الحوار المتمدن - موبايل



العثمانية طريق إلى اللاأخلاقية

عادل بن خليفة بالكحلة

2017 / 5 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


العثمانية طريق إلى اللاّ أخلاقية:
محاولة في تفهم التشنج الأردوغاني

د. عادل بن خليفة بالكحلة
باحث في الأنتروبولوجيا، تونس

لم تكن دولة بني عثمان » خلافة« ، بمعنى أنها لم تخلف النبي في دستوريّته (صحيفة المدينة)، ولا في إصراره على » الولاية المشتركة« (بلغة القرآن الكريم) أو » الديموس كراطوس« (بلغة الإغريق): » والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض « ولا في مساواته الاقتصادية. فكانت دولة بدون دستور، قائمة على الولاية الفردانية والعائلية والعرقية والتفاوت الاقتصادي الفاحش. ولم تكن تؤمن بوحدة إسلامية إلا إذا اعتبرنا قتل صاحب الدولة المصرية – السورية (الأمير المملوكي) دون ذنب جناه تجاه الملك العثماني – التركي وإسقاط دولته توحيدا نستطيع أن نمارس مثله اليوم. فلم تكن دولة بني عثمان تحمل مشروعية نبوية » خلافة« ولا مشروعية أخلاقية (قتل حكام الدول الأخرى) ولا مشروعية القانون الدولي آنئذ.
ورغم ذلك مازال الكثير من الإسلام المتسيّس بأشكاله من الليبرالية إلى السلفية يؤمن أن دولة بني عثمان » خلافة« ، إلى حدّ تنصيب أحدهم مؤسسا لـ » الخلافة السادسة« (في رواية هي سادسة هذه » الخلافات « : الراشدة، فالأموية، فالعباسية، فالعبيدية، فالعثمانية)، بينما الخلافات الأربع لم تخلف النبي صاحب » النقباء« و » الرحمة للعالمين« في شيء. لا ينكر حزب العدالة والتنمية التركي، وكذلك خصماؤه من الاسلام المتسيس التركي ( خدمت، الأربكانيون، التحريريون ...) أن كلّ واحد منهم يحاول إعادة إنتاج كذبة » الاستخلاف« العثماني على طريقته ... ولا أدري كيف يخلف أردوغان النبيّ في كونه عبدا في حلف شمال الأطلسي، وفي علاقته الدبلوماسية والاقتصادية المتينة بإسرائيل، عدوّة المسلمين الأولى والأخيرة، وفي ليبراليته المتوحشة (بلغة القرآن: » بخس الناس أشياءهم« ) وما تصاعد نسبة الفقر من سنة إلى أخرى بتركيا خافية؟؟
أردوغان » أسد عليّ وفي الحروب نعامة« : تنتفخ أوداجه غضبا على رئيس سوريا عام 2011، آمرا ناهيا له، رغم أنه لم يضرّه في شيء ، طالبا إياهُ دَقْرطَة، لم يطالب بها ملك الأردن –مثلا- والذي كانتْ بلاده تغلي آنئذ بحراكٍ شارعيّ أيضا. ومن العجب العُجاب أن ذات الطلب من رئيس دولة سُوريا طلبه في الوقت نفسه مُلوك العرب الذين » يعرفون« الديمقراطية جيّدا. وذلك في الوقت الذي كانت سوريا محكومة بـ » جبهة تقدّمية« (كان منها وزراء و أحزاب من غير حزب البعث)، ولم يكن فيها قمع لأقلية ( كقمع الأقلية الكردية و الأرمنية والعربية، وكقمع الصحافيين و الجامعيين ، في تركيا) ولم يكن فيها قمعٌ للتديّن (إذ حتى المدارس السلفية كانت تشتغل في سوريا بِحُرِيّة)، وجد بعض منفيّي حركة النهضة التونسية ملاذًا في دمشق، بل زوّرت الاستخبارات السورية لبعضهم جوازات سفر حتى يستطيعوا السفر إلى أوروبا، وكانت الكتب الإخوانية غير ممنوعة من التوزيع في الوقت الذي كانت فيه بتونس محظورة.
لا شيء في هذا العالم العربي، حتى في سوريا، كما يجب، ولكنَّ سوريا لم تكن الأسوأ. وما مدح القرضاوي الرئيس السوري » ذا الحكمة« في نظره عام 2009 (http.youtube.com) إلا شاهدًا من أكبر الشهادات على ذلك. وتركيا لم تكن أفضل من سوريا في مجال الاقتصاد الاجتماعي والخدمات لجميع الطبقات (الصحة، التشغيل...) والأمن الغذائي، والسيادة الوطنية، والقطيعة مع إسرائيل، والتعاون مع الفصائل الفلسطينية. وما كان انتصار 1973 ليكون لولا دولة سوريا، إذ تُربك إسرائيل من الشمال والجنوب معا، وإرباكها من الشمال أخطر لأنه يهمّ عمقها، أكثر من إرباكها من الجنوب لأنه يهم سيناء المصرية فقط. ومن سوء الحظ أن ذلك لم يُدرس بَعْدُ، بل من أخطاء الدولة السورية (ومثقّفيها) أنها لم تُدَوّنْ دورها في انتصار 1973، على عكس تضخيم المصري لدوره. وقد كان حافظ الأسد يريد المواصلة في تحرير بقية الجولان، لولا موافقة الرئيس المصري المفاجئة على إيقاف الحرب بعد 3 أسابيع، وكانت بالفعل »ضربة غادرة« . وقد لعبت بعض كتائب الدول العربية الرجعية الملتحقة بالجبهة السورية بعد حوالي 10 أيام دورًا استخباريّا لفائدة إسرائيل (وتلك من الأخطاء غير المقصودة للرئيس السوري).
ولكنّ كل ذلك لا أهمية له عند أردوغان لأنه يتعامل مع دولة سوريا باعتبارها ولاية عثمانية، فقد أعلن عديد المرات أنه يرفض اتفاقية لوزان سنة 1923 ، فمن »حقه« أن يسترجع جزءًا من شمال سوريا ، خاصة أن فيه قبر أحد أجداده »الخلفاء« ، و لقد نبشه دون أن يجد أدنى مقاومة من السلفية الجهادية و لا من الانفصاليين لأنهم تلقوا الأمر في ذلك من الأمريكي. و لذلك نجده براغماتيا : يقبض المال الخليجي لكي يُسهل مرور آلاف الشبان السلفيين الجهاديين من مطارات البلد، و يهيئ لهم مخيمات تدريب بالجنوب التركي، جاهلا بأن العثمانيين الذين »يخلفهم« هم الذين قوضوا السلفية الجهادية مرّتين. ولكنّه ليس في أوجٍ عثماني، بل في تدهور»رجل مريض« خاضع لإملاءات حلف شمال الأطلسي.
ولا أدري إن كان المنظّر داود أوغلو و المجتهد يوسف القرضاوي يعرفان الآية: » ما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا«، بمعنى حرمية خضوعهم للتبعية لـ»الكافر«و»الكافر وَلَن يّجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً « في القرآن هو الذي يقمع المسلم: »لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) « (الممتحنة) .فالكافر بالمعنى السلفي – الإخواني هو »المخالف في العقيدة«، أما في القرآن الكريم فهو الذي يقاتلنا في ديننا ويخرجنا من ديارنا (كالمحتلّ الصهيوني). إنه يعلن أن الإيمان موجود حتّى لدى غير المسلم: »إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ « (المائدة الآية 69) .
ولقد أعلن أردوغان عديد المرات أنه يرفض اتفاقية أتاتورك مع بريطانيا عام 1926، التي سلّم فيها الموصل لعراق بريطانيا. فهو يريد إحياء الفضاء العثماني، حتى إن كان ذلك دون رضا الدول القائمة. ومن العجيب أن والي الموصل الذي سلّم مدينته دون مقاومة لداعش، هرب إلى تركيا، ومازال هناك، وقد فرح أردوغان بما فعل الوالي، رغم خيانته الوطنية. وهو يجعل نفسه وصيّا على العراق (كما هو وصيّ على سوريا) لأنه مسكون بالحلم الامبراطوري التركي الذي أوصل إلى القضاء على الدولة المصرية – السورية وقتل صاحبها المملوكي من أجل تأسيس »خلافة« عثمانية. ولذلك نجده يحاول تحريك العصبيات العرقية والغرائز الطائفية بالعراق (»فرّق تَسُد«) مقدما خدمة ثمينة لداعش إذْ يشكّك في مشروعية المتطوعين من المقاتلين، وأهدافهم. فمن الذي أوصل السلفية الجهادية إلى العراق وسوريا إلا مطارات أردوغان ومخيّمات التدريب بالجنوب (علاوة على الدورين الأمريكي والسعودي الخليجي)؟
ففعلا، إن لأردوغان كل الحق في أن يقول لرئيس الحكومة العراقي: »الزم حدودك«، ومن حقه أن يقول له: »لستَ من مستواي« لأن الخليفة العثماني ليس في مستوى متمرّد من العراق.
إن من العجيب أن يتخلى بعض ممثلي الإسلام الإخواني عن القول اللّيّن مع »الآخر« : فقولا له قولا ليّنا، فنجده هو أيضا ينحو أحيانا منحى التكفير (خاصة عام 2011، في حالة القرضاوي مع البوطي والرئيس السوري مثلا، بل حتى في حالة أئمة الجمعة الإخوانيين بتونس إذ لطَالَمَا دَعوْا على الرئيس السوري »الكافر« وعبؤوا الشباب المتدين حديثا عن نظامه ولم يكفروا آنئذ إسرائيل ولا عبّؤوا هؤلاء الشبان لاقتحام كيانها) .
فلغة أردوغان لا تليق حتى مع العدو، فضلا عن رجُلٍ لم يمسّ تركيا و حزب العدالة والتنمية بسوء. والأعجب أنه لين الجانب مع الإسرائيليين وعنيف مع العرب والكُرْد و الأرمن، إذ أن مصلحة حلف شمال الأطلسي في أن يصمت عن تجاوزاته الداخلية والخارجية، بل أن يدعّمها. وفي الحقيقة إنّ أوكد إصلاح يجب أن تمارسه حركة الإخوان المسلمين العالمية أن تنقد نفسها أخلاقيّا، فيجب عليها أن لا تنسى: »ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة«، و أن تتخلى عن سَبُعيّتها (بلغة فلسفة الأخلاق السّينوية) وعن الإفراط في العدوانية تجاه المخالف لها. فلقد أصبحت لينة الجانب جدًّا جدًّا مع العلماني والمتأمرك وصندوق النقد الدولي في حين أنها قمعية مع كل نمط تديّني يخالفها (إلا النمط السلفي)، وليّنة جدًّا مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة والرّجعيّة العربية في حين أنها تغضب وتغضب وتغضب مع دولتي سوريا و إيران، فلا تفكّر في التفاوض معهما، ونجد المجتهد يوسف القرضاوي يغضب ويغضب و يغضب على البوطي وبدر الدين حسُّون أكثر من »غضبه« على إسرائيل.
إن قلب هذا الدين: الأخلاق، فمن لا أخلاق له لادين له: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ولم يُبعث النّبيّ محمّد إلّا رحمة للعالمين، وليس رحمة للمسلمين أو للمطيعين له منهم فحسب، »إلّا منْ أبَى«. وعلى حركة الإخوان المسلمين إن أرادتْ استخلافه أن تتذكّر : » فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ولو كنتَ فظّا غليظ القلب لنفضوا من حولك « .







اخر الافلام

.. الليلة | الإعاقة لا تلغي الطاقة.. مقولة تختصر إرادة إسلام مد


.. سوريا.. واشنطن وموسكو تستبعدان الحل العسكري


.. بث مباشر.. وصول الحريري الى بيروت




.. جولة جديدة للحوار الفلسطيني في القاهرة


.. القمة الثلاثية في سوتشي.. ومستقبل سوريا