الحوار المتمدن - موبايل



المُحاصَصَةُ: وَهْمُ الكُونْكُورد!

كمال الجزولي

2017 / 5 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


أكمل الحزب الحاكم، مع ما يربو على المئة حزب وفصيل مسلح، ترتيبات حواره الذي كان دعا إليه رئيسه منذ يناير 2014م، باسم (حوار الوثبة)، مثلما أكمل تصنيف (مخرجاته)، بما فيها تكوين وتشكيل ما أسماها (حكومة الوفاق الوطني) التي شملتها بعض تعديلاته على دستور 2005م، والتي أنفق وقتاً ليس باليسـير يحـاول التَّوافق، بمنهج (يفـتح الله .. يسـتر الله)، مـع أكبـر (كـمٍّ) من القوى السِّـياسـيَّة على المشـاركة فيـها، مِمَّا كشف، بجلاء تام، أن الحوار نفسه لم يهدف، أصلاً، سوى إلى (المحاصصة)! وباستثناء أقلِّ القليل، فإن غالب من آزر الحزب الحاكم في تلك التَّرتيبات أحزاب وفصائل مسلحة صغيرة (تواليه) على رؤوس الأشهاد، دون مواربة، وأكثرها (نثار) شتيتٌ، منشقٌّ، غالباً، عن تنظيمات أمَّهات، لكنه بلا أثر يُذكر في السَّاحة السِّياسيَّة، بل إن الصَّحافة والرَّصيف السِّياسي يسمِّيانه، على سبيل الاستخفاف، والتَّقليل من شأنه .. (أحزاب الفكَّة)!
ولئن كانت (التَّفاهمات) مع أحزاب وفصائل هذا (النِّثار) لا تُعجز الحزب الحاكم، فإن جدواها، بالنِّسبة له، لا تبرح محض المزايدة على القوى السِّياسيَّة الحقيقيَّة أمام الرأي العام الإقليمي والعالمي، إذ أن مثل هذه (التَّفاهمات) لا تغني الحزب الحاكم شيئاً عن حلمه بمعادلة تطيب فيها نفوس القوى الكبيرة ذات الأثر والخطر، فتكفُّ عنه أذى المعارضة، وتحـقِّق له الإمساك بقرون السُّـلطة دون منازع!
وتلزمنا، ابتداءً، ملاحظة أن هذه ليست المرَّة الأولى التي يحاول فيها الحزب الحاكم تحقيق حلمه السَّراب هذا، إذ أنه جرَّبه، من قبل، أكثر من مرَّة. لكنه دائماً ما كان يصطدم بالفشل، إمَّا لتوهُّمه إمكانيَّة تكبير كومه بقوى (كثيرة) لا وزن لها، أو لتَّنكره لما قد يتَّفق عليه مع قوى (كبيرة) ذات وزن، إن حدث ونجح في ذلك لبعض الوقت، قبل أن يعود لينكص عن اتِّفاقه. سوى أن الأجدى، بطبيعة الحال، هو عدم إضاعة الوقت في ما لا طائل من ورائه، فالحزب الحاكم يدرك، أو ينبغي أن يدرك، أن هذا (النِّثار) ليس بقادر على أن يسند ظهره، ساعة الحارَّة، دَعْ أن يحمله، كما يشتهي، إلى بلوغ السَّيطرة (الهادئة) على السُّلطة. مثل هذا الهدف، أصلاً، عصيُّ المنال، إن لم يكن (مستحيلاً) قولاً واحداً، لكونه يعني، ببساطة، القفز فوق كلِّ القوى ذات الثِّقل، سياسيَّاً وعسكريَّاً، مع الاحتفاظ، في ذات الوقت، بالأمل في الاستئثار (الهادئ) بالسُّلطة، ولا بأس من إلقاء بعض (الفتات)، من تحت المائدة، لـ (النِّثار) السِّياسي والمسلح الذي يمكن أن يرضى بـ (محاصصة) كهذي، مع العمل على حرف الاهتمام عن القضايا الرَّئيسة إلى قضايا انصرافيَّة، على غرار اتِّهام وزير بتزوير شهاداته الأكاديميَّة، مثلاً، فلكأن هذا استثناء لا يقاس عليه، أو لكأن وزير العدل النَّائب العام الأسبق، محمد علي المرضي، لم يجأر في (قاعة الزبير)، قبل سبع سنوات، بالشَّكوى، صراحة، من تزايد هذه الظاهرة وسط كوادر الدَّولة، خلال مداخلته، آنذاك، أمام "سمنار حماية المستندات الرسمية من التزوير" (موقع "الصَّحافة" على الشَّبكة؛ 20 يونيو 2010م)!
الفرضيَّة الأساسيَّة هنا هي إمكانيَّة شغل القوى ذات الثِّقل بهذه القضايا، لجعلها تقف عاجزة عن مجابهة مثل هذه التَّرتيبات! وتلك، بلا شك، فرضيَّة وهميَّة، إذ لو كانت ممكنة لتحقَّقت، ولنال الحزب الحاكم مراده، منذ آماد بعيدة!
من جهة أخرى ليس عقلانيَّاً، البتَّة، الاستبعاد المطلق لأن ينمو، حتَّى لأحزاب وفصائل (النِّثار) هذه، ريش يدفعها للتَّذمُّر من واقع بئيس يفرض عليها الاستمرار في مؤازرة الحزب الحاكم، دون أن تنال، بالمقابل، سوى الفتات! توقُّع مثل هذا التَّذمُّر مِمَّا لا يحتاج لكثير فطنة، اتِّساقاً مع منطق (المحاصصة) نفسه الكامن في صميم (حوار الوثبة) و(مخرجاته). فبحسب ملاحظة بعض الباحثين، حتَّى من محاسيب الحزب الحاكم، أخذ هذا التَّذمُّر زداد تفجُّراً في صفوف (النِّثار) كلما اقترب موعد الإعلان عن تشكيل (حكومة الوفاق الوطني)! وعزا أولئك الباحثون الأمر إلى أن (قيمة) الحوار لم تكن حاضرة، في أي وقت، بين أطرافه، طوال جلوسهم حول مائدته، وأن عقليَّة المتحاورين أنفسهم كانت مبنيَّة، أصلاً، على كيفيَّة الوصول لكراسي الحكم (الجَّريدة؛ 8 مايو 2017م). ولعلَّ أقوى دليل على ذلك ما بدأت تؤول إليه علاقة الحزب الحاكم بتلك الأحزاب والفصائل فور البدء في تشكيل الحكومة الجَّديدة. ففي حين ما يزال هذا الحزب يعاني من موقف الأحزاب والفصائل ذات الوزن، لرفضها المشاركة في الحوار ومخرجاته، ها هي أزمة أخرى تتفجَّر تحت قدميه من حيث لا يحتسب. وكمثال فإن ما تُسمَّى بـ (القيادة التَّصحيحيَّة)، المنشقَّة عن (حركة العدل والمساواة) المسلحة، قد أعلنت سحب مرشَّحيها لـ (حكومة الوفاق الوطني)، بل والخروج من (وثيقة مخرجات الحوار) نفسها، احتجاجاً على "تخصيص" مقعد تشريعي واحد لها بولاية وسط دارفور (!) وقد انتقـد رئيس هذا الفصيل ما وصـفه بعدم التزام الحكومة بالعـدالة في توزيع "الحصص" (!) كما أقرَّ رئيس (مجلس حركات سلام دارفور) بتذمُّر بعض الحركات بسبب ضعف "حصَّتها" في الحكومة، وبسحبها قوائم مرشَّحيها بعد تسليمها لرئيس الوزراء (المصدر نفسه). أمَّا التِّجاني السِّيسي، رئيس (حركة التَّحرير والعدالة)، فقد غادر، مغاضباً، إلى لندن، بعد أن رفض منصباً في مجلس الوزراء، مطـالباً بمنصب في رئاسة الجُّمهوريَّة!
مشكلة أهل (النِّثار) أنهم أوهموا أنفسهم، منذ البداية، بأن الحزب الحاكم سيقتسم معهم (كيكة السُّلطة)! وكان البشير ونائبه الأوَّل قد بثَّا للإعلام شكواهما من "صغر الكيكة وكثرة الأيادي!" (التغيير الإلكترونيَّة؛ 12 مايو 2017م). وكم كان الإمام الصَّادق المهدي دقيقاً حين قطع، مستخدماً، كعادته، تعبيراً سودانيَّاً طريفاً، بأن "الحكومة ستمنح المشاركين رواتب وسيَّارات .. لكن سلطة كَوْ" (السُّوداني؛ 8 مايو 2017م).
مهما يكن من أمر، فإن حدث ووقعت معجزة تجعل الحزب الحاكم يتطلع، حقَّاً، ولألف سبب وسبب، إلى تسوية سلميَّة متفاوض عليها، فينبغي أن يضع نصب عينيه أن شيئاً منها لن يتحقَّق بغير الكفِّ عن تجريب المجرَّب، ما يعني الاقلاع عن الاستغراق في (وهـم الكونكورد!)، كناية عن الإصرار، في كلِّ مرَّة، على إطلاق هذه الطائرة، رغم ثبوت عدم صلاحيَّتها، المرَّة تلو المرَّة! ولا بُدَّ للنِّظام، كذلك، من التَّعاطي المستقيم مع المطلوبات الموضوعيَّة التي لطالما طرحتها قوى المعارضة، وفي مقدِّمتها تَّوقُّفه، تماماً، عن مواصلة حلمه باستمرار سيطرته المنفردة على السُّلطة، علماً بأن (المشاركة) الشَّكليَّة لا تنفي (الانفراد) بالسُّلطة، بل تعزِّزه، وإلى ذلك وقف الحرب والعدائيات كافَّة، وتيسير العمل الإنساني بلا قيود تكتيكيَّة، وإلغاء التَّشريعات المقيِّدة للحريَّات، وإطلاق سراح المعتقلين والسُّجناء السِّياسيين، والأهمُّ أن يكون الهدف النِّهائي end game من هذه الإجراءات عمليَّة انتقاليَّة متكاملة، أبرز عناصرها التَّوافق على تكوين حكومة انتقاليَّة تشرف على تمكين الجَّماهير من مردود مستحق لها على صعيد الحريَّات، والصَّحة، والتَّعليم، والمعايش كافة، وإنفاذ شكل وطني من العدالة الانتقاليَّة، وعقد مؤتمر دستوري جامع، بلا استثناء، للإجابة على السُّؤال المعلق أبداً عن كيف يُحكم السُّودان، ولصياغة دستور دائم للبلاد، ثمَّ إجراء انتخابات نزيهة تحت رقابة دوليَّة، وهلمَّجرَّا.
لقد أثبتت الخبرات التَّاريخيَّة أنه، بغير التَّوجُّه نحو غايات كهذي، لن تكون التَّسوية السِّياسيَّة السِّلميَّة الشَّاملة ممكنة قط، بصرف النَّظر عن قوَّة دفع المجتمع الدَّولي أو الإقليمي نحو شكل مبتسر منها. فالحزب الحاكم يظلُّ ملزماً، بموجب المنطق الدَّاخلي نفسه لهذه التَّسوية، بسداد مستحقَّاتها على دائر المليم، بينما المعارضة غير ملزمة بقبول أيِّ تسوية مجَّانيَّة، وإلا فإن المآل لن يكون، في نهاية المطاف، سوى الانفجار المدوِّي، بالغاً ما بلغت كلفته، و .. حقَّاً ما خاب من أعمل في دروس التَّاريخ نظراً!

***







اخر الافلام

.. أخبار عربية - التحديات الأمنية للحكومة المالية


.. الفيضانات تحاصر المئات من مسلمي الروهينغا في بنغلاديش


.. فضيحة السيارات بألمانيا تلقي بظلالها على الحملات الانتخابية




.. ضباط إسرائيليون يعرضون خدمات على شخصيات فلسطينية


.. ترويج- شاهد على العصر - المنصف المرزوقي الحلقة 26