الحوار المتمدن - موبايل



عن الفقر إلى الفقراء ( 8 )

عدنان الصباح

2017 / 5 / 19
المجتمع المدني


إلى أن يصبح الحبر خبزا والأقلام معاول

يبلغ عدد سكان الكرة الأرضية من أبناء الأمة البشرية حوالي 7 مليارات إنسان, منهم ألف وأربعمائة وست وعشرون شخصا يملكون 54000 مليار دولار في حين يعيش ما يقارب 3 مليارات تحت خط الفقر وهو دولاران أميركيان في اليوم، ومن بين هؤلاء هنالك 1.2 مليار يحصلون على أقل من دولار واحد يوميا. كما تفيد الإحصاءات الغربية بالأرقام أن الدول الصناعية تملك 97% من الامتيازات العالمية كافة، وأن الشركات الدولية عابرة القارات تملك 90% من امتيازات التقنية والإنتاج والتسويق، وأن أكثر من 80% من أرباح إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في البلدان النامية يذهب إلى 20 دولة غنية ,وفي البلدان النامية نجد أن نسبة 33.3% ليس لديهم مياه شرب آمنة أو معقمة صالحة للشرب والاستعمال، و25% يفتقرون للسكن اللائق، و20% يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية، و20% من الأطفال لا يصلون لأكثر من الصف الخامس الابتدائي، و20% من الطلبة يعانون من سوء ونقص التغذية وفي المقابل تبلغ ثروة ثلاثة من أغنى أغنياء العالم ما يعادل الناتج المحلي لأفقر 48 دولة في العالم، كما أن ثروة 200 من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل 41% من سكان العالم مجتمعين. وتوضح الدراسات أنهم لو ساهموا بـ 1% من هذه الثروات لغطت تكلفة الدراسة الابتدائية لكل الأطفال في العالم النامي وبينما يموت 35 ألف طفل يوميا بسبب الجوع والمرض ويقضي خمس سكان البلدان النامية بقية اليوم وهم يتضورون جوعا، تقل المساعدات المخصصة للدول الفقيرة عن طريق منظمة الأمم المتحدة عما تنفقه تسعة من البلدان المتقدمة على غذاء القطط والكلاب في ستة أيام فقط.

هذا هو الحال إذن على الأرض حاضنة البشر كل البشر, الذين أنفسهم يعتقدون أنهم ينتمون لأب واحد وسلالة واحدة, وان الألوان والأعراق والأجناس صاغتها وشكلتها التفاعلات بينهم وبين الطبيعة, وسائر الأديان والفلسفات قدمت أبدا صورة وردية وجميلة للإنسانية كمجتمع واحد موحد, وعلى مر العصور لم تتمكن قوى الشر وأفكارها أيا كانت أن تحقق القدرة على العيش بمبادئ لا توحد ولا تساوي بين بني البشر, وحتى أولئك الذي يؤمنون بعقائد عدوانية أو عنصرية تضع فوارق بين البشر حسب أجناسهم أو ألوانهم أو معتقداتهم, فهم أبدا لا يجرؤون ان يقدموا تلك العقائد بشكلها الفج, بل هم يغلفونها أبدا بغلاف إنساني رحيم وطيب, مما يدلل على عدم قناعتهم بقدرتها على العيش عارية على حقيقتها, ولذا انهارت كل الإمبراطوريات الفكرية او السياسية أو الاقتصادية التي قامت على أسس التفرقة وعدم المساواة, ووجدت شعوب الأرض جميعا نفسها غير قادرة على العيش منعزلة مهما بلغ اعتقادها بسموها أو رفعتها او خصوصيتها.

إن البشر جميعا يشبهون الأرض التي ينتمون إليها, فهم يلدون صفحة بيضاء مستعدة لاستقبال ما يزرع بداخلها لينمو نبتا فاعلا, تماما كما هي الأرض البكر, وما نصل إليه ما هو إلا من صناعة البشر, وتلك الصناعة لا تنتمي لها تعاليم الله بأي شكل أو لغة جاءت, ولا لأي ديانة تنتمي فسائر الأديان توحد بين بني البشر وكذا سائر الفلسفات النقدية.

لقد سرق أقوياء البنية الجسدية قوت الضعفاء في العصور الأولى لظهور البشر, وقتل الأقوى الأضعف كما تقول الروايات, وتواصل الأمر إلى اليوم, فأولئك الذين يحتفظون اليوم بثروة البشرية عنوة ويحرمون أبناء جلدتهم من الحق بالمأكل والملبس والمسكن, هم أنفسهم من احتكروا العشب لقطعان ماشيتهم ذات يوم, ومن اجبروا الضعفاء أن يبنوا البيوت ويشقوا الطرق ويشيدوا الاقنية ويقيموا السدود والقصور وحتى المقابر لصالحهم, مستخدمين قوتهم ضد ضعف الآخرين.

شيئا لم بتغير فكل أشكال الظلم والاضطهاد عبر العصور واحدة زان تغيرت مسمياتها وإشكالها إلا أن ما يوحدها هو احتكار القوت ومكوناته وامتلاك الثروة ومصادرها لحفنة قليلة باتت قوتهم غريبة عجيبة, فان كان هناك ما يبرر سطوة القوي جسديا على ضعيف البنية في العصور القديمة والأقرب إلى الحيوانية فان ما يتواصل اليوم لنفس الصورة لا مبرر له فمن المفروض ان عالم وشريعة الغابة قد ولت لا ليحل مكانها شكلا جديدا من نموذجها بل من المفترض صيرورة إنسانية تتوافق مع الرقي الفكري والإدراك الواعي لوجود الإنسان إبداعا ومدنية وسمو وقدرة على الفعل الجماعي لصالح الجميع لا على العبودية المقنعة لصالح نفس حفنة اللصوص القدماء أحفاد وحوش الغابة المفترسة.







اخر الافلام

.. معركة تلعفر.. وحرب النازحين الجدد


.. مجلس الأمة الكويتي يبحث السماح بالتحاق البدون بالجيش


.. العلاقات الأميركية-المصرية تصطدم بحائط الحريّات وحقوق الإنسا




.. العلاقات الأميركية-المصرية تصطدم بحائط الحريّات وحقوق الإنسا


.. مأساة النازحين السوريين تبلغ مستوى خطيرا