستاذ سلمان الهلالي المحترم
عبد الرضا حمد جاسم ( 2017 / 4 / 24 - 17:59 )
تحية و تقدير
اتمنى ان تتوسع مشكوراً ببيان تأثر الدكتور الوردي بالسيد علي الشرقي او قائمة الاسماء التي تفضلتم بذكرهم من جمال الدين الافغاني الى الشيخ الشرقي
و القائمة من جون ديوي الى هربرت سبنسر.
هل اطلعت اخي الكريم على ما نقله الوردي عن السيد محسن الامين و صلاة الفجر في المقبرة في الشام و المصلي المصاب ابالوهواس او الوساوس؟
هل اطلعت على رأيه بعميد الادب العربي و تندره من هذا اللقب او الوصف
اكرر التحية و الشكر

اخر الافلام

.. أخبار عالمية | #روسيا.. الشرطة تقتل رجلاً بعد طعنه 8 أشخاص ب


.. أخبار خاصة | أطفال سوريون يعيدون الأمل لمدينة #الباب


.. أخبار خاصة | أطفال سوريون يعيدون #الأمل لمدينة الباب




.. أخبار عربية | النظام السوري يستهدف #جوبر بالغازات السامة


.. الحياة -تعود- إلى برشلونة