الحوار المتمدن - موبايل



بزاز موصلي معارض يتظلم عند وزير الداخلية 1958

ابراهيم خليل العلاف

2017 / 4 / 30
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


بزاز موصلي معارض يتظلم عند وزير الداخلية 1958
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل
في كل عهد من عهود العراق المختلفة ، كان هناك ضحايا . وهذه الوثيقة هي عبارة عن عريضة قدمها مواطن إسمه نور الدين بن السيد ابراهيم الى وزير الداخلية ، واحالتها وزارة الداخلية الى متصرفية لواء الموصل ، بموجب الكتاب ذي العدد ش.ذ.24754 في 22-10-1958 والمواطن الذي قدم العريضة ولدي نسخة مصورة منها في ارشيفي وقد عثرت عليها في ارشيف محافظة نينوى قبل 40 سنة هو (بزاز في سوق السرجخانة في أيمن الموصل ) ، وقد قدمها في 14-10-1958 أي ان الوزارة ارسلتها الى متصرفية الموصل بعد ثمانية ايام فقط من تسلمها العريضة وكان متصرف الموصل هو عبد الكافي عارف (1-10-1957 الى 27-3-1959 )
المهم هو ان المواطن هذا قال :"اود ان أعرض لسيادتكم بأني أحد ضحايا عهد الظلم والطغيان ، وقد قاسيت مع عائلتي المصائب على يد مجرمي العهد البائد ، وتضررت كثيرا من نتيجة ظلمهم ، وجئت أرجو بعريضتي هذه عطفكم بالنظر فيما تنسبونه حول تعويضي عن بعض الاضرار التي لحقتني " .
ثم يقول :"لقد اشتركتُ في مظاهرات سنة 1956 في الموصل وقدت بعض هذه المظاهرات ، حين جرى العدوان الثلاثي على شقيقتنا الكبرى مصر متحديا أسلحة الغدر التي كانت توجه الى صدورنا ، وفي الساعة الواحدة والنصف من ليلة 2-3-12-1956 القي القبض علي من قبل الشرطة بطريقة تعسفية وارهابية حيث اخذوا يرفسون باب الدار بأرجلهم واعقاب بنادقهم فأشاعوا الذعر والاضطراب في نفوسنا واستيقظ كل من في الدار فزعا مذهولا ، وخاصة والدتي العجوز التي إنعقد لسانها في تلك الليلة ، وأُغمي عليها ، واقتحموا الدار وهجموا على الغرف كما يقتحم الفاتح مركزا لعدوه دون حساب لإمرأة راقدة أو طفل رضيع وجروني معهم حيث اخذوني في نفس الليلة الى المجلس العرفي المنعقد في كركوك والذي حكمني بالحبس لمدة ثلاثة اشهر فتعطلتُ عن عملي في مهنة البزازة (بيع الاقمشة ) في موسم نشاط السوق " .
ويواصل هذا المواطن سرد تظلمه ويقول :" حين خرجت من السجن لإستئناف عملي واسدد الديون المتراكمة علي عادوا فزجوني في التوقيف دون اي سبب وعطلوني عن العمل قبيل العيد حيث يكون نشاط السوق على اشده فزادت ديوني وحين لم يجدوا اي مبرر لتوقيفي اطلقوا سراحي مع تهديدي بإعادتي كلما راق لهم ذلك " .
ثم يقول ايضا :" وحين تشبثتُ واشتغلتُ كاتبا في شركة طحن حبوب الشمال لاحقتني دائرة أمن الموصل بطلب فصلي وقطعت الشركة علاقتي وسدوا ابواب الرزق في وجهي وحرموني من التوظف في وظائف ثلاث كنت قد نجحت في امتحانها في المتصرفية بسبب سجني وابتليتْ والدتي بمرض عضال نتيجة هذه الصدمة فأدخلتها المستشفى ثلاث مرات بلغ مجموع ايامها 99 يوما ولازالت رهن المعالجة ونتيجة ذلك اثقلتني الديون وسدت امامي الطرق .
وختم هذا المواطن عريضته بالقول :" وحين انعم الله علينا بمولد جمهوريتنا الغالية حمدت الله واستبشرت برفع الحيف عني وفسح المجال امامي ويؤسفني أشد الاسف ان اتقدم بهذا الالتماس وإني أتنازل عن كل ما استحقه من تعويض لو تلطفتم بالامر في تعييني في احدى الوظائف التي حُرمت منها في عهد الاستعمار لا لعجزي بل لوقوفي بوجه الخونة ودمتم ذخرا لوطننا ودامت جمهوريتنا الحبيبة في رعاية الرحمن " التوقيع المستدعي نور الدين السيد ابراهيم بزاز في سوق السراجخانة في الموصل .
من دراسة هذه العريضة يتضح لنا ما يأتي :
1.هذا المواطن ذو توجه قومي عروبي ويظهر هذا من خلال اسلوبه في كتابة عريضته .
2.يقينا أنه استعان بكاتب للعرائض (عرضحالجي ) تحدث هو امام كاتب العرائض وكاتب العرائض صاغ العريضة بلغة عربية سليمة
3.ان وزير الداخلية وكان انذاك العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي أحال العريضة دون إبطاء الى متصرف الموصل لاجراء اللازم .
4. ان متصرف الموصل (همش) على العريضة التي وصلت من الوزارة بالقول :" تحفظ لحين اطلاق التعيينات "
5.لانعلم نتيجة ما قُرر بشأن هذا المواطن وهل عين ام لا ؟
6.ان العريضة تكشف اساليب الامن القاسية جدا في العهد الملكي الذي يراه البعض افضل مما جاء بعده من انظمة .
7.ان الامن لاحق هذا المواطن وقطع رزقه وكان يهدده بالاعتقال ثانية اذا بدر منه شيء ضد النظام
8.ان الرجل شارك في التظاهرات نصرة لمصر الشقيقة ،وقاد بعضها مدفوعا بحسه الوطني والقومي .
9.ان المواطن تنازل عن التعويض المادي لما اصابه مقابل اتاحة الفرصة له كي يعود الى الوظيفة .
10 . نشري لهذه الوثيقة يقع في اطار التوجه الذي سبق ان تحدثتُ عنه وهو التأريخ للمظلومين والمهمشين والمضطهدين والبؤساء الذين لم يلتفت اليهم المؤرخون كثيرا وانشغلوا بالتأريخ للحكام وللاحداث الكبرى دون ان يهتموا بردود فعل ووضع المواطن البسيط .
11.لقد عانت شرائح كثيرة من شعبنا العراقي من ظلم وتعسف الحكام ليس في العهد الملكي وانما في العهود التالية وهذا ما يدعونا الى تسجيل كل صغيرة وكبيرة من أحداث العراق المعاصر وبكل دقة وأمانة وموضوعية وهدفنا الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة .







التعليقات


1 - الاستاذ العالم العلاف المحترم
الرصافي ( 2017 / 4 / 30 - 21:21 )
بعد التحية والاحترام .. نشكرك دوما على كتاباتك التاريخية والتراثية حول العراق عامة والموصل والمنطقة الكردية خاصة والتي تدونها بروح مهنية وحيادية عالية الثقة والمصداقية ونتمنى لك وافر الصحة والعمر المديد والخير وان يجنبك الله القدير كل مكروه ..واود ان اضيف اضافة بسيطة جدا وهي ان وزير الداخلية في ذلك التاريخ ( في موضوع ( العريضة ) كان السيد ( احمد محمد يحيى ) وهو عسكري برتبة عميد ركن واكيد تعرفه معرفة جيدة وهو من اهالي مدينكم الحبيبة ومن اصدقاء الزعيم عبد الكريم قاسم ..اما السيد عبد اللطيف الدراجي فقد عين بمنصب وزير الداخلية في بداية عبد السلام عارف يعد تشرين الثاني 1963 ..وتقبلو مزيد الاحترام والتقدير .

اخر الافلام

.. هل يمكن التعويل على قادة أوروبا لدعم القضية الفلسطينية؟


.. فوق السلطة - إحنا مش حمير!


.. بي_بي_سي_ترندينغ | هل كان صاروخ #الحوثيين الباليستي إيرانيا؟




.. بي_بي_سي_ترندينغ | الكويتيه_في_الجيش؟ هل هناك حاجة إليها؟


.. بي_بي_سي_ترندينغ | إلي أين سيصل السجال بين #بين_قريطم_ومعراب