الحوار المتمدن - موبايل



واقع الشاعر في ديوان -ظبي المستحيل- بكر زواهرة

رائد الحواري

2017 / 5 / 19
الادب والفن


واقع الشاعر في ديوان
"ظبي المستحيل"
بكر زواهرة
هناك علاقة تناقض بين تناول الجمال والفكر، فالجمال يعتمد على الطبيعة ويهيم بالمتلقي في عالم ناعم، سلس، هادئ، بينما الفكر بحاجة إلى التأمل والتوقف للتفكير والتحليل، وهذا يحمل شيء من التعب واحيانا الارهاق، لكنه أيضا فيه شيء من المتعة، لكنها متعة تأتي بعد جهد وتعب، على النقيض من الجمال الذي يمنحنا المتعة دون أن نبدي أي مجهود، فكل ما علينا هو تسليم انفسنا للطبيعة/للمرأة، الرجل/الكتابة، القراءة، وسنحصل على السعادة والفرح.
الشاعر "بكر زواهرة" في ديوانه يقدم لنا الجمال والتفكير معا، لهذا سنجد فيه حاجتنا من الجمال، خاص في القصائد المقفاة، حيث نجدها صيغة بطريقة جميلة، وهذه الصياغة لوحدها ممتعة وتمنح المتلقي راحة وسكينة، وتحمل في ذات الوقت فكرة، تدفعنا للتوقف عندها، نفكر فيما أراده الشاعر منها، وهنا يكمن الابداع، الجمع بين المتناقضات، الراحة والتعب، المتعة والألم، الهدوء والصخب، المرأة والحرب، الطفل والموت، الليل والنهار، الحرية والمحتل، ومن هنا نقول بأن ابداع الشاعر، أي شاعر يكمن في تميزه عن غيره، فهو يكتب بطريقته، بفكرته هو، ويقدمها لنا بلغته الخاصة، باسلوبه المميز.
سنجد في هذا الديوان قتامة الواقع، فالواقع الفلسطيني والعربي مؤلم ومتعب، لهذا سنجد انعكاس هذا الواقع على الشاعر، بحيث نجد شح في تناوله العناصر المخلصة من التعب وضغط الحياة، المرأة، الطبيعة، الكتابة، فالواقع كان اكثر قوة وتأثيرا عليه، لهذا لم يستحضر العناصر المهدئة/المخففة بإسهاب، واقتصر تناوله لها بشكل خفيف، وكأنه اصبح متكيفا مع واقعه المؤلم، أو أنه أرادنا أن نتماثل معه فيما يحمله من هموم وآلام، وأن نكون أمام واقعنا لنشاركه في عملية البحث عن بدائل للتغيير والتقدم من الحياة التي ننشدها.
فاتحة أي عمل مهمة جدا، فهي المدخل الذي يعبر عما يحمله/يكون عليه المضمون، فنجد الشاعر يقدم لنا عنوان قصيدة الفتاحة "الطفل النبي" وهذا العنوان لوحد يحمل شيء من الاستفزاز/التوقف/التفكير، وهذا ينسجم تماما مع لب الديوان، فمن هو هذا الطفل النبي، هل هو المسيح؟، رمز لكل الظلم والعذاب الذي قد يتعرض له أي مخلوق جديد، فحياة السيد المسيح مترعة بالألم والشقاء، فقد ولد في المذود، وتشرد مع أمه لتحافظ على حياته من القتل، ثم تم التآمر عليه من قبل الفريسين والكهنة، إلى أن تم صلبه وقتله، أم أراد به الحديث عن اطفالنا نحن في المنطقة العربية، الذين يعانون من اشد الحروب وحشية، الحروب الأهلية، التي تحرق الأخضر قبل اليابس، فالفاتحة تحملنا على تأمل وأيضا تأخذنا إلى عوالم أخرى، لهذا نقول بأننا أمام نص شعري مميز، يهيم بنا ويجعلنا نبحر في فضاء التاريخ ومقارنته مع واقعنا.
أريد هنا أخذ بداية القصيدة والتي يقول فيها:
"برء يرق كبرعم الينبوع
في أرض الكلام
يا أيها الطفل النبي
كل الضجيج خرافة" ص9
استخدام حرف النداء دائما يقرب/يجذب المتقي من النص، لما في من حيوية وحضور آني، ونجد في هذا القصيد بدايتها الرقيقة، وهذا البداية تتناقض تماما مع تتمة القصيدة، والتي جاءت قاسية ومرهقة لما فيها من ألم، وكأن الشاعر أرادنا أن نشعر بقسوة/بوحشية ما حدث للأطفال، فالبداية منسجمة مع طبيعة الأطفال، لكن التتمة كانت موحشة، إن كان على مستوى الالفاظ أو المعنى، الشكل والمضمون، لهذا نجده يستخدم هذه الفقرات:
"... مرآتنا لا زال يرسمها الحطام
... في الحرب كم كذب الرصاص على الحليب
يا واحد المعنى ونحن شظية
سقطت على كسر المعاني كالغبار" ص9- 11، فكل الالفاظ صعبة وقاسية وتتعارض مع مفهوم الطفولة، وهذا ما أرادنا الشاعر أن نصل إليه، فقد أوصل رسالته من خلال اللغة ومن خلال الالفاظ وطريقة تقديم/شكل تقديم القصيدة.
هناك قصيدة أيضا مميزة، قصيد "قبض على ظبي المستحيل" فنجد حالة الاحتقان عند الشاعر، لكنه يفرغ هذا الاحتقان بشكل أدبي، بشكل صور متقطعة، لكن تجمعها الفكرة وطريقة تقديمها:
"أرض على وشك الزفاف
هزيمة في جيش "جينوس" الأخير
حبر سماوي على شوق الرمال
نهاية الأشياء ميلاد جديد
بحر يشيب من الثكالى كالنهار
نهر من الأمواج يضحك بالجراح
تعب على صوت القصيدة والكلام
حرب تكر على المحاصر
بالجدار والغبار" ص13 فكل مقطع يمثل صورة/مشهد منفصل، لكنه يعمق الفكرة، وإذا ما استثنينا المقطع الأول "أرض على وشك الزفاف" الذي يحمل فكرة جميلة واستخدم فيه ألفاظ ناعمة وسلسة، نجد بقية القصيدة قاسية وسوداء، حتى أننا نجد سواد قاتم، خاصة عندما يستخدم الشاعر الحيوانات، فهي تعبر دائما عن ذروة العزلة والغضب الكامن في الإنسان "ذئب البنادق في متاهات العواء" ص14
"ليث بلا قلب فقلب الليث تحمله الرجال" ص15، فالصور تمثل القسوة والرعب معا، تمثل الوحشية الحيوانية التي تسيطر على الإنسان:
"كظبي غفا للمرة الأولى
كما طفل ينام وقد علا قلق الرصاص
شمس تشع ما تشاء من ضحايا الأمهات
قمر يضمد جراحه
ضوء النزيف" ص15، الإنسان الطفل والأم، يشيران إلى الحياة الجديدة إلى الأمل والمستقبل، والطبيعة الشمس والقمر وهما رمز الحرية والصفاء، نجد كل هذه العناصر والكائنات تم تشويهها واعطاءها صفات سوداء، أو إلحاقها بفعل قاس، وهذا ما يعكسه الواقع على لغة الشاعر، فهو كالمرآة التي تظهر الواقع، لكنها مرآة غير عادية، تجعلنا نتفكر في ما آلت إليهه أحوالنا لكي نتقدم من المستقبل ونهجر العذاب والجعل الذي يتحكم فينا.
هناك العديد من القصائد السوداء، لكن الشاعر جعل عنوان احدى القصائد تتماثل مع هذا السواد وتتوحد فيه، فكانت قصيدة "جنازة" مترعة بالسواد، شكلا ومضمونا، لغة وألفاظا، وهي من اقسى القصائد في الديوان.
نجد في قصيدة "طفل العروبة" بؤس الواقع في المنطقة العربية، فالبحر الذي أخذنا من الاجساد ما تعجز عنه آلة الحرب، يخاطبه الشاعر فيقول"
"البحر مقتول وطيفك مائل
والخلق في صمت وجسمك سائل
وأدرت ظهرك بالملمات معاتبا
أو ساخرا فالخلف غدر سافل
يا بحر أني من فعالك غاضب
وحصان شعري في دماءك نازل
حالفت يعرب في الخيانة كلها
جهرا أراك مع الطغاة تصاول" ص115-117، بهذا يكون أثر الواقع على الشاعر قد انتقل إلى لغته وإلى شعره، وتعد هذه القصيدة من الاستثناءات التي جعلته كالصحراء التي ابتلعت العديد منا، وما يحسب لهذه القصيدة أنها جعلت ما هو جميل ـ البحر ـ يأخذ صفة القاتل والمتآمر على الإنسان، وهذه التورية من أجمل ما قيل عن الواقع في المنطقة العربية، البحر العظيم المعطاء الذي لا يماثله مخلوق آخر يتحالف مع الطغاة والقتلة!.
رغم كل السواد يبقى الشاعر صاحب رسالة نبيلة وعليه تقدمها للقارئ، رسالة الأمل والمستقبل، لهذا نجده يعدل عن هذا السواد في قصيدة "طائر الشمس لا الشك" والتي تحمل الأمل وتقدمنا من المستقبل، فالفرح حاضر في هذه القصيدة والتي نجد فيها ذاك الخط الأبيض الذي يمدنا بالحيوية والتشبث بالمستقبل:
"لا شك في أن الذي سوف يبعث من بعيد الموت فينا هو الفجر
الملحد في مقابر الظلام
المحتذى من تحت أقدام السماء
فأول البسمات نجم
مثل نافذة على وجه السحاب
زرقاء عين ترة ما لا يرى
من فوق أشجار النهار
والفجر استاذ لأنغام يلحنها
على أسماعنا لوز سوف يحترف الحضور
يسقى ضفاف الضوء من ذهب مذاب
في بحيرتنا الحياة" ص50و51، واهم من يضن أن أيا منا يستطيع أن يبدل جلده، وينسلخ عن واقعه، فالواقع يفرض ذاته، من هنا نجد الفاظ سوداء في القصيدة، فرغم الأمل واللغة المتفائلة الحاضرة في القصيدة إلا أن هناك شوائب ما زالت عالقة في ذهن الشاعر، لهذا نجد أثر للسواد ما زال فاعل ومؤثر فيه وفي لغته الشعرية.
كيف يمكن التخلص من هكذا واقع؟ وما هو العنصر/الشيء الذي يمكنه أن يزل مثل هذه القتامة من نفس ولغة الشاعر؟ وكيف يمكنه أن يصل إلى الذروة الأمل؟، بحيث يتخلص من لغة السواد ويقدم لنا فكرة بيضاء ناصعة؟.
هذا التحول كان في قصيدة "هديل الفطام" فالشاعر يتحدث عن الأم، والتي بالتأكيد ستخلصه من كل الهموم والمتاعب، وتجعله يهيم في عالم الطفولة البسيط وعالم السعادة، لهذا نجد حضور الأم قد انعكس بشكل مطلق على فكرة ولغة الشاعر، حتى يبدو لنا بأننا أمام شاعر آخر، فقد تم تحرره من كل سلبيات وقسوة الواقع، وأخذنا إلى هذه المشاهد:
" الفجر يبتكر النهار لرؤية
والشمس حلم في الصباح يرام
عصفور قلبي في الضلوع مغرد
طلق الجناح وذا الفضاء غرام
محراب أمي بالنشيد مأذن
أهوى الخشوع وفي السجود حرام
في ثوبك الفطري حقل حكاية
تروي المزان سنابل وخزام
أنت المحبة اذ تجوب سفائني
وعلى السفينة أمة وأنام
فكل بدء في الحياة نهاية
إلا هواك تزيده الأعوام" ص23-27، من أجمل وأمتع القصائد التي صيغة عن الأم، فهي من استطاع أن يخلص الشاعر من واقعه، ومن يقرأ الديوان ويجد فيه هذه القصيدة يتأكد الأثر الذي أحدثته الأم في الشاعر، فالألفاظ واللغة، والفكرة، وطريقة التقديم كلها كانت تتألف لتعطي فكرة المحبة والجمال الكائن في الأم ومن ثم في الحياة، فالقصيدة تمثل نص مطلق البياض، بحيث لا نجد أي لفظ شاذ يتعارض وفكرة البياض.
القصيدة الأخرى المتميزة قصيدة "حرية الحرية" والتي تتلاقى مع قصيدة الحرية ل"بول إيلوار" في فكرتها، ومع طرح جبران في مضمونها، من هنا كانت هذه القصيدة استثنائية لما فيها من أفكار ومضامين، فالشاعر يتوق للحرية، لكنه لا يريدها لنفسة فحسب، بل للأخرين أيضا، وكأنه النبي الذي يريد الخير لكل الناس، يقول "بكر زواهرة":
"حررت ليلي من نهار الأخرين
فرصت شمسا من سرور
حرر نهري من رمال للجحيم
فصرت فردوس الحنين
حرر نفسي من سلاسل موتها
فبنيت عيشا من نشيد الخالدين
حرر نجمي من غمام الكبرياء
فصرت أمطار العطور
حرر جسمي من حصار للحديد

فصرت حرا مثل حب طليق
حرر أرضي من هواجس قاتلي
فرأيتها بيضاء لا محتل يصبغها ولا سواه" ص89و90، من يقرأ هذه القصيدة يفتكر نفسه أمام جبران خليل جبران، فالعطاء غير محدود، والطبيعة حاضرة وفاعلة في الشاعر، وإذا ما توقفنا عند الالفاظ المستخدمة نجدها تمثل حالة التوازن في الكون، الليل والنهار، الغيم والمطر، الحرية والحياة، فهذه القصيدة تعد الوضع الطبيعي في الشاعر، فقد تخلص كليا من الواقع، وهام في عالم آخر، عالم بهي وجميل، يحمل الأمل والفرح.
الديوان من منشورات الجندي للنشر والتوزيع، القدس، فلسطين، الطبعة الأولى 2016







اخر الافلام

.. وفاة الفنانة السورية المعارضة فدوى سليمان


.. ON screen - تغطية خاصة لفعاليات افتتاح مهرجان محكى القلعة لل


.. ON screen - الفنانة يسرا .. واحدة من أهم وأنجح نجمات السينما




.. ON screen - يسرا: لو في خلل في الثقة بين المخرج والممثل يبقى


.. On screen - لقاء خاص وحصري مع الفنانة يسرا وحديث حول مسيرتها