الحوار المتمدن - موبايل



تفكيك النص القرآني - تحليل البنى اللغوية والدلالية - المقدمة ...ج1

تيسير الفارس العفيشات

2017 / 5 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


إن القرأءة التي نقدمها هنا تسعى الى فكفكة بنية النص القرآني واستنطاق المسكوت عنه، وكشف الغطاء الذي مارسه أولئك الذين راحوا يرفعون عن القرآن تاريخيته، بل وحركته الفاعلة في عملية بلورة وعي لم يكن مفصول عن الوعي السائد في لحظة نزول القرآن وتتالي آياته، وهي محاولة جرئية لم يعتدها الفكر الاسلامي ولا الدراسات الاسلامية التي حفت بهذا النص المؤسس في طول التاريخ الاسلامي وعرضه، نسعى في هذه الدراسة لزحزحة المفاهيم التاريخية التي تم تأبيدها بفعل نسق ديني وثقافي واجتماعي معين لا يزال مستمرا حتى يوم الناس هذا .
هذه القراءة تؤسس لعقل جديد لا يقبل الإنفصال النهائي عما تلقاه من أعمال ومنظومات ومذاهب أنجزها العقل الديني في الماضي البعيد، بشرط أن يعيد النظر في جميع ما ورثناه ولا يزال حيا وعاملا في حياتنا المعاصرة، بل وفي مستقبلنا.
على أننا لانريد تأسيس نظرية معرفية تذهب لاحتكار الحقيقة أو التحدث باسمها ، أو تفضيل منهجية التعقيد والتفكيك على إعادة البناء، والسياحة في فضاءات البنيات المعرفية وبحور الأفهومات المجردة على التلقين التدريجي للمعلومات الأساسية في لغة سهلة متداولة بين الناس، كما أننا لا نبرمج هذه الدراسات وفق نظرية تنازع التأويلات، أو إعتماد نظرية تأويلية واحدة، أو إختيار عقلانية معينة، بل سوف نعتمد على كل ذلك الجهد الذي بذل في هذا السياق وفي الدراسات الحديثة في الجبهتين الأسلامية والإستشراقية على السواء، إن تطبيق المنهج التفكيكي على ما أصلته هذه العقول في الماضي والحاضر لن يؤدي الى نفي الموروث أو هدمه أو تجاهله أو الإعراض عنه أو الخفض من قيمته ودوره التاريخي، شتان ما بين المشروع الأستقرائي الحفري التفكيكي الذي يعري كافة الأسس ويزيل الأنقاض ليجلي صورة الحقيقة، وبين الخطابات الأيديولوجية الأيمانية التبجيلية الطاغية في مجتمعاتنا المعاصرة التي تعاني من فوضى المفاهييم والمعاني ولا تفعل شيئا سوى إستعادة تلك الصورة المغرقة في القدم .
ولذلك سنتعرض الى تاريخية القرآن أي موضعة هذا الخطاب في إطار التاريخ وفي سياق الحدث الموضوعي الذي حرك التاريخ فيما بعد على نحو محدد تمام التحديد، ثم نحاول بلورة تلك المواقف التي اتخذت فيما بعد الاسلام التقليدي الذي لا يزال مستمرا الى اليوم، وهو اسلام نعرف أنه مرعوب بشكل كبير من تطبيق المنهج التاريخي على القرآن وعلى التراث الديني برمته، كما أنه يحاول بكل السبل الممكنة وغير الممكنة تأخير هذا النوع من الدراسات، ذلك لأنهم أي منظري الاسلام، يعرفون أن المنهج التاريخي سيؤدي الى تحرير الناس من هيبة رجال الدين وسيطرتهم على العقول، كما سيؤدي الى علمنة المجتمعات والمؤسسات السياسية والتعليمة، وهذا ما يخشوه أشد الخشية، أن القرآن بما يمثله من كونه قدس الأقداس لدى المسلمين فأن تطبيق الدراسة التاريخية العلمية عليه يعتبر جرأة ما بعدها جرأة، بل تدنيسا وهرطقة وخروجا عن الأمة، وارتدادا عن الإسلام، وكفرا بالله ورسوله وبدين الحق، ذلك أن الدراسة العلمية والتاريخية ستكشف عن تاريخية القرآن في نهاية المطاف، وسوف تربطه بظروف عصره الذي ظهر فيه وهذا ما يتحاشاه المسلمون الآن وفي كل وقت .
فمن الناحية التاريخية، نلاحظ أن الآيات القرآنية قد رافقت طيلة عشرين عاما الممارسة السياسية والاجتماعية والثقافية للنبي محمد، ففي الوقت الذي كان فيه النبي يعبر مباشرة وبشكل محسوس عن ممارسات وأهداف عمله ومشروعه، كان القرآن يخلع لباس التعالي على هذه الأعمال والوقائع ويسبغ عليها التعالي عن طريق ربطها بالمطلق الأعلى والإرادة الغيبية لله، وهكذا محي تاريخ وأسماء الأماكن والأحداث الفردية من الآيات على امتداد الكتاب كله، لنزع الصفة التاريخية، وطولب الوعي المدعو بالقلب أو باللب أو العقل اوالشعور بالحاح بربط كل شيء في هذا العالم بالخالق الأعظم، إن القرآن يؤسس وعيا خاصا بالعالم والتاريخ والدلالة، ولهذا فسوف يشرط وعلى مدار الزمن كله إدراك المؤمنين بالعالم وكل تعبير عنه.
ومن الناحية اللغوية كذلك، نجد أنه من السهل تبيان أن الخطاب القرآني يختلف عن كل خطاب آخر في اللغة العربية، إننا لا نقصد بالإختلاف هنا التفوق الذي ركزت عليه نظرية الإعجاز، وإنما نقصد المعطيات الشكلية والنحوية والمعنوية والبلاغية والاسلوبية والإيقاعية الخاصة بالقرآن، والتي يمكن حصرها والكشف عنهاعمليا ، إن المجاز يلعب دورا حاسما في تشكيل كلية الخطاب القرآني، وهو الذي يتيح تغيير أو تحوير الوقائع الوجودية الأكثر يومية وابتذالا وتصعيدها وتساميها من أجل أسطرة وترميز مناخ الوعي الديني الجديد الذي يراد تأسيسه وفرضه.
أما فيما يخص ظاهر الوعي الإسلامي المتشكل فيختلف سياقسا و دلاليا، فبعد موت النبي توقف الخطاب القرآني عن ممارسة دوره كقوة منظمة ترسخ وعيا في حالة الأنبثاق ضمن الأحداث المعاشة من قبل جماعة المؤمنين، إذ يصبح بالتدريج مكانا أو فضاء ثابتا يُرتد إليه للإسقاط، ومرجعا يعاد إليه من أجل تبرير المعايير الاخلاقية والسياسية والشعائرية والقضائية التي ينبغي أن تتحكم منذ الآن وصاعدا بفكر كل مسلم وممارساته، ولكن راحت تسقط عليه في أزمان تالية مختلفة وفي آن واحد كل أنواع التصورات والمفاهيم والافكار والتحديدات، التي تظهر الأواسط المهمة للمراكز الحضرية الجديدة ، دمشق ، بغداد ، البصرة..الخ، إن المرور من القرآن الى حالة الوعي الإسلامية المتأخرة يتم على صعيدين متمايزين ومترابطين، صعيد الدولة والمؤسسات وعملية التمثل أو الدمج الإيديولوجي للجماعات والمجتمعات على السواء.. دمجها داخل الأمة الإسلامية. وصعيد الانجازات العقائدية والثقافية، في كلتا الحالتين نجد أن الاسلام هو عامل التغيير والتحول، ولكنه يتحول هو بدوره عن طريق عوامل وأشياء خارجية عليه، وكلما ابتعد عن منبعه الأصلي، كلما ازدادت حدة الحنين للصفاء الضائع، وكلما تحولت تلك اللحظة التاريخية الأولى الى لحظة اسطورية تتمركز فيها القيم الحقيقية والوسائل الفعالة، من أجل النجاة الأخروية، إن جانب الدولة والمؤسسات الرسمية معروف بشكل أكثر لأنه استرعى انتباه المؤرخين المسلمين أنفسهم بشكل مبكر جدا، وأصبح الموضوع الأساسي للحوليات ثم للتاريخ الحديث المعاصر، في هذا النوع من المؤلفات تتعدد السلالات الحاكمة المتتابعة التي حكمت باسم الاسلام، الذي استخدم في الواقع كمصدر للتبرير والتسويغ، أي خلع رداء الشرعية على السلطة، وبهذه الطريقة شاعت فكرة الترابط والتضامن بين السلطة السياسية والدين، إن المؤرخين الذين كتبوا التاريخ أو نظروا فقط اليه انطلاقا من هاتين الذروتين قد قووا الرؤية الرسمية ورموا في دائرة النسيان القطاعات غير الخاضعة للسلطة الرسمية في كل مجتمع .
كان الفكر الفلسفي الكلاسيكي قد فرض في الاسلام حقلا معينا ونسقا من التفكير على حد رأي بير بوردو .. يمارس دوره بحسب التعارضات التبسيطية لمتواليات
: الخير و الشر، الصحيح والخاطئ، العقلاني واللاعقلاني، الجميل والقبيح، المؤمن والكافر، العقيدة المستقيمة والهرطقة، وهكذا تشكلت مقولات جوهرية اعتقد الناس زمنا طويلا أنها تمثل انجازات نهائية للعقلانية، مع انها مرتبطة بالخيال بشدة، ونحن نعلم أن مسألة الخيال المتشكل والمؤسس لم تحتل مكانتها التي تستحقها في وصف ودراسة التاريخ الإسلامي، وينبغي إعادة النظر في كل العلوم الدينية الناجزة في الإسلام ضمن هذا الاتجاه لتبيان نشأتها ومكانتها، لنتأمل في المثال الغني جدا لسيرة النبي، كانت احدى السير القديمة التي وصلتنا هي سيرة ابن اسحاق150 هـ، التي استعادها وصححها ابن هشام 218 هـ ، وقد استمرت عملية تشكيل الصورة الرمزية والقدسية المثالية لمحمد على هذا النحو طيلة أكثر من قرن في الأواسط المؤمنة تحت تأثير عوامل عديدة وطبقا لمنهجيات الثقافة الشفهية، لم يلغ الانتقال الى حالة التراث المكتوب مع ابن اسحاق، كل آثار التراث الشفوي في السيرة، ولكن هذا الانتقال يمثل مرحلة جديدة من علاقة المسلمين بالعصر الافتتاحي، نلاحظ فيما بعد أن ابن هشام قد أدخل أو مارس نوعا من الضبط التاريخي للحكايات والروايات كان سلفه يجهلها. ولكن مجموع القصص والشهادات يخضع لآليات انتاج المعنى الخاصة بالسرد الروائي أكثر مما يلتزم بقواعد كتابة التاريخ، فقد استخدمت المبالغات الخيالية الشعبية بشكل متمايز من حيث الدلالة والحقيقة عن العناصر التي نصفها بالتاريخية ضمن الرؤية الحديثة والسبب أن أناس ذلك الزمن وحتى الكثير من المعاصرين التقليديين لم يكونوا يعرفون التمييز بين الاسطورة والتاريخ.
إن القراءة التقليدية للسيرة النبوية ما زالت فاعلة ومؤثرة وإن مسألة بلورة الرؤى العجيبة والتسامي لا تزال مستمرة في إلهاب الخيال الاسلامي الجماعي، في الواقع إن الجزء الخرافي من السيرة هو الأكثر إضاءة وأهمية إذا ما أردنا القيام بدراسة النشأة التاريخية للوعي الإسلامي، وبدلا من إحداث التضاد العقيم بين التاريخ الوضعي الاختزالي من جهة، والعقائد الشعبية والتهويلات والمبالغات من جهة أخرى ، فإنه يمكننا توحيد حقل المعرفة عن طريق إعادة قراءة سيرة النبي من خلال التوجهات الثلاث التالية:
المنشأ التاريخي والثقافي للخيال الإسلامي الشائع، ثم وظائف هذا الخيال وإنتاجيته ، وأقصد بأنتاجيته هنا القوة المُجيشة والمحركة للتصورات داخل الحركات التاريخية الكبرى، من مثل فن القص أو اسلوب السرد كوسيلة لانتاج كل دلالة تغذي الخيال، أقصد سيميائية القص والاخراج المسرحي للحكاية، ونسج حبكة من الاحداث الواقعية، من اجل تشكيل رؤيا معينة أو تقوية بعض العقائد، أو إعلاء قيم معينة أو تحوير الماضي من أجل دمجه في النظام الجديد للعقائد والممارسات التاريخية، وهذا ما فعلته السيرة النبوية بعد القرآن بالنسبة للجاهلية .
وكذلك الشروط التاريخية والثقافية لتحول خيال جماعي محدد وتغييره أقصد عملية المرور من مرحلة الخرافة أو الأسطورة أو الشعائر والطقوس، الى مرحلة التاريخ ومعنى هذا المرور وشرعيته، أقصد المرور من مرحلة الخرافة المعاشة بمثابة التاريخ الحقيقي الى مرحلة التاريخ الحقيقي المعاش والمفهوم وكأنه إيديولوجيا. نستهدف بهذه النقطة الاخيرة بالطبع الاشارة الى الحالة الراهنة للمجتمعات الإسلامية والفكر الإسلامي.
يجب علينا أن نلاحظ هنا أن المعنى أي معنى، ليس له جوهرا أو مفهوما محضا، أو قصدا متعاليا يعبر عنه بمحمول لغوي، وإن كان المحمول اللغوي له اثرة في انتاج المعنى وتوليد الدلالة، وللنص حقيقته وسلطته مقابل مراد الله، ذلك أن الله وجه هذا الخطاب او النص الى متلقي يلتقط دلالاته، هو يستخدم المتراكم اللغوي الدلالي الذي قيل ولا يزال يقال، موظفا إياه بطريقة الاستنطاق المجازي أو الملفوظي عبر النسق المخيالي لعملية توليد المعنى، ونحن نعي أن كل معنى هو انتهاك لمعنى آخر، وكل قراءاة هي تأويل تحيل الى تأويل آخر، وهكذا نقع في الدور السببي الذي عانت منه الفلسفة كثيرا في القديم والحديث، كما عانى منه النص الديني، ذلك أن الاشياء المتعينة لا تكتسي معنى واحد بعينه عند شخصين مختلفين ولو تعلق الأمر بالملفوظة عينها، اذ كل منهما يعبر بمجازاته ونوعية ثقافته وتجربته الخاصة عن مضمون الشيء المراد تحديدة، الأمر الذي نريد قوله هنا أن النص تختلف قراءته بقدر ما يختلف المعنى نفسه في ذهنية المتلقي أو القارئ، ومعنى المعنى ينزاح الى أفق مغاير كذلك، نحن نتحدث عن نص هو حقل للقراءات المختلفة والقارئ بالنهاية، هو الذي يعيد انتاج المعنى ويؤسس النص، لنعمق هذه القراءة قليلا من خلال منهج التلقي...
هذا المنهج يركز على القارئ أثناء تفاعله مع النص قصد تأويله وخلق صورة معناه المتخيلة، اي تأسيس معنى المعنى، ما هي مرجعية هذه القراءة الأبستمولوجية الدينية والفلسفية والأدبية ؟ وماهي مرتكزاتها المنهجية ؟ سأجيب بسرعة عن هذا السؤال دون الدخول في هذا الفضاء الشائك لهذه المدرسة برغم ثقل منهجيتها ..
ترى نظرية التلقي أن أهم شيء في عملية القراءة، تكمن في المشاركة الفعّالة بين النص والقارئ المتلقي. أي إن إعادة الخلق الحقيقي للنص ينطلق من القارئ الذي هو المنتج للنص في مستوياته الثلاث المعروفة، ويعني هذا أن النص أي نص، لا تكتمل أركانه إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج، ونحن نعرف أن لكل نص قطبان: قطب فني، وقطب جمالي، والقطب الفني يكمن في النص من خلال البناء اللغوي ويتم حمله بالدلالات والثيمات المضمونية، قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والإيديولوجية، وهذه المحمولات حتى في كونها تحمل الشكل المعرفي لكنها تغلفُه عادة بمضمون يسكت تماما عن المضمون الأيديولوجي وهنا تكمن المفارقة. القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليا، أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريا وذهنيا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله، ويقوم التأويل بدور مهم في استخلاص صورة المعنى المتخيل عبر سبر أغوار النص واستكناه دلالاته والبحث عن المعاني الخفية والواضحة عبر ملء الفراغات، للحصول على مقصود النص وتأويله انطلاقا من تجربة القارئ الخيالية والواقعية، ويجعل التأويل هنا من القراءة فعلا حدثيا لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة أو الوحيدة المتعالية عن الزمان والمكان، لأن القراءة تختلف في الزمان والمكان حسب طبيعة القراء أو المتلقين ونوعيتهم، ولايكون النص نصا ابداعيا إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بين الأركان الثلاثة القائل ،والمقول، والمتلقي ، ويدل هذا على أن النص يتكون من عنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى، وهو يشكل أيضا التجربة الواقعية والخيالية، والقارئ الذي يتقبل آثار النصوص، سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكل استجابات معينة لا تخلو من الترميز البالغ، وهذا يجعل النص يرتكز على الملفوظ اللغوي والتأثير الشعوري في القارئ، أي على شكل ردود تجاه محمولات النص، وهذا ما فعله القرآن في بنيته السردية الفنية والفكرية على السواء، إن دل على شيء هذا فإنما يدل على أن القرآن يقع في الوسط بين النص والقراءة من خلال التفاعل الحميمي والوجداني الاتصالي بين الذات والموضوع أي النص والقارئ، ومن ثم فهذا المنتج أكبر من النص وأكبر من القراءة على السواء، بل يستحيل الى ذلك الاتصال التفاعلي بينهما في بوتقة منصهرة واحدة، وإذا كانت بعض المناهج تركزعلى اتجاه واحد في القراءة من النص إلى القارئ، فإن منهجية التقبل والقراءة تنطلق من خطين مزدوجين متبادلين: من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص على غرار القراءة الظاهراتية، ولا يحقق النص وظيفته الجمالية إلا من خلال فعل التحقق القرائي وتجسيده عبر عمليات ملء الفراغات وتحديد ماهو غير محدد، وإثبات ما هو منفي، والتأرجح بين الإخفاء والكشف على مستوى استخلاص المعاني عن طريق الفهم والتأويل والتطبيق، ولن تكون القراءة مثمرة جادة إلا إذا وجد القارئ الافتراضي الخيالي الذي يعيد بناء النص عن طريق نقده وتأويله، انطلاقا من تجربة جمالية وفنية بعيدا عن تصور القارئ الضمني الذي ليس له وجود في الواقع، وإنما هو قارئ ضمني، يخلق ساعة قراءة القرآن المشحون بالمضمون الخيالي الساحر، ومن ثم فهو قارئ له قدرات خيالية شأنه شأن النص، وهو لا يرتبط مثله بشكل من أشكال الواقع المحدد، بل يوجه قدراته الخيالية للتحرك مع النص باحثا عن بنائه، ومركز القوى فيه، واضعا يده على الفراغات الجدلية فيه، فيملؤها باستجابات الإثارة الجمالية التي تحدث له، وتفيد منهجية القراءة في معرفة الآثارالتي تتركها تلك القراءة، ويعني هذا أن ما يهم هذه النظرية ليس ما يقوله النص ولا من قاله ولا مضامينه ومعانيه التي تبقى نسبية، بل ما يتركه العمل من آثار شعورية ووقع فني وجمالي يخلب النفوس، وعليه، فإن النص يستجيب لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عمليات المشابهة النصية والمعرفة الخلفية وقواعد اللغة وتلك العلاقات التي تربط بين اللغة والفكر ثم ما ينتج من معنى بل ومن آثار المعنى كذلك.
ويبدو هنا أن تحليل النصوص تحليلا هيكلانيا، لا ينتج سوى مساحات من الاختلافات الظاهرية، كما نلاحظه مثلا بالدراسات الدينية للنص الديني المتمثل بقرأة السيرة والأحاديث النبوية وما ركب على هذه الأحاديث من قواعد فقهيه التي راحت تنطلق من مسارب ثقافية وتأولية مختلفة حملت بمضامين أيديولوجية سافرة، وذا ما انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم التالية :
ثنائية القارئ والنص وجدلية التوازن والخلق.
التأثير والتواصل والإحالة المتبادلة .
العمل المنتج بين المجالين الفني والجمالي .
التحقق والتأويل وتأويل المماهاة .
القارئ الافتراضي عبر الزمن والقوى المجيشة للخيال.
التواصل عبر التحليل والكشف الفكر المجهول .
البحث عن النص الغائب المتواري بين المجازات.
النص المفتوح و صدمة المعنى المتولد .
المسافة الجمالية واستنطاق المسكوت عنه.
أرجو أن أكون بهذه القرأة المختلفة التي أقترحها هنا أن أدفع بالعقل الاسلامي الى شيء مهم للغاية، هو أن القراءة جاءت لتحدد استراتيجية تنتظم في اطارها مفاهيم تحدد نمط من العلاقات والتصورات التي ستحكم حركة حياة المجتمع الاسلامي برمته.
إن المشكلة التي واجهة المستشرقين هو أنهم تبنوا استراتيجية الرفض، رفض كل شيء لمجرد أنه لا يوافق أو يتوافق مع قناعاتهم التاريخية او مع تحليلاتهم لأنساق تطور الحدث التاريخي في صدر الاسلام، وللأسف الشديد لم تخرج اغلب دراسات المثقفين الجدد في العالم الاسلامي ومن سار في ركابهم عن النتائج التي وصل اليها الاستشراق القديم وتحديدا مع جولدزهير أو الحديث مع موليان، لا أود أن أنخرط في هذا الجدل الحامي حول الاستشراق فذلك بحث ليس هنا محله ...
هي إذن قراءة في فضاء القرآن وهي قراءة صعبة نوعا ما، لأنها تختلف من حيث التحليل ومسار البحث عن كافة القراءات السابقة سواء الإسلامية بكافة أنواعها وأشكالها، أقصد التفسير الباطني أو الظاهري أو العقلي و التفاسير والدراسات الحديثة التي نحت منحى التأويل في جبهتيه المؤيدة والرافضة، أو مع المدرسة الاستشراقية التاريخية أو ما راح يطلق عليها المدرسة الوصفية التاريخية.
وصعوبة قراءتنا تكمن في التحليل السميائي الذي سنمارسه هنا، ونقصد بالتحليل السيميائي: نظام العلامات المرجعية التي تشكل النسق الذي يقوم عليه النص أو الخطاب، ونقصد بالنسق نظام الدوال والدلالات والأدلة التي تؤلف جسد النص، بحيث يتحول الخطاب الى نسق وليس الى طريقة في التركيب، وهذا سوف يظل شرطا غير ذي معنى إذا لم نربطه كذلك بمرجعيتين مهمتين جدا، المرجعية التاريخية أي كيف تحرك النص داخل التاريخ وكيف إنفعل وتفاعل مع التاريخ، وليس فقط بمفهوم تحرك الحدث في الزمان والمكان، وإنما الشروط اللازمة التي جعلت التاريخ يتحرك بهذا الأتجاه ولا يتحرك باتجاه مغاير، ثم المرجعية الفوق تاريخية، وهي تلك الشروط الموضوعية التي نقلت الحدث التاريخي الأرضي الى حدث تاريخي مقدس أو يعلو على التاريخ، سوف نربط هذه النتائج جميعها بالحركة العقلية في الفهم التي انتقلت ولا تزال الى الأمام الى غاية هذه اللحظة..
سأتحدث عن سياق يحدد مجالات التصورات الممكنة في الوعي، وهي مسألة غاية في الحساسية، لأن المعرفة السائدة والضاغطة على الزمن الذي يتحرك به التاريخ، تؤدي دائما الى نتائج عكسية وباستمرار، لا في صياغة وعي ممكن، ولكن تثبيت الوعي الذي أُنتج في الماضي، ليس على سبيل أننا نستعيده بمعنى ما ايضا، أي بنسقه الفاعل في الذات، ولكن بطريقة اكثر انسياقا وراء الذوبان التام في بنى المعرفة ان مسألة الزحزحة هنا، لا يمكن أن تتم في ظل المنهجية التاريخية أو إقصاء التاريخ بعيدا في تلك الزوايا المظلمة، إنها تتم في نسق التبدلات الجوهرية في المفاهيم المنبثقة في الوعي الجمعي للأمة المسلمة اليوم، وهذا لن يتحقق بعملية التفحص التاريخي، التي إعتمد عليه الأستشراق بكافة مدارسة..
اذا قمنا بقراءة هذا النسق بتبدلاته التاريخية نلاحظ قوى متعددة متداخله ومتشابكة حرفته عن مساره الذي كان يتحرك فيه لحظة التأسيس أو التدشين الأول، لماذا تم ذلك ؟ لأن السياق الذي كان يتحرك فيه الحدث لم يكن سياقا تاريخيا، فقد حكمه مسار محدد للصراع بين القوى المتنافسة، هذا ربما يصدق في الدول القائمة والثورات العاصفة التي تحدث داخل بنية هذه الدول، بينما الصراع هنا كان صراعا على تأكيد الحقيقة، وتأسيس دين الحق مقابل دين الباطل، إذن الصراع سيكون صراعا تدشينيا لقلب المجتمع السائد رأسا على عقب، بل وزوال هذا المجتمع المعاند للحقيقة الجديدة كيما تمارس هذه الحقيقة دورها في بناء التاريخ بشكل مغاير، وبشكل مختلف عما كان سائدا، ويدشنه كنقطة مركزية يحاكم بها تاريخ القرآن كله .
إن البرنامج الذي اقترحه هنا ليس برنامجا تفسيريا أو تأويليا للقرآن فذلك عمل صعب، وإنما هو برنامج يلمس فقط مساحة نريد أن نضيئها من جوانب أخرى لم تطرق من قبل، أي أن هذا الإجراء الذي سوف نقوم به هو من الاهمية بمكان. سوف نسلط الضوء على التركيبة الشاملة التي أنتجت هذا النص بشكله النهائي، إن الأستراتيجية التفكيكية هنا فيما يتعلق مثلا بالعنف والتقديس والحقيقة والتاريخ ستكشف عن عمق الأشياء التي لم تظهر الى السطح وتم إخفاءها حتى تحولت الى أمور يصعب التفكير فيها مع تتالي الزمن وطغيان التاريخ الذي فرض حقيقة مغايرة تماما، عملية الاخفاء هذه لم تكن مقصودة لذاتها وليس المقصود أيضا هو طغيان تصور ما لممارسة تاريخية راحت تُدشن بعد انتصار الاسلام انتصارا نهائيا، كما يزعم العروي وأدونيس والجابري وغيرهم، وهذه ايضا قضية ليس هنا محل ناقشتها لكني أخشى من شيئين في هذا التحليل :
الأول : أن يعتبر تعاملي مع النص هنا هو تعامل أدبي، أرجوا أن لا يفهم ذلك بتاتا لماذا ..؟ لأن الخطاب الأدبي يجعل القرآن المتوسل إليه والمقرؤ والمشروح من قبل المسلمين مهما كان مستواهم الثفافي وكفاءتهم العقائدية.. موضوعا للتساؤلات النقدية والتحريات الجديدة المتعلقة بمكانته اللغوية، ويجب أن نلاحظ هنا أن ثمة اختلال توازن فظيع بين الاستهلاك الايديولوجي للقرآن وبين الفكر النقدي الحرالذي يأخذ بعين الاعتبار كل المشاكل التي يطرحها البعد الايديولوجي للقرآن اليوم على كافة النفوس الحريصة على تحديد المعرفة بالظاهرة الدينية ككل، أو التي لا تخرج عن هذا التصور، ثم أن المقاربة الأدبية ستطرح المشكل الذي يقنن مستوى التفكير في كافة أبعاده وسياقاته ومعانيه، وما أقترحه هنا هو عبارة عن مقدمة لها دلالتها فيما ننوي قوله، لا دراسة بمعنى التقصي المعرفي لكافة مذاهب التصورالممكنة، ذلك أن دراسة بهذا الحجم لايمكن أن تنجز إلا من خلال تظافرالجهود من كل الباحثين المخلصين للكشف عن النسق العام للقرآن من جهة، ومن جهة ثانية موضعة الجدل المكثف الذي رافق تارخية القرآن في إطار عقلي.
ثم وإضافة لما سبق المقاربة اللفظية المعجمية لا تشكل إلا اللحظة الأولى للتحليل اللغوي والألسني الذي ينبغي أن يؤدي بدوره الى التحليل الأدبي، والملحوظات المتعلقة بالألفاظ تبقى مصطنعة ودون أية أهمية ايضاحية، إن لم تندمج في نظام العمل ككل، أي القرآن، ثم إن تعريف العمل الأدبي بصفته شكلاـ معنى ـ لا ينفصم عن اعتباره تشكيلا لعناصر دالة يعتمد على قوانينه الداخلية أو نسقه العام، ويتميز بصفته كلا متحركا مرتبطا بقصدية معينة، أي برسالة وابداع ما ، يظهر للقارئ على هيئة تشكيل مستمر لا ينتهي.
وهنا و لكوننا لا نستطيع أن نشرع بالدراسة الأدبية للقرآن دون أن نصطدم بذلك الإنتاج الضخم للمنظرين المسلمين والمتعلق بمسألة الاعجاز البلاغي، نحن نعلم أن العقيدة تنص على الصفة المحظ عجائبية والرائعة للقرآن، والتي تقول بعدم إمكانية تقليد الخطاب القرآني، يرجع أصلها الى التحدي الموجه مرات عديدة للعرب في أن ينتجوا عبارة واحدة واضحة بليغة متماسكة وممتلئة بالمعنى، كالرسالة المنقولة الى الرسول ومنه الى كل البشر، جاء في القرآن ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .
كان قد نظر لمفهوم الاعجاز هذا بشكل كثيف من قبل العديد من المؤلفين العرب الذين يسيطر عليهم منطق ارسطو وبلاغته، ولكننا نعلم جيدا أن الجهود المبذولة حاليا لتشكيل نظرية للأدب تستهدف على وجه الخصوص البرهنة على عدم صحة البلاغة الأرسطية، لهذا السبب نرى أن أية مقاربة أدبية للقرآن ينبغي أن تبتدئ بإستعادة نقدية للأدبيات التي دارت حول الإعجاز وهذا ما يجعلني أقف بمنطقه خطرة جدا عند الحديث عن المضمون الأدبي .
الثاني : هو بإستخدامي هذه المنهجية فإن لغة التحليل هنا ستكون صعبة جدا وجافة ومشحونة ومتحركة وقلقة وهناك كم من المصطلحات التي تحتاج الى شرح وتوضيح بالغ الدقة .
هذه السلسلة من الدراسات نحاول التركيز فيها ومن خلالها ايضا على فض الاشتباك الحاصل بين قراءتين للتاريخ الإسلامي، القراءة الايمانية الورعية الاسقاطية التي تقول كل شيء لتشكل وعي المؤمن، و تصوغ عقله وطريقة تفكيره، وهي تشمل كافة المذاهب الاسلامية دون استثناء، والقراءة الاستشراقية التي ظلت للأسف تدور في فلك الدراسات الاسلامية معتمدة على ذات المصادر الاسلامية القديمة، ثم راحت تتبع منهجية إعادة صياغة التاريخ او شحنه، وعلى الأخص صياغة تاريخية النص، الأمر الذي أوقع هذه الدراسات على رغم كم الجهود التي بذلتها في ذات الخطأ، أو الأخطاء المنهجية التي عانت منها الدراسات الاسلامية عبر تاريخها الطويل، سنكشف عن مدى التخبط الذي عانت منه كلا المدرستين، ثم سنحاول جهدنا تطبيق منهجية أخرى مغايرة ومتقاطعة مع كلا المدرستين، تنطلق من النص ذاته من خلال تفكيكه وإعادة تركيبه، وربطة بتاريخه الاجتماعي والثقافي وما حفّ به من أساطير تمت ترقيتها عبر التاريخ وفي جدله مع الواقع الثقافي الذي راح يسير بشكل مغاير تماما، سوف نكشف كذلك عن خطورة تحول الخطاب من صورته الشفاهية الى صورته الكتابية. ثم سنكشف كذلك عن خطورة التحولات الدلالية للمعاني التي صارت اقرب الى صيغ يغلب عليها الطابع الموسيقي، إضافة الى تفكيك وتحليل مشكلات المجاز في القرآن التي لم يتم الانتباه إليها بشكل موضوعي، الى غير ذلك من القضايا بالغة الأهمية .
نحن نعلم اليوم الى أي حد تم استخدام المصادر التاريخية واستغلالها من قبل، وهي مصادر نعرف مدى هشاشتها ونقصها، ثم بشكل أخص نعرف مدى العمليات التحويرية التي تعرض لها النص برمته، ونقصد بها عمليات التنكر او التقنيع، ثم الحذف والانتخاب، ثم التحوير، ثم التصعيد والتسامي، ثم جعل الأشياء متعالية وجوهرية ومقدسة، ثم أدلجتها اليوم بشكل فض وخشن، إن منهجيتنا ستأخذ بعين الاعتبار الجدليات الاجتماعية وتأثيراتها على العلاقة بين اللغة والفكروالتاريخ، وأما المنهجية القديمة فتجمد هذه الجدليات وتتجاهلها عن طريق تحويل الأفكار المتحركة ، والتصورات العابرة العرضية وآثار الحقيقة وعلاقات القوى المؤقتة والتحديدات الوظائفية أو الاعتباطية الى ماهيات مقدسة لا تمس، وحقائق متعالية ونواميس أخلاقية وتشريعات تتعالى على كل تدخل بشري.
ثم وبتطبيق هذه المنهجية لكي تشمل كل المصادر الاسلامية أي كتب التاريخ وكتب السيرة النبوية أو سير الصحابة، وتوسعات المخيال القرآني أو إدخال الشخصيات الرمزية التأسيسية في البناء العربي، والطقوس الدائرة حول الكعبة، كل هذه الأدبيات الثرية سنطبق عليها منهجية الحفر المعرفي العميق ، وبالتالي فلن نضيع الوقت والجهد في تلك الخصومات الدائرة حول المصادر القديمة أو حول صحتها أو عدم صحتها أو الحكايات الشعبية والهذيان الحالم للخيال التقوي الورع، أو على هذه القراءات السطحية التي تتناول اللحظة التدشينية للإسلام، وما تلاها من أحداث تحركت في مجري الزمن حتى هذه اللحظة الراهنة.
نلاحظ هنا ان هذا التحليل الحديث يقودنا بعدما ينتهي من استغلاله للوثائق التاريخية أو اعتصارها حتى آخر قطرة، يقودنا الى نقطة التماس والتوتر القصوى بين موقفين متمايزين للروح البشرية :
موقف يحصر المعرفة بالمعلومات النظرية والعلمية التي تنتجها الاختصاصات العلمية، وموقف يستقبل التعاليم الموثوقة والقابلة للتعميم كونيا لهذه الاختصاصات بالذات.
إذا كانت الامكانيات الحالية للبحث التاريخي تتيح لنا أن نعيد السيرة النبوية بشكل علمي لا يدحض الى قاعدتها البيؤية والعرقية والاجتماعية واللغوية والسياسية الخاصة بحياة القبائل في مكة والمدينة في بداية القرن السابع الميلادي، وأن عليه بالتالي أن يغير من مستوى النظرة المعرفية الخاصة بالتعامل مع قيم الاحداث المرافقة لهذا الانبثاق التاريخي للتعاليم والأفكار العامة والخاصة التي غيرت الواقع بل وأعادة تشكيله على أسس مغايرة وانبثاقة تواصلية عبر التاريخ حتى هذه اللحظة الراهنة، ولكن السؤال المنصف هنا كيف لنا مثلا أن نقيم العدل بين مكانتين معرفيتين متمايزتين للسيرة النبوية، أقصد مكانة السيرة أي الحركة التاريخية المحسوسة الملتصقة بالمكان المدني والمكان المكي ؟ وبين تموضعات السيرة في التاريخ، هذه السيرة التي استهلكتها الأمة وعاشت عليها طيلة قرون عديدة وسوف تستهلكها طيلة قرون قادمة لا يعرف مداها أحد، بصفتها جزءا لا يتجزء من المقدس الذي تم أسطرته وتعاليه الى آفاق لم يعد بمقدور أحد أن يمسها بسوء، والتي تغذي الواقع المعاش بكافة إمكانيات وجوده الممكنة، أقدم بهذا السؤال لأعيد التذكير بأنه
للوهلة الأولى نحن نصطدم بذلك العرض السردي المبسط جدا الذي يكرره عادة عدد كبير من الكتاب المسلمين والمستشرقين على السواء، وهم عندما يتبعون هذا التسلسل الزمني للأحداث منذ ولادة محمد الى نزول الوحي الى مسألة النبوة الى غير ذلك، حتى نصل الى مشارف هذا القرن و الى مشارف الأفكار التي يراد لها أن توصل أو يوصلها المؤرخ الى القارئ، هكذا يقومون بوصف هذه التجربة الطويلة عبر الزمن والتاريخ مركزين اهتمامهم فقط على بعض الشخصيات وعلى اللحظات الحاسمة لمجرى القدر الجماعي للأمة الإسلامية، من المؤكد أن هذا الوصف الجامد الساكن للأحداث سوف يخيب آمال رجل البحث العلمي والفكري، فهما يرغبان في التوصل الى معلومات جديدة وتفسيرات علمية دقيقة لما حدث ولنسق التاريخ كيف تمحور حول شخصية محمد، في الواقع أنه يصعب انجاز هذين الهدفين معا، ذلك أننا نجد غالبا فيما يخص الأسلام إما دراسات أكاديمية موثقة دون أي ابتكار، أو انفتاح نظري ، وإما تنظيرات سريعة وعمومية ناتجة عن تأويلات غير ناضجة للإسلام ذلك
أن التضاد الحاد والقاطع بين التراث والحداثة لم يُشكل في التاريخ إلا لحظة محددة هي لحظة العقلانية العلموية التي فرضت تحديداتها في الغرب، لقد تجاوزنا هذه المرحلة الآن، المجتمعات تتكلم على عدة مستويات وينبغي أن نتلقى كل خطاب على المستوى المعرفي الخاص به، ومن خلال المقولات التي ساعدت على تشكيله وتمفصله، هكذا نلاحظ أن خطاب أغلب الباحثين المعاصرين الأسلاميين والمستشرقين لم يتوصل حتى الآن، الى التمييز بين الأسطورة والتاريخ، لم يتوصل الى تفكيك المعرفة المتضمنة في النسق السردي، والتي هي في رأيهم تشكل الحقيقة التاريخية الناجزة والنهائية، إنهم يخلطوا بين هذين النمطين أو الطرازين من المعرفة ويتم الانتقال من الواحد الى الآخر دون أي انزعاج، ودونما أية مساءلة لتاريخية هذه النصوص، واي تساءل ابستميولوجي ممكن، بمعنى دون الشعور بأية مشكلة، وهنا تكمن الكارثة إننا لا نشهد تحليلا نقديا لحقل التجربة بالمعنى الاحترافي للنقد العلمي وصياغاته المتقدمة.
لما كانت قراءة التاريخ تفترض كما رأينا علاقة محددة للفكر باللغة، فإنه يفترض أيضا رؤيا معينة للتاريخ تتناسب مع اطاره والكتابة الخاصة بطريقة تعبيره وشكله أو اسلوبه، فنقل العبارات النصية للقرآن أي الآيات، ونقل الحديث والشهادات الخاصة بسلوك النبي وطريقة حياته وممارساته اليومية بكافة أشكالها وتمظهراتها الآنية والمستقبلية، وحتى علاقاته مع زوجاته ودائرة الصراع مع أعدائه، و كذلك الصحابة وأعمالهم وحروبهم، وانتقاء الوقائع والأحداث الدالة والمهمة بالنسبة للذاكرة الدينية للأمة، كل ذلك يشكل ممارسات عديدة تفترض مسبقا استخداما خاصا للتاريخ، ورؤيا خاصة للتاريخ، فنحن نعلم أن المؤرخون المسلمون يهتمون بالأحداث الزمنية المتسلسلة وبالسيرة الذاتية من أجل البرهنة على صحة المادة المنقولة وموثوقيتها. وما أن يتشكل التاريخ على هذا النحو حتى تشرع كل المناقشات الجارية بين الفقهاء والمدارس العديدة بإثارة المحاجات التاريخية، لكي تدعم مواقعها واطروحاتها، ومن المسلم به أن هذه المحاجات ليست تاريخية، وإنما هي مركبة ومبرهن عليها بشكل لا تاريخي، أي بالشكل التقليدي والمفهوم القديم للتاريخ، فكيف نعتبرها إذا حقائق، ثم نعود لمساءلة هذه الحقائق وفق طرح جديد ومختلف كليا ؟ .
نلاحظ أن الكتّاب الحديثين الذين اهتموا بالاستعادة النقدية للتراث الديني والثقافي أو كليهما، لم يستطيعوا زحزحة المناقشة من أرضيتها السابقة نحو دراسة تمهيدية للأطر الاجتماعية الثقافية السائدة، والخاصة بالمعرفة خلال مرحلة الأنبثاق وما تلاها طيلة القرنين التاليين، لا يكفي التذكير بالقول بأن النقل الشفهي كان يغلب آنذاك على النقل الكتابي، وإنما الشيء الأساسي والأكثر أهمية يكمن فيما يلي: تبيان كيف أن البعد الأسطوري والرمزي والمجازي، كان يتغلب آنذاك على المقولات العقلانية والمنهجيات المنطقية في تشكيل المخيال الاجتماعي وطريقة وظائفيته وممارسته، ينبغي أن تستعاد دراسة كل التاريخ الثقافي للمجال العربي والاسلامي ضمن المنظور المزدوج بين العاملين الشفهي والكتابي، الأسطوري والعقلاني، نجد هنا أن التاريخ والتراث بصفته نسيجا نصيا ومعنى يحمل مضمونا أي كشكل ومضمون، يحمل علامات هذه المنافسة وآثارها، وهذا ما يجعل لازما بل ومحتوما اليوم إعادة تقييم الشكل والمعنى، لأن كل هذه المفاهييم الأساسية المضطلع بها في المعاش الضمني للمؤمنين، من تقديس وغرائبي واسطوري وشفهي وكتابي ومخيال وعقلاني وغير عقلاني، هي الآن في طور الأنتقال الى حالة المعروف الصريح بفضل الاكتشافات الجديدة للعلوم الانسانية والاجتماعية







اخر الافلام

.. استهداف جديد لأقباط مصر.. متوالية الفشل الأمني


.. مصر... الطائفية البغيضة والإرهاب الأعمى


.. تصاعد الهجمات ضد أقباط مصر منذ الانقلاب




.. الحصاد- مصر.. الأقباط مجددا


.. من واشنطن- الإسلام وترمب وقاعدته الانتخابية